على الرغم من إثارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ملف التعديل الوزاري في كابينته الحكومية إلا أن أغلب التوقعات تشير إلى عدم إمكانية إجراء هذا التعديل في الوقت المتبقي من عمر الحكومة والذي من المفترض ألا يزيد عن 14 شهرا.

ومؤخرا طرح السوداني ملف التعديل الوزاري وأكد عزمه إجراء هذا التعديل وتقديمه إلى مجلس النواب خلال الأيام القريبة المقبلة، لكنه رهن هذا الإجراء بحسم ملف رئاسة البرلمان، إذ إن المنصب يدار بالوكالة منذ 10 أشهر.

وأوضح السوداني خلال مؤتمر صحفي أن الحكومة تنتظر حسم ملف رئاسة البرلمان العراقي من أجل التقدم إلى مجلس النواب لإقرار التعديل الوزاري المبني على تقييم أداء الوزراء في الفترة الماضية منذ توليهم المناصب.

وفي بلد كالعراق، تفرض التوافقات السياسية نفسها في تشكيل الحكومة وترشيح الوزراء، فيكون من الصعب أو المستحيل إجراء أي تعديلات وزارية دون الاتفاق بين القوى السياسية قبل ذلك.

موقف برلماني

وشكك أعضاء في مجلس النواب بقدرة السوداني على إجراء التعديل الوزاري الذي أعلن عنه مؤخرا وفي أوقات سابقة.

وقال عضو مجلس النواب ياسر الحسيني أن "التغييرات الوزارية في الوقت الحالي أمر مستغرب"، مرجحا: "ألا يعدو هذا الأمر كونه صفقة سياسية وليست مهنية، وهو ما لا يهم الشعب العراقي بشيء"، مشيرا إلى "أهمية إجراء التعديل الوزاري وإبعاده عن المساومات السياسية لأنه سيكون كفيلاً بإنهاء التقصير الذي يضرب العديد من الوزارات وأبرزها النفط والصناعة والتجارة".

كما أشار النائب ثائر الجبوري إلى أن "التعديل الوزاري يفترض أن يكون مبكراً وليس الآن"، مستبعدا "إمكانية إجرائه بسبب عدم كفاية الوقت المتبقي من عمر الكابينة الوزارية، فيما رهن إجراء التعديل بقيام مجلس النواب باستجواب الوزير ومن ثم إقالته في حال عدم القناعة به".

من جهته، يرى النائب في البرلمان معين الكاظمي أن "التعديل الوزاري الذي طرحه السوداني ستكون له ردود أفعال كبيرة من القوى السياسية وربما سيدخل البلاد في أزمة سياسية حقيقية".

الوزارات المشمولة بالتعديل

وكشفت مصادر حكومية عن أسماء الوزارات التي ستُشمل بالتعديل الوزاري "في حال جرى" إذ إن الحديث شمل 7 وزارات.

وقالت المصادر بحسب ما تناقلت وسائل الإعلام العراقية المحلية: إن "من المرجح أن الوزارات التي ستُشمل بالتعديل الوزاري الذي أعلن عنه السوداني أن يشمل وزارات التجارة (التابعة لزعيم تحالف السيادة خميس الخنجر) والتربية (التابعة لتحالف عزم بزعامة مثنى السامرائي) والثقافة (التابعة لتحالف تقدم بزعامة محمد الحلبوسي) والنقل (التابعة لحركة بدر بزعامة هادي العامري) والتعليم العالي (التابعة لحركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي)، والزراعة (التابعة لائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي)، والموارد المائية (التابعة لتحالف تصميم بزعامة عامر الفائز).

لا تعديل وزاريًّا قادم

واستبعد الباحث والمحلل السياسي عادل المانع إمكانية قيام رئيس الوزراء بالتعديل الوزاري خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن النية والرغبة بالتعديل لدى السوداني موجودة لكن ما يحول دون تنفيذها هو ضغوط الكتل السياسية.

وقال المانع في حديث لشبكة "الساعة": إن "التعديل الوزاري أمر مستبعد فيما بقي من عمر حكومة السوداني والذي لم يتبقَ منه سوى 14 شهرا في أحسن الأحوال على افتراض إجراء الانتخابات البرلمانية الاعتيادية في أكتوبر/ تشرين أول عام 2025".

وأضاف: أن "السوداني اشترط في التعديل الوزاري حسم ملف رئاسة مجلس النواب، وهو ما يجعل من التعديل أمرا مستحيلا، لأن الخلافات ما تزال مستمرة لغاية الآن بين القوى السنية بشأن مرشح رئاسة مجلس النواب، كما أن بعض القوى السنية تدفع نحو بقاء محسن المندلاوي في رئاسة المجلس من أجل ضمان عدم ذهاب المنصب إلى كتلة أخرى على خلاف معها".

