موجة نزوح جديدة يشهدها العراق، هجرة ليست بسبب العمليات العسكرية وسيطرة تنظيم "داعش" على بعض المدن العراقية والتي لم تطوى صفحتها بعد، ولكن بسبب تفاقم مشكلة الجفاف وشحة المياه.
ويصف مراقبون في الشؤون البيئية أن خطر الجفاف تحول لخطر يهدد أمن واستقرار واقتصاد البلاد، وأنه بات الخطر المقبل بعد أن تجاوز العراق خطر الإرهاب.
وزادت خطورة الجفاف في العراق مع استمرار التغييرات المناخية وقلة الأمطار سواء داخل العراق وفي دول الجوار، والأهم من ذلك تجاوز دول المنبع (تركيا وإيران) على الحصص المائية الواردة للعراق (دولة المصب) وعدم مشاركته في الضرر ليكون بذلك المتأثر الأكبر من المشكلة.
بينما يعزو مختصون تأثر العراق الشديد بأزمة الجفاف ونفاد موارده المائية إلى سوء إدارة الجانب الحكومي العراقي لملف المياه طيلة العقدين الماضيين، وعدم اتخاذ أي إجراء لتجنب أزمة المياه كما تتخذها باقي الدول.
وسجلت العديد من المحافظات الجنوبية موجات نزوح متتالية خلال العامين الماضيين نتيجة الجفاف، بينما لا تزال الهجرة مستمرة بحثا عن مواقع تتوفر فيها المياه.
وأفادت دائرة الهجرة والمهجرين في النجف، بأن النجف استقبلت موجة نزوح داخلي جديدة بسبب التصحُّر والجفاف.
وقال مدير الهجرة في النجف رعد الطفيلي في تصريح تابعته "الساعة"، إن "المحافظة استقبلت 742 عائلة نازحة منذ عام 2023، معظمها من محافظة الديوانية لقربها الجغرافي من النجف"، مشيراً إلى أن "هذه العائلات فقدت أراضيها الزراعية بسبب التصحُّر والجفاف".
وفي ذي قار، أكد معاون المحافظ حيدر سعدي أن "أهوار المحافظة تشهد موجة نزوح جماعي غير مسبوقة، حيث أُجبرت أكثر من عشرة آلاف عائلة على ترك قراها والانتقال نحو المناطق القريبة من الأنهار أو مراكز المدن، بسبب تفاقم الجفاف وشحّ المياه".
وأوضح سعدي أنّ "الجهات المختصة سجلت نفوق أكثر من 14 ألف رأس من الجاموس، الذي يُعدّ المورد الاقتصادي الأساسي بالنسبة لسكان الأهوار"، مشيراً إلى أن "ما يحدث لا يقتصر على الخسائر الاقتصادية المباشرة، بل يشكل تهديداً خطيراً على الأمنين الغذائي والاجتماعي في جنوب العراق".
وأضاف أن "الصيادين تركوا مهنة الصيد التي ورثوها جيلاً بعد جيل، في حين لجأ آخرون إلى البحث عن أعمال هامشية في المدن بعدما فقدوا مصادر رزقهم الطبيعية"، ودعا إلى "التحرك الفوري ووضع خطط عاجلة لإنقاذ ما تبقّى من بيئة الأهوار، من خلال تأمين حصص مائية كافية، وتعويض العائلات المتضررة، وإنشاء برامج لدعم استقرار السكان المحليين"، محذراً من أن "استمرار الأزمة قد يؤدّي إلى تداعيات بيئية واجتماعية بالغة الخطورة".
وفي ميسان، أكدت مصادر صحفية أن 20 نهرا فرعيا جف تماما في ناحية المشرح شرق المحافظة في مؤشر خطر لاتساع رقعة الجفاف هذا العام.
وقالت المصادر إن "جفاف هذه الأنهار يبعث بمؤشر خطير يشير لوجود خلل في إدارة التوزيعات المائية في المحافظة ويتسبب بمزيد من المعاناة ويفاقم من أزمات اقتصادية وبيئة كبيرة تهدد مناطق الأهوار"، وأوضحت المصادر أن "جفاف الأنهار يرجع بشكل رئيسي إلى قطع المياه عنها من الجانب الإيراني"، مؤكدة أن "الجانب العراقي يتجاهل الضغط على إيران بشأن هذه ملف المياه".
ويعد العراق من أكثر الدول تأثرا بأزمة تغير المناخ وشح المياه، حيث فقد أكثر من 50% من موارده المائية منذ عام 2003، بسبب الانخفاض الحاد في تدفقات نهري دجلة والفرات، والتوسع الإقليمي في بناء السدود، وغياب اتفاقيات مائية ملزمة مع دول الجوار.
وفي وقت سابق، أطلقت لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب تحذيراً عاجلاً بشأن تفاقم أزمة المياه في البلاد، محذرة من تداعيات خطيرة تمس الأمن المائي والغذائي، وتهدد مستقبل مناطق واسعة، لا سيما الأهوار.
وقالت عضو اللجنة، زوزان كوجر، إن "ملف المياه بات من الملفات الحيوية والمعقّدة، ويمسّ بشكل مباشر اقتصاد العراق وأمنه الغذائي والمائي"، مشيرة إلى أن "هناك شحاً مقلقاً في الموارد المائية نتيجة أسباب خارجية تتعلق بتقليل الإطلاقات المائية من دول الجوار، وأخرى داخلية بسبب غياب الإدارة الصحيحة".
من جانبه حذر النائب مضر الكروي من دخول البلاد في أكبر موجة جفاف منذ نحو قرن من الزمن، محذرًا من التداعيات الخطيرة لتراجع الخزين المائي وتقلص الإطلاقات إلى مستويات حرجة.
وقال الكروي: إن "العراق وصل إلى مرحلة حرجة هي الأقسى منذ 100 عام، مع بدء الجفاف بإلقاء ظلاله الثقيلة على المجتمع من خلال التظاهرات، وحالات النزوح الداخلي، وفقدان مصادر الرزق في قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والسمكية".
ويرى الخبير والناشط البيئي أنس الطائي أن العراق يواجه خطرا حقيقيا في الجفاف وشحة المياه، والذي ألقى بضلاله المباشرة على تقلص المساحات الزراعية من جهة، وتصاعد الهجرة والنزوح من المناطق الأكثر تضررا بأزمة المياه، فيما حذر من أن تفاقم الازمة قد يصل بالعراق إلى مرحلة انعدام المياه الصالحة للشرب في الكثير من المدن ولا سيما الجنوبية.
وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ناقوس الخطر بدأ يدق في العراق بسبب أزمة المياه والجفاف، وهذه الأزمة تفاقمت خلال الأعوام الثلاثة الماضية".
وأشار الطائي إلى أن "التأثير الأول لشح المياه بدأ يظهر من خلال تقلص الأراضي الزراعية حيث تراجعت الأراضي الصالحة للزراعة بنسب كبيرة قد تصل لما فوق النصف بسبب الجفاف"، مبينا أن "انعدام الزراعة في المناطق التي كانت تعتمد عليها بسبب أزمة المياه دفع لنزوح الكثير من السكان من المناطق الجنوبية، فيما توقع أن يشهد العراق موجات نزوح واسعة من جنوب البلاد إلى شمالها في حال استمرت الأزمة دون معالجات حكومية سريعة".
ونوه إلى أن "مشكلة المياه خلال الفترة الأخيرة تسببت بتراجع الخزين المائي في البلاد والذي كان يصل لنحو 50 مليار متر مكعب، في حين لا يتجاوز في الوقت الحالي الـ 7 مليارات متر مكعب"، محذرا من أن "بعض التقارير تتحدث عن أن 15% فقط من الأراضي العراقية سيصلها الماء بحلول العام 2040، وهو أمر ينذر بخطر كبير مقبل على العراق".
وانتقد الطائي غياب المعالجات الحكومية الحقيقية لمشكلة الجفاف وشحة المياه رغم استمرار الأزمة طيلة السنوات الماضية، مشددا على "ضرورة أن تبدأ المعالجات الحكومية بفرض سياسة تقنين وترشيد استهلاك المياه واعتماد الطرق الحديثة في التقنين والاستهلاك الزراعي".
وأكد على "ضرورة أن يعمل العراق على الحفاظ على خزينه الاستراتيجي من المياه من خلال الضغط على دول المنبع لزيادة الإطلاقات المائية نحو العراق وتقاسم الضرر معه"، لافتا إلى "أهمية أن تباشر الجهات الحكومية باستغلال مياه البحر المالحة عبر مشاريع تحلية المياه والتي يفترض أن يتوجه العراق إليها منذ سنوات للحد من أزمة مياه الشرب في المحافظات الجنوبية".
وتابع الطائي: أن "السنوات المقبلة في حال استمرت أزمة المياه ولم تقابلها الحكومة بإجراءات عاجلة فإن العراق سيكون مقبلا على هجرة وعمليات نزوح جماعية من المناطق الجنوبية باتجاه مناطق أخرى ولاسيما الشمالية، وهو ما سيخلق أزمات جديدة على الصعيد الخدمي والإداري".
من جانبه، يؤكد الخبير والمستشار في شؤون السدود والمياه عادل المختار أن أزمة المياه في العراق ترجع في الغالب إلى سوء الإدارة للموارد المائية، لا سيما وأن العراق كان يتلقى خلال العامين الماضيين إطلاقات مائية جيدة من الجانب التركي تصل لنحو 2000 متر مكعب في الثانية.
وقال المختار في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق يواجه خطرا حقيقيا بسبب تراجع الخزين الاستراتيجي لأقل من 7 مليار متر مكعب"، مبينا أن "الخطر الأكبر الذي يهدد العراق يتمثل بجفاف الموسم الشتوي المقبل، والذي سيؤدي إلى حلول كارثة حقيقية في العراق يعجز خلالها عن توفير حتى المياه المخصصة للشرب".
وأضاف المختار: أن "سوء الإدارة لملف المياه من الجانب العراقي هو ما أوصل إلى هذه الأزمة والكارثة"، مبيناً أن "العراق كان يمتلك في الصيف الماضي خزيناً مائياً يزيد على 21 مليار متر مكعب، لكن المشكلة بدأت بعد سنة واحدة من هذا الخزين الجيد، وذلك بسبب استنزاف المياه بصورة خاطئة في الزراعة وهدر المياه والوصول إلى الوضع الخطير حالياً".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام