في العراق لم تعد أي خدمة حكومية تقدم بالمجان، فالرسوم والجباية والضرائب والرسوم الجمركية التي تفرضها المؤسسات الحكومية باتت عبئاً ماليا على المواطنين الذين باتوا يدفعون ثمن الأخطاء المتراكمة في عمل الدولة طيلة العقدين الماضيين، والتي أوصلت البلاد إلى أزمة اقتصادية ومالية خانقة.

وبسبب الأزمة لجأت الحكومة العراقية إلى رفع سعر صرف الدولار إلى 1520 دينارا للدولار بعد أن كان سعر الصرف السابق 1320 دينارا، من أجل تأمين مبالغ مالية تكفي لتغطية الرواتب الخاصة بموظفي الدولة والمتقاعدين.

وتحاول السلطات العراقية العمل على تعظيم الإيرادات غير النفطية، لكنها لم تسلك أي خيارات لدعم الصناعة أو الزراعة أو السياحة ولا سيما الدينية، وإنما اكتفت برفع قيمة الرسوم المفروضة على المواطنين في مختلف دوائر الدولة.

وبحسب معلومات حصل عليها معد التقرير، فإن الرسوم التي تفرضها دوائر الجنسية لا تقل عن 6 – 10 آلاف عن كل معاملة للحصول على البطاقة الوطنية، وكذا الحال بالنسبة للحصول على إجازة السيارة، حيث تفرض دوائر المرور مبلغا لا يقل عن 140 ألف دينار لإكمال المعاملة، أما رسوم تحويل ملكية المركبات فتصل إلى 60 ألف دينار، وفحص المركبات 25 ألف دينار، أما الحصول على جواز سفر فكانت الرسوم المفروضة لإصدار الجواز 25 ألف دينار، أما الآن فارتفعت إلى 91 ألف دينار، مع إمكانية رفعها إلى 101 ألف دينار.

وعن تسيير المعاملات في دوائر البطاقة التموينية لغرض النقل وإصدار البطاقة التموينية والإضافة وغيرها، فالرسوم المفروضة لقاء ذلك تصل لـ 13 ألف دينار، أما الرسوم التي تفرضها دوائر الصحة فهي مبلغ 4 آلاف دينار لكل مراجع، مع فرض مبلغ 5 آلاف دينار لكل زائر، إلى جانب فرض مبالغ لبيانات الولادة أو شهادات الوفاة ما بين 15 – 20 ألف دينار.

يضاف إلى ذلك أجور جباية الماء والكهرباء التي ارتفعت في العامين الماضيين بعد أن كانت في السابق شبه مجانية.

أما أسعار المشتقات النفطية، التي تذهب إلى وزارة النفط فهي 450 دينارا لكل لتر بنزين عادي، و850 دينارا عن البنزين المحسن، و1000 دينار عن البنزين السوبر.

وحتى مؤسسات التعليم، تفرض مبالغ مالية على الطلبة، فالتقديم على الجامعات لا يكتمل دون الدخول إلى منصة (هيبيك) مقابل 66 ألف دينار، في حين تفرض وزارة التربية رسوما أخرى ومنها رسوم دوام الانتساب الذي يصل لأكثر من 200 ألف دينار.

وبينما تشدد السلطات العراقية على منع أي محاولات لرفع أسعار البضائع والسلع من قبل التجار عقب قرار رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، رفعت المؤسسات الحكومية رسوم الخدمات التي تقدمها في مجالات مختلفة، كإصدار الجوازات والتقديم على منصات وزارة التعليم العالي، إلى جانب التوجه إلى رفع أسعار المشتقات النفطية في المرحلة المقبلة.

ويثير رفع أسعار الرسوم المفروضة من قبل مؤسسات الدولة امتعاض وغضب شريحة واسعة من العراقيين، في وقت تتصاعد المطالبات الشعبية بأن تكون الدولة ومؤسساتها أول من يلتزم بعدم رفع الأسعار بعد قرار البنك المركزي الخاص بتغيير سعر صرف الدولار.

وتوعدت وزارة التجارة العراقية الأسبوع الماضي التجار المخالفين والمتلاعبين بالأسعار، بفرض غرامة مالية عليهم أو الحبس لمدة تتراوح ما بين سنة إلى سنتين.

وتعليقا على ذلك، أكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أنه من الغريب أن تطلب الدولة من التجار عدم رفع أسعار سلعهم نتيجة لتخفيض قيمة الدينار بينما تقوم مؤسسات حكومية مثل الخطوط الجوية العراقية برفع أسعار التذاكر ومديرية الأحوال المدنية التي رفعت سعر الجواز الالكتروني، وربما ستقوم مؤسسات حكومية أخرى بذات الفعل استجابة لتخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار.

الدولة ترفع رسومها بعد تغيير سعر الصرف

تأكيدا لتوجه الدولة في رفع رسوم خدماتها، كشف النائب مقداد الخفاجي، عن رفع وزارة التعليم العالي رسوم منصة  "HEPIQ" الخاصة بالتقديم على الجامعات العراقية الحكومية، مشيراً إلى أن أجور خدماتها ستنتقل من 66 إلى 76 ألفاً.

وقال الخفاجي: إنه "بسبب التعاقد بالدولار، فقد ارتفع سعر إصدار الجواز الإلكتروني من 91 إلى 101 ألف دينار، وستكون أجور خدمات منصة HEBIQ من 66 إلى 76 ألفاً من جيوب الطلبة، وكذلك كثير من الخدمات الأخرى المرتبطة بسعر الصرف".

وقبل ذلك، قررت مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة، رفع رسم الجواز الإلكتروني إلى 101 ألف دينار بعد أن كان 91 ألف دينار، دون صدور تأكيد رسمي من المديرية حتى الآن.

لكن وزارة الداخلية تراجعت عن القرار، ووجهت بإبقاء رسم استيفاء إصدار الجواز بمبلغ 91 ألف دينار عراقي.

كما رفعت الخطوط الجوية العراقية أسعار التذاكر بعد إنهاء الحكومة دعم وقود الطائرات في أيلول، إذ ارتفع سعر اللتر من 300 إلى نحو 1500 دينار، حيث ارتفعت أسعار التذاكر بنسبة تتراوح ما بين 15 – 25% من قيمة التذكرة.

وتتجه وزارة النفط العراقية بحسب مصادر برلمانية إلى رفع أسعار المشتقات النفطية خلال المرحلة المقبلة، إذ من المتوقع أن يصل سعر لتر البنزين العادي إلى 850 دينارا بعد أن كان 450 دينارا، وكذلك الحال بالنسبة لزيت الغاز والنفط الأبيض، دون أن يصدر تأكيد رسمي من قبل وزارة النفط العراقية.

المواطن يعوض أخطاء الحكومات

وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن لجوء المؤسسات الحكومية العراقية إلى رفع الرسوم الجمركية وأجور الخدمات، بالتزامن مع مطالبة التجار بعدم زيادة الأسعار، يعكس تناقضاً واضحاً في السياسة الاقتصادية.

وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من غير الممكن مطالبة القطاع الخاص بتحمل تداعيات ارتفاع سعر الصرف، بينما تنقل المؤسسات الحكومية الأعباء المالية نفسها إلى المواطنين".

وأشار عيد إلى أن "الحكومة تسعى إلى تعظيم إيراداتها غير النفطية لمواجهة الضغوط المالية"، لكنه نوه إلى أن "زيادة الرسوم لا تعني بالضرورة تحسناً اقتصادياً، بل تمثل اقتطاعاً إضافياً من دخول المواطنين، خصوصاً أن كثيراً من الخدمات الإدارية لا ترتبط تكلفتها مباشرة بسعر الدولار".

وأضاف أنه "لا يمكن تحديد مساهمة رسوم الخدمات في إجمالي الإيرادات العامة بدقة دون بيانات تفصيلية من وزارة المالية، تميز بينها وبين الضرائب والجمارك والإيرادات الأخرى وما يحصل هو استغلال على حساب جيوب المواطنين وأصحاب الدخل المحدود".

ولفت عيد إلى أنه "مع استمرار الضغوط المالية، تبقى احتمالات فرض زيادات جديدة في الرسوم قائمة"، مبينا "أهمية مراجعة الرسوم وفق التكلفة الفعلية للخدمات، بدلاً من تحويل المواطنين إلى مصدر سهل لتعويض الاختلالات المالية، مع التركيز على مكافحة التهرب الضريبي والجمركي والفساد واسترداد الأموال المنهوبة من قبل الفاسدين، وتنويع الإيرادات عبر تنشيط القطاعات الإنتاجية، وحماية القدرة الشرائية للأسر من التآكل المستمر".

وباتت الرسوم التي تفرضها الدوائر الحكومية، والضرائب والجمارك مصدرا للإيرادات المالية غير النفطية ومصدرا لتمويل الموازنة، حيث ارتفعت نسبة مشاركتها في تمويل الموازنة إلى 7.4 تريليون دينار في حزيران 2026، مقارنة بـ 4.9 تريليون دينار في حزيران 2025.

وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة المالية والخاصة بإعداد الموازنة، فإن مساهمة الإيرادات النفطية في إجمالي الإيرادات تراجعت من 92% في حزيران 2025 إلى 80% في حزيران 2026، بينما ارتفعت حصة الإيرادات غير النفطية من 8% إلى 20%، وأغلب هذه الإيرادات هي الإيرادات الناتجة عن الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم التي تفرضها الدوائر الحكومية مقابل الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

فيما أعلنت الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية أن الإيرادات غير النفطية بلغت نحو 8.7 تريليون دينار عراقي لغاية تموز 2026، مقارنة بنحو 7 تريليونات دينار للفترة نفسها من عام 2025.