قد تكتب رأياً سياسياً على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وبعد دقائق تنهال عشرات الحسابات على منشورك بالتعليقات والاتهامات والشتائم، وقد يصل الأمر إلى الطعن بالأعراض والتخوين المشهد يوحي بأن عشرات الأشخاص الغاضبين اجتمعوا ضدك، لكن ما يظهر على الشاشة لا يعني بالضرورة أن خلف كل حساب شخصاً مختلفاً.
في العراق، لم تعد "الجيوش الإلكترونية" مجرد توصيف يتبادله الخصوم السياسيون، إذ تكشف بيانات شركات التكنولوجيا ودراسات أكاديمية وتقارير أممية عن شبكات من الحسابات الوهمية والمنسقة استُخدمت للتأثير في النقاش العام، ومهاجمة صحفيين وناشطين وخصوم سياسيين، والترويج لخطابات ومواقف محددة.
ومع وجود أكثر من 40 مليون هوية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة واسعة للصراع السياسي؛ لا تقتصر المنافسة فيها على الوصول إلى الجمهور الحقيقي، بل تمتد إلى محاولة صناعة انطباع بوجود جمهور واسع يؤيد موقفاً أو يرفض آخر.
لكن من يقف خلف هذه الجيوش؟ وكيف تستطيع مجموعة محدودة من المشغلين والحسابات صناعة انطباع بوجود رأي عام واسع؟
جمهور بالملايين
تبدو أهمية الفضاء الرقمي في العراق أكثر وضوحاً عند النظر إلى حجمه، إذ بلغ عدد هويات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي 40.1 مليون هوية، وفق بيانات مؤسسة "Kepios" المنشورة ضمن تقرير "Digital 2026"، بزيادة بلغت 5.8 ملايين هوية، أو 17%، مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ عدد مستخدمي الإنترنت 39.6 مليون شخص.
ولا يعني الرقم وجود 40.1 مليون عراقي مختلف يستخدمون مواقع التواصل، إذ تحذر الجهة التي أعدت البيانات نفسها من التعامل مع هويات المستخدمين باعتبارها أشخاصاً فريدين بالضرورة.
وقال المشرف العام لمركز الإعلام الرقمي مهند حبيب السماوي، في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة"، إن عدد حسابات التواصل الاجتماعي في العراق تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت، عازياً جزءاً من هذا التفاوت إلى امتلاك الأشخاص حسابات متعددة، فضلاً عن وجود حسابات وهمية ومكررة.
وتمنح هذه البيئة الحساب الوهمي قيمة تتجاوز مجرد إضافة رقم إلى عدد المستخدمين، فعندما تتحرك عشرات الحسابات في وقت متقارب لدفع وسم أو تكرار اتهام أو مهاجمة شخصية، يصبح بإمكانها خلق انطباع أولي بأن موقفاً معيناً يحظى بتأييد أو غضب شعبي واسع، وهي إحدى الوظائف الأساسية لما يعرف محلياً بـ"الذباب الإلكتروني".
وفي حديث سابق مع شبكة "الساعة"، قال الكاتب والصحفي المستقل سامر الساعدي إن "الكثير من الناشطين والإعلاميين تعرضوا لحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مواقفهم أو الملفات التي يتناولونها"، معتبراً أن "الهدف من بعضها هو إبعاد الأصوات المؤثرة عن الرأي العام".
وأضاف الساعدي أن "الجيوش الإلكترونية تعتمد على مجموعات تعمل وفق أجندات محددة لصالح جهات سياسية، باستخدام حسابات متعددة ووهمية لدفع أفكار أو مهاجمة خصوم"، فيما تكشف وقائع تقنية وثقتها شركات التكنولوجيا أن جزءاً من هذا النشاط كان منظماً بالفعل ولم يقتصر على اتهامات سياسية متبادلة.
من يديرها؟
في أيار/مايو 2020، أعلنت شركة "ميتا" إزالة 324 صفحة و72 حساباً و5 مجموعات و31 حساباً على إنستغرام ضمن شبكة استهدفت الجمهور داخل إقليم كردستان العراق.
