مع اقتراب موسم الأمطار، يعود ملف السدود والخزين المائي إلى واجهة التحديات التي تواجه العراق، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى استثمار المياه المتاحة بعد تحسن كبير في الخزين خلال الموسم المطري السابق، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة فترات الجفاف المقبلة.

وبينما تتجه الأنظار إلى ما قد تحمله أشهر الشتاء من أمطار وسيول، تتجدد الأسئلة بشأن قدرة المنشآت المائية القائمة على استيعاب المياه، وجدوى التوسع في إنشاء سدود جديدة، ومدى استعداد العراق لتحويل الهطولات الموسمية إلى احتياطي يدعم الزراعة ومياه الشرب خلال أشهر الصيف.

وفي أحدث تحرك حكومي بهذا الاتجاه، بحث وزير الموارد المائية العراقي مثنى التميمي، في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مع وفد من جمهورية التشيك برئاسة وكيل وزارة البيئة إيفو مارتسين، سبل توظيف التقنيات الحديثة وتطوير البنية التحتية الإروائية، بما يشمل إنشاء سدود لحصاد المياه، وبحسب بيان نقلته شبكة "الساعة"، فقد تناولت المباحثات تبادل الخبرات في إدارة المياه والاستفادة من التقنيات الحديثة لمواجهة الشح المائي والتغيرات المناخية.

ولا تمثل هذه المباحثات إعلاناً عن بدء تنفيذ سدود جديدة، لكنها تعكس استمرار توجه الحكومة نحو توسيع خيارات التخزين والاستفادة من الخبرات الأجنبية في تطوير قطاع المياه.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، بحثت اللجنة الوطنية العليا للمياه، برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وضع الخزانات والسدود والإجراءات المتخذة لاستيعاب مياه الأمطار والسيول، وأقرت إجراءات لتقييم السدود والسدات، ومعالجة أسس سد الموصل، وتسريع تنفيذ مشاريع سدود حصاد المياه، وتكشف هذه القرارات عن مسارين متوازيين، وهي تأهيل المنشآت القائمة، وتوسيع القدرة على جمع المياه الموسمية.

من 5 مليارات إلى 34 مليار متر مكعب

أظهرت الأمطار التي شهدها العراق خلال الموسم المطري 2025-2026 قدرة الهطولات على تغيير المشهد المائي خلال فترة قصيرة، بعدما وصل الخزين إلى مستويات متدنية للغاية في نهاية 2025 وبداية 2026.

وفي 12 يوليو/تموز الماضي، أعلن وزير الموارد المائية مثنى التميمي ارتفاع الخزين المائي إلى 34 مليار متر مكعب، بعدما كان في حدود 5 مليارات متر مكعب في بداية العام، عازياً التحسن إلى غزارة الأمطار، مؤكداً ضرورة الحفاظ على المستويات المتحققة لضمان دعم الموسم الزراعي.

ويمثل هذا الارتفاع تحسناً كبيراً مقارنة ببداية العام، لكنه لا يعني أن أزمة المياه انتهت، أو أن البلاد أصبحت بمنأى عن الجفاف، فالخزين يتغير وفق حجم الإيرادات المائية والاستهلاك والإطلاقات التي تتطلبها الزراعة ومياه الشرب والاحتياجات البيئية.

كما أن رقم 34 مليار متر مكعب يعود إلى يوليو/تموز، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه إحصائية للخزين الحالي في أكتوبر/تشرين الأول من دون صدور تحديث رسمي جديد.

وتكمن أهمية هذا التحسن في أنه أتاح فرصة لإعادة ترتيب الأولويات المائية، وتوجيه الموارد المتاحة إلى المناطق التي عانت من نقص مياه الشرب، مع محاولة الاحتفاظ باحتياطي للمواسم التي تتراجع فيها الإيرادات.

لكن التجربة نفسها تؤكد أن الاعتماد على موسم مطري جيد لا يوفر ضمانة دائمة، إذ يمكن أن يتراجع الخزين مجدداً إذا انخفضت الأمطار أو الواردات المائية، أو لم تدار الموارد المتاحة بكفاءة.