وأشار إلى أن "المعطيات تبين أن حسم ملف رئاسة البرلمان لن يكون قريبا، وبالتالي فإن إجراء التعديلات لن تكون في هذه الكابينة الوزارية".

ولفت المانع إلى أن "الضغوط السياسية منعت السوداني من إجراء أي تعديلات وزارية رغم أنه كان عازماً عليها خلال الأشهر الـ 6 الأولى من عمر حكومته"، مبينا أن "القوى السياسية مثلما اعترضت ورفضت أي تغيير وزاري في الأشهر الأولى من عمر حكومة السوداني فهي لن ترضى بالتعديل في هذه المرحلة ولا سيما أن حديث السوداني عن التعديل يأتي في ظل أزمة سياسية نتيجة الكشف عن ملفات التنصت أو التجسس وتداعيات سرقة القرن وغيرها من الملفات".

وشدد المانع على أن "رئيس الوزراء أراد من طرح ملف التعديل الوزاري توصيل رسالة سياسية للجهات التي شنت عليه حملة الاستهداف ولا سيما في الأسبوع الأخير، فجعل من طرحه الأخير ورقة للضغط على الجهات التي تستهدفه".

المحاصصة تعرقل التعديل الوزاري

أما مدير مركز بغداد للدراسات مناف الموسوي فأكد أن المحاصصة التي سيطرت على تشكيلة الحكومة الحالية والتي رضي بها السوداني منذ البداية تشكل عائقا أمام التعديل الوزاري.

وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحكومة الحالية برئاسة السوداني، كما الحكومات السابقة تخضع للمحاصصة الحزبية والسياسية، وهذه المحاصصة تحول دون إجراء أي تعديل وزاري، على اعتبار أن الوزارة هي حصة الكتلة السياسية وليس حصة رئيس الوزراء".

وأضاف الموسوي: أن "السوداني وافق منذ تشكيل حكومته أن تكون حكومة محاصصة وأن العديد من الوزراء فرضوا عليه بدون اختياره، وذلك يجعل التعديل غير قابل للتنفيذ".

وأشار إلى أن "العديد من الكتل السياسية أخذت تعهدات وقسماً من الوزراء من أجل إعطاء الولاء لكتلهم وليس للعراق وذلك يعطي صورة واضحة عن تمسك الكتلة بالوزارة وعدم السماح لأي جهة بأخذها منها"، مشددا على أن "الحكومة الحالية فشلت منذ البداية بسبب أنها بنيت على المحاصصة".

كما أوضح الموسوي أن "إحدى الإشكاليات التي أدخل السوداني نفسه فيها هو ربط التعديل بانتخاب رئاسة البرلمان وهذا ليس من صلاحياته ولا من حقه لأنه لا يمتلك كتلة سياسية قوية".

 وبين أن "حديث السوداني عن التعديل في ظل أزمة داخل الإطار يمثل عملية تهديد لمنتقديه المطالبين باستقالته أو عدم التجديد له لولاية ثانية رغم أنهم شركاء حقيقيون في المشهد الشيعي داخل الإطار، كما أنها محاولة لخلق حالة من الضغط على الكتل السياسية لمواجهة ما أثير من حملة تستهدف السوداني في الأيام الأخيرة".

ويحذر باحثون في الشأن العراقي من أزمة سياسية قد تضرب البلاد في حال شروع السوداني بإجراء التعديلات الوزارية دون التوافق مع الكتل السياسية، لأن إقالة وزير بآخر أو استبداله، ستدفع الأحزاب الأخرى للمطالبة بأن يتم تقييم بقية الوزارات، وستحدث أزمة سياسية تشمل كل الأحزاب الداعمة للحكومة.

وفي نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 2022، شكَّل السوداني حكومته بدعم من تحالف "إدارة الدولة" الذي ضمَّ كل الأحزاب السياسية التقليدية عدا التيار الصدري.

وألزم السوداني نفسه بمبدأ "التقييم" الذي أورده في برنامجه الحكومي، الذي يقضي بتقييم أداء الوزراء خلال 6 أشهر من عمر حكومته.

 وتضم الحكومة العراقية الحالية 23 وزارة موزعة على الأحزاب السياسية السنّية والشيعية والكردية، فضلاً عن الأقليات، بطريقة "المحاصصة"، أو كما تعبّر عنها الأحزاب التقليدية بالاستحقاق الانتخابي، وهي "توافقية" وفق تصنيفات المراقبين العراقيين، إذ إنها مُررت عبر البرلمان العراقي في أكتوبر العام الماضي، من دون خلافات بين الأحزاب.