وقالت الشركة إن الشبكة استخدمت حسابات وهمية للنشر داخل المجموعات وانتحال شخصيات سياسيين وأحزاب محلية، فضلاً عن إدارة صفحات ظهرت للمستخدمين على أنها مؤسسات إخبارية مستقلة، وربط تحقيق "ميتا" النشاط بأفراد مرتبطين بوكالة "زانياري" التابعة للأجهزة الاستخبارية في إقليم كردستان.
وبعد عام، ظهرت شبكة أخرى مرتبطة بالعراق وإيران، إذ حذفت "ميتا" في حزيران/يونيو 2021 نحو 675 حساباً على فيسبوك و16 صفحة و10 حسابات على إنستغرام كانت تستهدف الجمهور العراقي، وربطت الشركة النشاط بإذاعة المعارف في العراق وشركة "ألبرز للتحليل والتطوير"، وهي شركة لتكنولوجيا المعلومات مقرها طهران.
وتشير هذه الحالات إلى أن الجهات التي استخدمت النشاط المنسق في الفضاء الرقمي العراقي لم تكن من نوع واحد، إذ وثقت التحقيقات نماذج مرتبطة بجهات أمنية، وأخرى بجهات سياسية وإعلامية، فضلاً عن شبكات ارتبط نشاطها بجهات قريبة من إيران وجماعات مسلحة.
وفي تصريح سابق قال النائب السابق علي البديري إن الأحزاب السياسية تعتمد هذا النوع من النشاط، مشيراً إلى استخدامه في التنمر والاتهامات والتحريض ضد سياسيين ونواب وصحفيين.
وبالتوازي مع الحسابات الوهمية، أصبحت الصفحات التي تمتلك جمهوراً حقيقياً جزءاً من سوق النفوذ السياسي على مواقع التواصل، ولا سيما خلال المواسم الانتخابية، إذ شهدت انتخابات سابقة تغيير أسماء صفحات جماهيرية وتحويلها إلى واجهات تروج لمرشحين وشخصيات سياسية.
وقال المستشار الفني في الانتخابات العراقية عمر القاسمي، في حديث مع شبكة "الساعة"، إن الأحزاب أنفقت آلاف الدولارات على صفحات وحسابات في مواقع التواصل خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات، مقدراً الأموال المدفوعة لكبرى الصفحات والحسابات خلال ثلاثة أشهر بنحو 300 ألف دولار.
ولا يقتصر استخدام النفوذ الرقمي على الترويج السياسي أو تحسين صورة المرشحين، إذ تكشف دراسات تناولت الحالة العراقية عن وجه آخر يتمثل في توجيه حملات منظمة ضد صحفيين وناشطين وشخصيات عامة.
إسقاط الخصوم
حلل الباحثون أحمد الراوي وكريس تينوف وبيتر كلاين، في دراسة نشرت عام 2023، نحو 16 ألف تغريدة جُمعت عبر 6 وسوم عربية، وخلصوا إلى تحديد شبكة من الحسابات قالوا إن معظمها مرتبط بجماعات مسلحة عراقية وثيقة الصلة بالحكومة الاتحادية.
ووجد الباحثون أن "النشاط لم يقتصر على الدفاع السياسي عن تلك الجماعات، بل شمل حملات منسقة استهدفت صحفيين ومؤسسات إعلامية وناشطين في مجال حقوق الإنسان، باستخدام الهجمات الشخصية والتشهير والتهديدات القانونية والاتهامات بنشر معلومات مضللة".
وحددت الدراسة 3 أنماط رئيسة للنشاط شملت التشهير والهجمات الشخصية، والتهديدات القانونية واتهامات التضليل، فضلاً عن تمجيد الجماعات والترويج لنظريات المؤامرة.
ويكشف هذا النمط أن "الهدف من الحملات لا يكون دائماً إقناع الجمهور برواية سياسية متكاملة، إذ يمكن أن تعتمد الاستراتيجية على إغراق شخصية بعينها بكمية كبيرة من الاتهامات والتعليقات المتشابهة، بما يحول النقاش من القضية التي يطرحها الشخص إلى سمعته وانتمائه ومواقفه الشخصية".
ويتقاطع ذلك مع ما قاله الساعدي لـ"الساعة" بشأن تعرض إعلاميين وناشطين لحملات تستهدف تشويه صورتهم أمام الجمهور، فيما وثقت بعثة الأمم المتحدة في العراق خلال احتجاجات تشرين استخدام حسابات غير حقيقية وروبوتات لنشر وسوم مناهضة للاحتجاجات ورسائل ترهيب ومقاطع دعائية ومواد تستهدف متظاهرين وناشطين بصورة شخصية.
كما تضمنت بعض الحملات اتهامات أخلاقية ضد متظاهرين، فيما تعرضت ناشطات لتشهير قائم على النوع الاجتماعي، وأشار التقرير الأممي إلى أن المحتجين كانوا يطلقون على هذه الحسابات تسميات من بينها "الجيوش الإلكترونية" و"الذباب الإلكتروني".
وعند هذه المرحلة، يمكن أن تتحول الشتيمة أو التهمة التي تظهر تحت منشور شخص ما من إساءة فردية إلى جزء من حملة أوسع تهدف إلى نقل النقاش من مضمون ما يقوله الشخص إلى شخصه وسمعته وانتمائه.
صناعة الوهم
لا تكمن خطورة هذه الشبكات في عدد الحسابات الوهمية وحده، بل في قدرتها على جذب مستخدمين حقيقيين إلى النقاش الذي بدأته، فإذا دفعت عشرات الحسابات برواية واحدة في وقت متقارب ثم التقطها مستخدمون حقيقيون، وانتقلت بعدها إلى صفحات كبيرة أو شخصيات عامة ووسائل إعلام، يمكن للمحتوى الذي بدأ بصورة مصطنعة أن يتحول تدريجياً إلى نقاش حقيقي.
فالحساب الوهمي منفرداً قد لا يتابعه سوى عدد محدود من الأشخاص، لكن شبكة من الحسابات التي تتصرف بصورة منسقة تستطيع تكرار مفردات محددة وإغراق التعليقات ودفع وسم إلى التداول، بما يمنح المستخدم الحقيقي انطباعاً بأن ما يشاهده يمثل مزاجاً عاماً أوسع من حجمه الفعلي.
وتكشف أرقام "ميتا" حجم الجمهور الذي يمكن لشبكة محدودة الوصول إليه؛ ففي حملة عراقية أزالتها الشركة عام 2019، حذفت 76 حساباً و120 صفحة و7 حسابات على إنستغرام بعدما استخدمت حسابات وهمية لتضخيم المحتوى وإدارة الصفحات وانتحال هويات أخرى، فيما بلغ مجموع متابعي صفحات تلك الشبكة نحو مليون و600 ألف حساب.
وتكشف هذه الأرقام أن عدداً محدوداً من الحسابات الوهمية يمكنه الوصول إلى جمهور واسع، خصوصاً عندما يدير صفحات يتابعها مئات الآلاف، لذلك فإن كثرة التعليقات أو المنشورات التي تتبنى موقفاً معيناً لا تعني بالضرورة أن هذا الموقف يحظى بالتأييد نفسه على أرض الواقع.
وامتد النقاش بشأن الظاهرة إلى الأوساط القضائية العراقية، إذ وصف القاضي محمد عبد الرضا حطاب، في مقال نشره الموقع الرسمي لمجلس القضاء الأعلى، "المزارع الإلكترونية" بأنها تحولت من تجمعات عشوائية للحسابات الوهمية إلى نشاط رقمي منظم وممول، داعياً إلى الانتقال من ملاحقة الحسابات المنفذة إلى تتبع شبكات التمويل والقيادة التي تقف خلفها.
ويضع ذلك التركيز على الجزء الأقل ظهوراً من نشاط الجيوش الإلكترونية، فالحساب الذي يكتب تعليقاً طائفياً أو يطلق اتهاماً أو يهاجم صحفياً يمثل الحلقة التي يشاهدها المستخدم، بينما تبقى خلف الشاشة أسئلة تتعلق بمن أنشأ الحساب، ومن يدير الشبكة، ومن يحدد أهدافها، ومن يوفر تمويلها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام