ألقى قرار البنك المركزي العراقي القاضي بتغيير سعر صرف الدولار مقابل الدينار، بظلاله السلبية الثقيلة على الشارع والاقتصاد وحركة الأسواق في العراق، فالأوساط الشعبية العراقية لم تتفاجأ بالقرار بقدر شعورها بحلول كارثة ستؤدي إلى انهيار أوضاعهم المعيشية وتدهورها بعد أن كانت تواجه أزمة خانقة طيلة الأشهر الماضية.

البنك المركزي أصدر الأربعاء 7 تشرين الأول قرارا برفع سعر صرف الدولار إلى 1520 دينارا للدولار الواحد، الأمر الذي تسبب وبسرعة إلى ارتفاع أسعار الصرف في السوق الموازي ووصوله إلى 180 ألف دينار لكل 100 دولار، قبل أن تنخفض إلى 170 ألفا.

وفور صدور القرار ودخوله حيز التنفيذ شهدت الأسواق العراقية حالة من الركود وانعدام حركة البيع والشراء، فالحركة التجارية توقفت بنسبة 100% في السلع التكميلية، وتوقفت بشكل شبه كامل في السلع والمنتجات الأساسية وفي مقدمتها المواد الغذائية.

كانت تداعيات القرار واضحة على أسعار المواد والسلع في الأسواق، التي ارتفعت بشكل كبير بالرغم من أن البضائع الموجودة في المستودعات تم شراؤها بسعر الصرف السابق 1320 دينارا للدولار، فارتفعت أسعار الطحين والرز وزيت الطعام وبيض المائدة واللحوم وباقي المواد الغذائية، فيما يتوقع ارتفاع أسعار باقي المنتجات والسلع قريبا.

عقب القرار، أغلقت العديد من الأسواق والمراكز التجارية الرئيسية أبوابها لحين استقرار أسعار صرف الدولار بسبب اعتمادهم في التجهيز على الاستيراد من خارج العراق بالعملة الصعبة، كما أغلقت محلات الصيرفة وتوقفت عن العمل بسبب تجاوز الصرف في السوق الموازي حاجز الـ 170 ألف دينار لكل 100 دولار.

لم يقتصر الزلزال الذي أحدثه قرار المركزي العراقي على الأوساط الشعبية، بل كان حاضرا في مجلس النواب، من خلال حالة الغضب التي انعكست في المؤتمرات الصحفية التي عقدها النواب من مختلف الكتل السياسية.

حراك نيابي

من المقرر أن يعقد البرلمان اليوم الخميس جلسة طارئة لمناقشة تداعيات قرار تغيير سعر الصرف، واستضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي فيها، فيما لوح نواب بإمكانية إقالة الوزير والمحافظ على خلفية القرار الذي من المتوقع أن يزيد من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها أغلب العراقيين.

وقالت عضو البرلمان نورا الجحيشي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قرار رفع سعر صرف الدولار قرار مجحف بحق العراقيين، ومرفوض من قبل البرلمان جملة وتفصيلا"، وبينت أن "البرلمان قرر استضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي للوقوف على تداعيات القرار وأسبابه"، مؤكدة أنه "في حال لم يتم التراجع عن القرار فإن البرلمان سيتجه نحو التصويت على إقالة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي".

وأوضحت الجحيشي أن "الموقف النيابي موحد بشأن رفض قرار البنك المركزي"، وأشارت إلى أن "الحكومة الحالية أخطأت كما أخطأت الحكومات السابقة في التعامل مع الملف المالي وإدارته والذي ينعكس سلبا على المواطنين ولا سيما ذوي الدخل المحدود والموظفين".

 وفي مؤتمر صحفي داخل البرلمان، أكد النائب عزيز ناصر أن مجلس النواب لا علم له بتغيير سعر صرف الدولار، وأشار إلى أنه اتخذ بعيدا عن التداول أو المناقشة مع البرلمان، حيث كان يفترض بالبنك المركزي إطلاع المجلس على أسباب القرار وتأثيراته في الأسعار.

قرار قد يطيح بالزيدي

في ردود الأفعال البرلمانية تجاه قرار المركزي، كشف النائب عن ائتلاف دولة القانون عن احتمالية سحب الثقة من حكومة علي الزيدي في حال لم تتراجع عن قرار تغيير سعر صرف الدولار.

وقال الخفاجي في تصريح صحفي: إن "أطرافاً نيابية عدة قد تتجه إلى سحب الثقة عن حكومة علي الزيدي في حال استمرار قرار رفع سعر صرف الدولار".

استغلال سياسي

غير أن أصوات برلمانية أخرى رفضت استغلال الأمر سياسيا من أجل ضرب وإسقاط حكومة الزيدي التي تحاول معالجة الأزمة الاقتصادية التي خلقتها الحكومة السابقة.

وحذر عضو اللجنة المالية يوسف الكلابي في مؤتمر صحفي من استغلال تداعيات قرار تغيير سعر الصرف سياسيا لضرب الحكومة الحالية وإسقاطها، فيما حمل حكومة السوداني المسؤولية عن الأزمة الحالية بسبب تسليمها ديونا للحكومة الحالية تزيد عن 210 تريليونات دينار، أي ما يعادل (150) مليار دولار.

وقال الكلابي إن "رئيس الوزراء اعترض على توزيع الرواتب كل 45 يوماً حيث كان هذا المقترح مطروحا لمعالجة الأزمة الحالية".

حكومة السوداني خلقت الأزمة

النائب الكلابي أضاف: أن "حكومة مصطفى الكاظمي سلمت حكومة السوداني فائضاً نقدياً بلغ 70 تريليون دينار، بينما تسلمت حكومة الزيدي من حكومة السوداني ديوناً مستحقة تبلغ ما يقارب 210 تريليونات دينار".

وشدد على "ضرورة محاسبة حكومة السوداني التي لا نعرف أين أنفقت 210 تريليونات دينار، عدا الأموال المهدورة"، كما دعا الكلابي إلى "ضرورة محاسبة التجار في المرحلة المقبلة لأنهم فيما سبق كانوا يحققون أرباحا عبر مرحلتين، الأولى بفارق صرف العملة بين السوق الرسمية والسوق الموازية، والثانية من خلال بيع السلع والمنتجات للمواطنين وتحقيق الأرباح منها".

وعن جدوى جلسة البرلمان في دفع الحكومة والبنك المركزي إلى التراجع عن قرارهما، استبعد عضو اللجنة المالية جمال كوجر ذلك، وأشار إلى أن "سعر الصرف الجديد سيبقى ثابتا رغم محاولات البرلمان دفع الحكومة والمركزي إلى التراجع عن القرار".

الإطار وتغيير سعر الصرف

وعلى الرغم من حالة الغضب والاستياء التي أبداها النواب في البرلمان، إلا أن قرار تغيير سعر الصرف اتخذ بمباركة وموافقة الإطار التنسيقي الحاكم.

وأكد ما سبق عضو تيار الحكمة علي الجوراني الذي كشف في تصريح صحفي تابعته "الساعة" عن "موافقة الإطار التنسيقي وقيادته على قرار تغيير سعر صرف الدولار لأنه الحل الوحيد لتأمين الرواتب ولا سيما في حال تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة ودخول العراق في أزمة اقتصادية أكبر من الأزمة التي يمر بها اليوم".

وأوضح الجوراني أن "وزير المالية (الذي ينتمي أيضا إلى تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم) ورئيس الوزراء لا يتحملان المسؤولية وحدهما عن قرار المركزي العراقي الأخير، إذ إن القرار اتخذ خلال اجتماع للإطار وتم تخويل الزيدي باتخاذ الإجراءات الفنية والإدارية لتغيير الصرف".

والاثنين الماضي، عقد الإطار اجتماعا في منزل محسن المندلاوي بحضور الزيدي ووزير المالية فالح الساري، لمناقشة ملف الموازنة الاتحادية للعام 2027 بحسب بيان صدر عن الإطار التنسيقي.

كارثة قادمة

المخاوف من القادم لن تتوقف عند تغيير السعر الحالي واعتماد 1500 دينار لكل دولار، فاحتمالية تعديل السعر إلى 1700 دينار لكل دولار قائمة وبقوة، بحسب ما يرى الخبير الاقتصادي صفاء الشمري، الذي كشف في تصريح تابعته "الساعة" عن صدمة جديدة سيتعرض لها العراقيون وهي تغيير سعر الصرف الرسمي إلى 1700 دينار لكل دولار، مشيرا إلى أن هذا التعديل موجود في نية الحكومة كما جاء في برنامجها للإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن رفع الصرف إلى 1700 دينار.

وأوضح الشمري أن "الحكومة لجأت إلى خيار تغيير السعر ليساعدها في تأمين الرواتب شهريا، بدلا من تسليم الرواتب كل 45 يوما، وهو ما سيحدث ضجة كبيرة لدى غالبية الموظفين".

هل سربت معلومة تغيير السعر؟

الخبير الاقتصادي صفاء الشمري، نوه إلى إقبال بعض الجهات على شراء الدولار قبيل قرار التغيير بيومين بالرغم من أن محافظ البنك المركزي كان قد أكد في 17 حزيران الماضي على عدم نية البنك تغيير سعر الصرف مستقبلا، داعيا الأمن الوطني والجهات الأمنية إلى البحث عن هذه الجهات وهل تم تسريب معلومة تغيير سعر الصرف لها أم لا؟

خطوة تحت الضغط

ولم يصدر عن الحكومة العراقية أي تعليق لغاية إعداد التقرير لتبرير قرار سعر الصرف الجديد، لكن مصدرا حكوميا كشف لموقع "الساعة" عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الحكومة إلى اعتماده.

وقال المصدر إن "العجز المالي الكبير والصعوبة الكبيرة في تأمين الموازنة ولا سيما رواتب الموظفين دفع الحكومة إلى اتخاذ القرار رغم صعوبته"، ولفت إلى أن "الاجتماعات الأخيرة بين الزيدي ووزير المالية والإطار التنسيقي تم خلالها تقديم مقترحات أمام الزيدي من بينها تقليص الرواتب أو تسليمها كل 45 يوما، أو اللجوء إلى تعديل سعر الصرف"، مبينا أن "تراجع صادرات النفط بسبب تقلص وتراجع الصادرات عبر هرمز وعدم الحصول على استثناء من إيران في تصدير النفط، تسبب بخنق العراق اقتصاديا وجعله عاجزا عن تأمين الرواتب الشهرية التي تشكل الضغط الأكبر على الحكومة الحالية".

وأوضح أن "الضغط الثاني على الحكومة يتمثل بالمطالبات الملحة من أجل تعيين شرائح جديدة في الوظائف الحكومية، وهذا السبب إلى جانب العجز في تأمين الرواتب أصلا دفع الحكومة والبنك المركزي إلى اعتماد هذا القرار من أجل تأمين فائض مالي يمكن أن يساعد الدولة في تأمين الرواتب وتعيين شرائح جديدة ضمن الوظائف الحكومية".

تراجع خطير في قيمة الرواتب

بخصوص التداعيات الأخيرة لقرار البنك المركزي على قيمة الرواتب للقطاعين الحكومي والخاص، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد أن القرار الأخير قلص نحو 20% من قيمة الرواتب الذي يتقاضاه الموظف الحكومي أو العامل في القطاع الخاص.

وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحكومة بهذا القرار حققت بعض المكاسب من خلال تأمين سيولة مالية لمعالجة بعض المتطلبات وفي مقدمتها تأمين الرواتب، لكن القرار في ذات الوقت سيضر بغالبية العراقيين والذين هم من الموظفين الحكوميين أو العاملين في القطاع الخاص من ذوي الدخل المحدود".

وأوضح أن "التغيير الأخير لسعر الصرف تسبب بتراجع قيمة الدينار بنحو 13%"، مبينا أن "القيمة الشرائية للموظفين والعمال ستتراجع أكثر من عشرين% إذا ما تم احتساب تراجع قيمة الدينار جراء سعر الصرف، إضافة إلى الارتفاع الذي سيطرأ على أسعار المواد والسلع بسبب الارتفاع الجديد للدولار مقابل الدينار".

وكانت شبكة "الساعة" قد أعدت تقريرا في وقت سابق تحدثت فيه عن فقدان رواتب الموظفين في العراق نحو ثلثي قيمتها خلال السنوات العقد الأخير، جراء الأزمة المالية المتواصلة وسوء إدارة الوضع الاقتصادي في البلاد.

الرؤية القانونية للقرار

وعن الزاوية القانونية التي تمنح الحكومة والبنك المركزي تغيير سعر صرف الدولار، أكد الخبير القانوني علي التميمي أن قرار مجلس الوزراء استند إلى قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، وقال التميمي في توضيح ورد لشبكة "الساعة": إن "المادة 4 أولاً/ ب من قانون البنك المركزي تمنح البنك صلاحية صياغة وتنفيذ سياسة سعر الصرف، فيما تنص المادة 16/ ب على أن مجلس إدارة البنك هو الجهة المختصة بصياغة هذه السياسة".

واستند التميمي إلى عدد من القرارات القضائية السابقة، بينها "قرار المحكمة الاتحادية رقم 34/اتحادية/2015 وموحدتها 19/اتحادية/2015، الذي قضى بعدم دستورية تدخل تشريعي في السياسة النقدية، فضلاً عن الدعوى 32/اتحادية/2021 المتعلقة بسعر الصرف، والتي ردتها المحكمة بتاريخ 4 نيسان (أبريل) 2022"، مؤكدا أن "تحديد سعر الصرف من الاختصاص الفني للبنك المركزي".

وبيّن أن "النائب يستطيع الامتناع عن التصويت أو التصويت برفض فقرة سعر الصرف في قانون الموازنة والسعي إلى تعديلها، إذا رأى أن السعر الجديد يؤثر في القوة الشرائية للمواطنين، إلا أن تعطيل الموازنة كاملة للضغط باتجاه إلغاء قرار البنك المركزي قد يمثل تعسفاً في استعمال الحق".

وخلص التميمي إلى أن "المسار الأنسب يتمثل في مناقشة فقرة سعر الصرف ضمن الموازنة وتعديلها إن اقتضى الأمر، إلى جانب استجواب محافظ البنك المركزي والطعن أمام المحكمة الاتحادية إذا توافرت أسباب قانونية للطعن".