خطة لإنشاء ما يصل إلى 40 سداً

في إطار البحث عن حلول طويلة الأمد، أعلنت وزارة الموارد المائية في مايو/أيار 2026 إعداد خطط لإنشاء ما بين 36 و40 سداً لحصاد المياه في مناطق مختلفة من العراق، بهدف الاستفادة من مياه الأمطار والسيول خلال الشتاء وتوظيفها في دعم الاستخدامات الزراعية خلال الصيف.

وقال المدير العام للهيئة العامة للسدود والخزانات في الوزارة، وسام خلف عبيد، في تصريح لجريدة الصباح الرسمية، إن 3 مشاريع هي سدود الأبيض والخرز وأبو طاقية، ضمن التعاون العراقي التركي، وصلت إلى مراحل متقدمة من التصميم بعد إجراء تعديلات فنية، فيما ظلت مشاريع أخرى قيد الدراسة.

ويعني ذلك أن الخطة المعلنة لا تساوي 40 سداً جاهزاً للعمل، فالمشاريع تختلف من حيث مراحل إعداد الدراسات والتصميم والإجراءات اللازمة للتنفيذ، ولا تتوافر في التصريحات المشار إليها بيانات مكتملة تسمح بتحديد موعد إنجاز كل سد أو إجمالي سعته التخزينية المتوقعة.

وتختلف سدود حصاد المياه عن السدود الكبرى التي تنظم تدفقات الأنهار وتخزن كميات ضخمة من المياه، فهذه المنشآت الصغيرة أو المتوسطة تستهدف، بحسب موقعها وتصميمها، تجميع مياه الأمطار والسيول المحلية والاستفادة منها في الزراعة وسقي الحيوانات، وقد تسهم في تغذية المياه الجوفية.

وتتوقف جدوى كل مشروع على طبيعة المنطقة ومعدلات الهطول والتضاريس ونوعية التربة ومعدلات التبخر، فضلاً عن كلفة الإنشاء والصيانة لذلك، فإن تحديد عدد السدود وحده لا يكفي لتقييم الخطة، بل ينبغي معرفة كميات المياه التي يمكن جمعها فعلياً، والمناطق المستفيدة منها، والكلفة المتوقعة لكل متر مكعب مخزن.

سد حديثة.. مؤشر على أهمية إدارة التدفقات

في محافظة الأنبار، أظهرت التطورات الأخيرة أهمية إدارة المياه الوافدة إلى العراق بالتوازي مع تشغيل السدود والخزانات.

ففي 3 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت مديرية الموارد المائية في الأنبار ارتفاع الخزين في سد حديثة إلى أكثر من 6 مليارات متر مكعب، بالتزامن مع ارتفاع مناسيب الفرات خلال سبتمبر/أيلول ووصول موجة مائية من الجانب السوري.

وقال مدير الموارد المائية في المحافظة، جمال عودة، إن التدفقات الواردة جرى استيعابها وخزنها في بحيرة حديثة، مؤكداً أن مناسيب النهر ظلت ضمن الحدود الآمنة والمسيطر عليها.

وتوضح هذه الحالة أن السدود لا تقتصر وظيفتها على الاحتفاظ بالمياه، بل تشمل تنظيم التدفقات وتوزيعها بحسب الاحتياجات، وتوجيه جزء منها إلى خزانات أخرى عند الضرورة.

غير أن ارتفاع الخزين في سد حديثة لا يعكس وحده الوضع المائي في العراق كله، إذ يتطلب التقييم الوطني معرفة مستويات الخزين في بقية السدود والبحيرات، وحجم الإيرادات الجديدة، والإطلاقات المائية، والاحتياجات الفعلية في مختلف المحافظات.

كما أن مقارنة الأرقام المنشورة في أوقات مختلفة يجب أن تراعي تاريخ القياس ونطاقه، وما إذا كان الرقم يخص سداً بعينه أو مجموع الخزين الوطني.

سد الموصل.. الخزن لا ينفصل عن الصيانة

لا تقتصر التحديات على إنشاء سدود جديدة، فسلامة المنشآت القائمة وكفاءتها التشغيلية تمثلان جزءاً أساسياً من الأمن المائي.

وفي اجتماع اللجنة الوطنية العليا للمياه في 5 أكتوبر/تشرين الأول، وردت معالجة أسس سد الموصل ضمن الإجراءات التي أقرتها اللجنة، إلى جانب تقييم السدود والسدات وتسريع مشاريع حصاد المياه.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع تحسن الخزين وارتفاع مناسيب المياه، إذ ينبغي أن تسير إدارة الخزانات بالتوازي مع المراقبة الفنية والصيانة المستمرة والالتزام بإجراءات السلامة والتشغيل.

وبذلك، فإن الاستثمار في تأهيل السدود القائمة وتطوير أنظمة المراقبة والتحكم قد يكون جزءاً مهماً من تعزيز القدرة التخزينية، إلى جانب دراسة إنشاء منشآت جديدة حيث تثبت الحاجة والجدوى.

هل يحتاج العراق إلى سدود أكبر أم إلى إدارة أفضل للمياه؟

تطرح الخطط المعلنة لإنشاء عشرات السدود سؤالاً أساسياً عن طبيعة المشاريع التي يحتاج إليها العراق فعلياً، فزيادة عدد المنشآت ليست هدفاً مستقلاً عن حجم المياه المتاحة، والاحتياجات المستقبلية، وكلفة التخزين، والقدرة على الاستفادة من المياه المحجوزة.

وقد يكون إنشاء سد كبير مناسباً في موقع تتوافر فيه إيرادات مائية كافية وظروف جيولوجية ملائمة، فيما قد تكون السدود الصغيرة وحواجز السيول أكثر جدوى في مناطق أخرى، ولا يمكن حسم هذه المفاضلة من دون دراسات هيدرولوجية وفنية واقتصادية لكل موقع.

كذلك، لا تحل أزمة المياه بمجرد زيادة السعات التخزينية. فالعراق يواجه تحديات مرتبطة بتذبذب الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة والتبخر، وكفاءة استخدام المياه في الزراعة، فضلاً عن حجم الواردات المائية القادمة من دول الجوار.

ولهذا، ينبغي أن تتكامل مشاريع السدود مع تحسين أساليب الري، وتأهيل شبكات نقل المياه، والحد من التجاوزات والهدر، وحماية المياه الجوفية من الاستنزاف، وتطوير أنظمة الرصد والتنبؤ بالأمطار والسيول.

ويظل التعاون مع دول المنبع عنصراً مهماً أيضاً، لأن إدارة السدود العراقية لا تستطيع تعويض جميع الانخفاضات المحتملة في المياه الواردة عبر نهري دجلة والفرات وروافدهما.

موسم الأمطار.. فرصة تحتاج إلى خطة

يدخل العراق الموسم المطري الجديد بعد تحسن كبير في الخزين خلال الموسم السابق، وفي وقت أعلنت فيه الحكومة إجراءات لتقييم السدود القائمة وتسريع مشاريع حصاد المياه، فيما تواصل وزارة الموارد المائية بحث الاستفادة من الخبرات الأجنبية والتقنيات الحديثة.

لكن نجاح هذه الجهود لن يقاس بعدد الاجتماعات أو المشاريع المعلنة، بل بمدى انتقال الخطط إلى التنفيذ، وبحجم المياه التي ستجمع فعلياً، وبقدرة الجهات المعنية على الاحتفاظ بها وتوزيعها بكفاءة خلال فترات الشح.

وبينما تتجه الأنظار إلى أمطار الشتاء، لا يكمن التحدي في استقبال المياه فحسب، بل في الاستعداد لها مسبقاً، واختيار المواقع المناسبة لحصادها، وصيانة المنشآت القائمة، وربط مشروعات التخزين بخطة وطنية متكاملة لإدارة الموارد المائية.

فالأمن المائي في العراق لا يتحقق بسدود أكثر عدداً بالضرورة، وإنما بمنظومة قادرة على جمع المياه المتاحة، وتقليل الفاقد، وتأمين الاحتياجات الأساسية، ومواجهة المواسم الجافة حين لا تكون الأمطار كافية.