بينما ترتفع درجات الحرارة في صيف 2025، تنخفض مناسيب المياه في العراق إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثمانية عقود، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات صعبة تتصدرها إلغاء الخطة الزراعية الصيفية بالكامل.
لكن الأرقام والتصريحات الرسمية لا تُنذر فقط بصيف قاسٍ، بل تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل دخل العراق مرحلة الجفاف المزمن؟
وبحسب وزارة الموارد المائية، فإن البلاد تواجه انخفاضاً حاداً في الخزين الاستراتيجي للمياه، حيث لا يمتلك العراق حالياً سوى 10 مليارات متر مكعب من المياه، بينما يفترض أن يبدأ الصيف بـ18 ملياراً على الأقل.
ووصف المتحدث باسم الوزارة، خالد شمال، لوكالة "فرانس برس" وتابعته شبكة "الساعة" الوضع بأنه "الأسوأ منذ 80 عاماً"، مؤكداً أن "حصة العراق الحالية لا تتجاوز 40 % من المتوقع في أسوأ انخفاض منذ عقود".
شح المياه يقلب أولويات الدولة
الإجراء الأكثر دلالة على عمق الأزمة تمثل في إعلان إلغاء الخطة الزراعية للصيف الحالي، وهو قرار وصفه وزير الموارد المائية، عون ذياب، بـ"الصعب لكنه ضروري".
وقال ذياب، الذي زار تركيا مؤخراً، إن "العراق يمر بسنة جفاف شديدة تتطلب دعماً دولياً"، مشيراً إلى أن "مباحثات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مع أنقرة أسفرت عن وعود إيجابية بإطلاقات مائية".
لكن تقليص الزراعة ليس خياراً بلا كلفة فالمزارعون سيتكبدون خسائر، والثروة الحيوانية مهددة بالنفوق، كما بدأت أرقام النزوح البيئي بالارتفاع، إذ سجلت منظمة الهجرة الدولية نزوح أكثر من 28 ألف عائلة في مناطق وسط وجنوب البلاد بسبب الجفاف.
أزمة مركبة.. ومخاوف من تغير ديمغرافي
أزمة المياه في العراق لم تعد أزمة إدارة أو حتى علاقات خارجية فقط، بل تحولت إلى تحدٍ بيئي واقتصادي واجتماعي شامل.
ومنذ شتاء 2022 حذر تقرير صادر عن البنك الدولي من أن العراق سيواجه فجوة مائية متسارعة قد تصل إلى 11 مليار متر مكعب بحلول عام 2035، مشيراً إلى أن تغير المناخ لا يهدد الموارد فقط، بل يُعرض العقد الاجتماعي في البلاد للخطر.
وعد التقرير أن العراق من أكثر الدول هشاشة في مواجهة التغيرات المناخية، سواء من حيث شُحّ المياه وارتفاع درجات الحرارة، أو من حيث ضعف البنية الاقتصادية التي تعتمد على النفط كمصدر دخل رئيسي.
في هذا السياق، يؤكد طورهان المفتي، مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه، أن عبور أزمة هذا الصيف ممكن، لكن بشروط صارمة، أهمها التزام المواطن والمؤسسات بخطط الترشيد.
وقال المفتي في لقاء متلفز تابعته شبكة "الساعة" أن "نمط الري التقليدي الذي لا يزال معتمداً في مناطق واسعة لم يعد ملائماً لعصر الفقر المائي"، مبيناً أن "التغيير بات حتمياً ومن غير المقبول أن نبقى نروي محاصيلنا كما فعلنا قبل 4 آلاف عام".
بين منبع ومصب.. جدل لم يُحسم
وأردف المفتي: "أحد أعقد أبعاد الأزمة يتمثل في العلاقة مع دول الجوار فالعراق يُعد دولة مصبّ، فيما تصنف تركيا وإيران نفسيهما كـدول منبع، وترفضان الاعتراف بمبدأ الدول المتشاطئة الذي يطالب به العراق".
وبين أن "غياب اتفاقيات قانونية ملزمة لتقاسم الضرر يزيد من هشاشة الموقف العراقي"، مشيراً إلى أن "الاتفاق الإطاري الأخير مع تركيا يشكل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح".
وأوضح مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه أن "أنقرة تُحمّل بغداد مسؤولية سوء استخدام الإطلاقات المائية، وتدعو إلى الاستفادة القصوى من كل متر مكعب قبل أن يتبخر في مياه الخليج"، مبيناً أن "العراق يرى أن تدفق المياه نحو شط العرب أمر حيوي لمنع زحف اللسان الملحي وحماية البيئة المائية في البصرة".
التبخر يلتهم 9 مليارات متر مكعب سنوياً
لا تقتصر أزمة المياه في العراق على ما يُحجب خارجياً من قبل دول المنبع، بل تمتد أيضاً إلى خسائر داخلية هائلة ناجمة عن سوء إدارة الموارد المتاحة، أبرزها فقدان نحو 9 مليارات متر مكعب سنوياً بسبب التبخر، وفقاً لما كشفه رئيس منظمة طبيعة العراق، جاسم الأسدي.
وأوضح الأسدي أن "السبب يعود إلى تصميم السدود والبحيرات بشكل يجعلها مكشوفة لمساحات واسعة من أشعة الشمس، مثل بحيرة الثرثار والأهوار الجنوبية، ما يؤدي إلى تبخر كميات ضخمة من المياه".
ولفت إلى أن "ما يخسره العراق سنوياً بسبب التبخر يفوق حجم الاستهلاك السنوي لدول مجاورة مثل الأردن، التي تعتمد على أقل من مليار متر مكعب وتنجح في تلبية احتياجاتها الزراعية بل وتصدير جزء من إنتاجها".
وفي هذا السياق، أشار الأسدي إلى أن "بروتوكولاً مائياً وُقّع عام 1946 مع تركيا كان يسمح للعراق بإنشاء سدود داخل الأراضي التركية لتقليل الهدر المائي الناتج عن التبخر، إلا أن هذا الاتفاق لم يُفعّل حتى اليوم، ما يزيد من حجم الفاقد المائي ويضاعف تحديات البلاد في ظل موجات الجفاف المتكررة.
التحدي القادم.. ضمان مياه الشرب
وسط هذا المشهد المقلق، تحاول الحكومة الحفاظ على أولوية مياه الشرب، أوضح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال أن الخطة الزراعية الجديدة ستركز فقط على أكثر من مليون ونصف دونم من المساحات الخضراء والمثمرة.
وقال إن "الأولوية المطلقة الآن هي لضمان توفير المياه لـ 46 مليون عراقي، وهو ما يستدعي إجراءات استثنائية وإدارة دقيقة للخزين القليل المتبقي".
دعوات دولية لإجراءات عاجلة
مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه، الذي عُقد مؤخراً تحت شعار "المياه والتكنولوجيا.. شراكة من أجل التنمية"، شهد إجماعاً دولياً على أن العراق بحاجة إلى تدخل عاجل.
وأكد ممثل الأمم المتحدة، ماركو أرسيري، أن "شح المياه ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني لكنه أشاد بجهود الحكومة العراقية في محاولة تحقيق توازن بين الأمن المائي والاقتصادي".
من جانبها شددت منظمة اليونيسف والمديرية العامة للماء على أن ملايين العراقيين يواجهون صعوبة في الحصول على مياه الشرب، داعين إلى تحرك سريع لحماية الموارد المائية، وسط مخاوف من أن يتحول العطش إلى أزمة صحية واجتماعية شاملة.
بدوره، كشف مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه، طورهان المفتي، بأن "الدولة لا تملك وحدها مفاتيح الخروج من أزمة المياه، ما لم يواكبها وعي شعبي وتغيير جذري في سلوك التعامل مع هذا المورد الحيوي".
وأكد أن "عبور صيف 2025 يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمواطن، ولا سيما في القطاع الزراعي، حيث لا تزال أساليب الري التقليدية تستنزف المخزون القليل المتبقي"، داعياً إلى "دعم التحول إلى تقنيات حديثة، والانخراط المجتمعي في حماية الموارد".
ووضع المفتي الكرة في ملعب الجميع: "الدولة قد تُخطط لكن المواطن هو من يُنقذ فالماء لم يعد مسألة خدمات بل قضية بقاء".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام