صورة الخبر

21:14:15 2026-09-28 : اخر تحديث

21:14:15 2026-09-28 : نشر في

اعتقال عالم آثار بسبب تعليق.. هل عاد العراق إلى الدكتاتورية وتكميم الأفواه؟

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

أثار اعتقال الأكاديمي التدريسي في جامعة الموصل عامر الجميلي مخاوف جدية على مستقبل حرية التعبير والرأي في العراق، والتي تشهد تراجعا ملحوظا بعد حملة واسعة من الاستهدافات طالت الناشطين والصحفيين وأصحاب الرأي والمدونين بسبب انتقادهم للواقع السياسي والفساد المستشري والمتورطين بصفقات الفساد وهدر المال العام والتجاوز على الممتلكات العامة.

والاثنين، أعلقت قوة أمنية تابعة للشرطة الاستاذ الدكتور المختص في علم الآثار عامر الجميلي في مدينة الموصل واقتادته إلى جهة مجهولة، بحسب ما أفاد مصدر أمني.

وكشف المصدر لشبكة "الساعة" تفاصيل عملية الاعتقال، إذ أوضح أن "قوة تابعة لمركز شرطة الثقافة في منطقة المجموعة الثقافية بأيسر الموصل، حاولت دخول حرم جامعة الموصل أثناء تواجد الجميلي في الجامعة لاعتقاله بناء على مذكرة قبض صادرة عن رئاسة محكمة استئناف نينوى، لكن أمن الجامعة رفض دخول القوة وطالبوا بمنح مهلة لإبلاغ التدريسي للخروج إليهم عند إحدى بوابات الجامعة الرئيسية، وهي بوابة كلية الزراعة، وهو الأمر الذي حصل فعلا"، وبين أن "الجميلي خرج إلى القوة المتواجدة عند بوابة الجامعة والتي قامت باعتقاله فورا ونقله إلى مكان مجهول".

ولفت المصدر إلى أن "سبب الاعتقال يرجع إلى تعليق للجميلي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وتحديدا على منشور يخص التجاوز على أراض أثرية في مدينة الموصل والاستيلاء عليها من قبل جهات متنفذة بطريقة الاحتيال على القانون".

وسبق للمعتقل أن نشر تعليقا أوضح فيه موقفه الرافض للتوقيع على محضر بخصوص تقسيم وتوزيع أراضي في حي النور في الجهة الملاصقة لباب شمس والتلة المحاذية لعدد من المسؤولين والقضاء في نينوى، وعزا حينها الجميلي رفضه للتوقيع على خلو هذه الأراضي من المواقع الأثرية كونها تمثل امتدادا لبقايا السور الآشوري القديم الذي تم بنائه قبل أكثر من 3 آلاف سنة.

وعقب اعتقال الأكاديمي التدريسي في جامعة الموصل، أصدرت الجامعة بيانا أكدت فيه اعتقال الجميلي لكنها نفت في بيانها تنفيذ عملية الاعتقال داخل الحرم الجامعي وإنما خارج أسوار الحرم الجامعي.

وأمضى الأستاذ الدكتور عامر الجميلي أكثر من 4 عقود في الخدمة العلمية والتدريسية، ويعد من أبرز المختصين في علم الآثار وتحديدا قراءة اللغة السريانية وقراءة النقوش البابلية القديمة، وعمل سابقا كخبير قضائي في محاكم استئناف نينوى، ومن المقرر أن يخرج على التقاعد نهاية العام الجاري بعد أن تجاوز عمره الـ 60 عاما.

وعلى خلفية الاعتقال، وجهت عائلة الجميلي مناشدة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي للكشف عن مصيره وإطلاق سراحه فورا، لأنه يجب أن يكافئ بدل أن يتعرض للاعتقال بسبب دفاعه عن الأملاك العامة والأراضي والآثار العراقية.

وقالت زوجة الجميلي منى حيدر وهي تدريسية جامعية أيضا في مقطع مصور: إن "زوجها الدكتور عامر الجميلي تعرض للاعتقال داخل جامعة الموصل ومن موقع عمله رغم أنها حرم آمن لا يجوز الاعتداء على حرمته".

وأضافت أن "سبب الاعتقال هو تعليقه في إحدى الصفحات بخصوص موضوع الأراضي الأثرية وأنه بين كيف أنه رفض التجاوز عليها لأنها محرمة ولا يجوز البناء عليها"، ودعت رئيس الوزراء إلى "رفع الظلم عنه وإطلاق سراحه فورا"، معربةً عن استغرابها لما جرى بالسؤال، هل يترك في العراق الفاسد والسارق بينما يعاقب الشريف والأمين؟

وعد الكاتب والصحفي زياد السنجري حادثة اعتقال الخبير العراقي في مجال الآثار عامر الجميلي بأنها خرق وتجاوز كبير على القانون والدستور النافذ في البلاد.، مشيرا إلى أنها تؤكد أن العراق ما يزال يواجه التنكيل والتقييد في حرية الرأي والتعبير بعد 23 عاما على تغيير النظام.

وقال السنجري في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق ورغم مرور 23 عاما على زوال النظام السابق ما يزال يشهد انتهاكات خطيرة وتقييد واضح لحرية الرأي والتعبير رغم وجود دستور ينص في مادته الـ 38 الفقرة ثانيا- عاشرا على ضمان حرية التعبير والرأي".

وأضاف السنجري: أن "عشرات الانتهاكات التي تسجل في عموم العراق تؤكد استمرار خرق الدستور في مجال حرية الرأي وآخرها ما حصل مع الأكاديمي المختص في شؤون الآثار والعالم العراقي عامر الجميلي الذي اعتقل بطريقة مخالفة للقانون من داخل الحرم الجامعي واقتيد إلى جهة مجهولة دون إشعاره بكتاب استقدام"، مبينا أن "السبب الرئيس لاعتقاله هو نشره لتعليق في مواقع التواصل الاجتماعي أبدى فيه رأيه التخصصي الفني والعلمي بعدم جائزية التجاوز على الأراضي الأثرية في الموصل والتي وزعت فيما بعد لعدد من المسؤولين الحكوميين".

ولفت إلى "وجود انتهاكات عديدة طالت الصحفيين والناشطين ومنها ما حصل مع الناشط محمد الدليمي والصحفي بلال الحسيني اللذين اعتقلا بسبب آراء مخالفة لآراء شخصيات سياسية متنفذة".

وطالب السنجري الجهات المعنية والأمم المتحدة بالتدخل لتفعيل مواد الدستور الخاصة بحماية حقوق وحريات التعبير والرأي والصحافة، كما دعا السلطات العراقية إلى إجراء تحقيق عاجل بحادثة اعتقال الجميلي وإطلاق سراحه فورا لا سيما وأنه ليس عالما عراقيا فحسب، بل عالم آثاري كبير على المستوى العربي والعالمي.

والأسبوع الماضي، استدعت محكمة تحقيق نينوى ليلى المولى وهي تدريسية بجامعة الموصل، بسبب مواقفها النقدية لعمليات الفساد والتجاوز على القانون التي تشهدها محافظة نينوى، لكن المحكمة أطلقت سراحها بعد ساعات من استدعائها.

رئيس المرصد للعراقي للحقوق والحريات عادل الخزاعي وصف ما جرى بأنه يبعث رسالة قلق بعودة ممارسات تكميم الأفواه والعودة للحكم الدكتاتوري.

وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما جرى مع البروفيسور عامر الجميلي والدكتورة ليلى المولى يبعث برسالة مقلقة، إذ أن مساحة المسموح قوله في العراق وخصوصا في نينوى بدأت تضيق، حتى داخل الجامعة".

وأضاف أن "الأستاذ الجامعي يجب أن يُحاسب على جريمة ارتكبها، لا على رأي عبّر عنه، لا سيما وأن الجامعة مكان للعلم والنقاش، وليست مكاناً لإسكات الأصوات"، مبينا أن "تكرار الانتهاكات بشكل ممنهج وتحديداً من ينتقد السلطة يجعلنا نقول إن هناك سلطة في نينوى تريد اخضاع وإرغام أهل نينوى على الصمت والعيش ضمن مساحة يضعها لهم الحاكم الذي وضعه قاضي القضاة وأن المدينة ذاهبة إلى حكم جبري دكتاتوري".

وتابع الخزاعي: أن "المشكلة في العراق لم تعد في النصوص الدستورية والقانونية، بل في طريقة تطبيقها وفقاً لمزاج السلطة، فلدينا دستور يتحدث بوضوح عن حرية التعبير، لكن لدينا أيضاً قوانين قديمة وعبارات مطاطة يمكن استخدامها ضد المنتقدين وعندما تدخل الحسابات السياسية إلى مسار الشكوى والقضاء، تتحول العدالة من وسيلة لحماية المواطن إلى وسيلة للضغط عليه".

وشدد على أن "حرية الرأي في العراق موجودة ضمن حدود ترسمها السلطة فقط، أما الحرية الحقيقية مكلفة جداً، تستطيع أن تنتقد، لكن عليك أن تعرف من تنتقد وأين تقف حدود النفوذ السياسي الذي تقابله".

ونوه إلى أن "الصحفي والناشط والأستاذ الجامعي أصبحوا يفكرون أحياناً بعواقب ما سيكتبونه قبل أن يفكروا في مضمون ما سيكتبون وهذا بحد ذاتها علامة خطيرة على تراجع الحريات في العراق"، وأشار إلى أن "الدستور العراقي في المادة 38 كفل حرية التعبير والصحافة والاجتماع والتظاهر السلمي، لذلك لا يجوز تحويل كل رأي ناقد إلى جريمة فهذا يتعارض مع فلسفة الدستور وروح الدولة الديمقراطية".

وختم الخزاعي حديثه بالقول: إننا "لا نطالب بحصانة لأحد، بل نطالب بأن يكون القانون واحداً على الجميع، وأن يكون القضاء مستقلاً عن التأثير السياسي لا عاملا عنده، فالدولة القوية لا تخاف من منشور، ولا تحتاج إلى اعتقال أستاذ جامعي كي تثبت هيبتها وقوتها".

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك