صورة الخبر

09:16:03 2026-09-23 : اخر تحديث

09:16:03 2026-09-23 : نشر في

العراق وأزمة أسلحة الدمار الشامل.. من التفتيش الدولي إلى غزو 2003

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

مثّلت قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية واحدة من أكثر الأزمات الدولية إثارة للجدل في السنوات التي سبقت غزو العراق عام 2003، فقد عادت فرق التفتيش الدولية إلى العراق في أواخر عام 2002 للتحقق من مدى التزام بغداد بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بنزع أسلحة الدمار الشامل، وسط اتهامات أمريكية وبريطانية بأن العراق يحتفظ ببرامج محظورة ويعمل على تطوير قدراته العسكرية.

وفي الجانب النووي تحديدًا، تولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مهمة التحقق من وضع البرنامج النووي العراقي، ومع تقدم عمليات التفتيش، لم تجد الوكالة أدلة أو مؤشرات موثوقة على استئناف برنامج لإنتاج الأسلحة النووية، وهي النتيجة التي أصبحت لاحقًا محورًا أساسيًا في الجدل بشأن المبررات التي سبقت الحرب.

من حرب الخليج إلى عودة المفتشين

تعود جذور أزمة الأسلحة العراقية إلى حرب الخليج عام 1991، عندما فُرض على العراق نظام تفتيش ونزع أسلحة بموجب قرارات مجلس الأمن، وشملت عمليات التفتيش مجالات متعددة، بينها الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية والصواريخ.

عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الملف النووي، فيما اضطلعت لجنة الأمم المتحدة الخاصة "يونسكوم" بملفات أخرى، ثم حلت محلها لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش "أنموفيك" في إطار الترتيبات اللاحقة.

وكان العراق قد امتلك قبل عام 1991 برنامجًا نوويًا سريًا سعى خلال الثمانينيات إلى تطويره، إلا أن عمليات التفتيش التي أعقبت حرب الخليج أدت إلى تفكيك أجزاء كبيرة من البنية المرتبطة بالبرنامج. 

وفي عام 2002، أوضح محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن عمليات الوكالة السابقة لم تُظهر أن العراق تمكن من إنتاج سلاح نووي، ولم تجد مؤشرات على امتلاكه في نهاية عمليات التفتيش السابقة قدرة مادية ذات أهمية عملية لإنتاج مواد صالحة للاستخدام في الأسلحة النووية.

قرار مجلس الأمن وعودة التفتيش

في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، أصدر مجلس الأمن القرار 1441، الذي منح العراق فرصة أخيرة للامتثال لالتزاماته المتعلقة بنزع أسلحة الدمار الشامل، وطلب استئناف عمليات التفتيش الدولية.

عادت فرق التفتيش إلى العراق، وبدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملياتها في المجال النووي، وكان السؤال الأساسي أمامها هو ما إذا كان العراق قد أعاد بناء برنامجه النووي بعد توقف عمليات التفتيش السابقة عام 1998.

في 27 كانون الثاني/يناير 2003، قدمت الوكالة تحديثًا إلى مجلس الأمن بشأن نتائج عمليات التفتيش، وأفادت بأن عمليات البحث والتحقق لم تكشف عن دليل أو مؤشر معقول على إعادة إحياء برنامج للأسلحة النووية، وفي الوقت نفسه، واصلت الوكالة التحقيق في عدد من المسائل التي بقيت بحاجة إلى توضيح.

تقرير البرادعي في شباط 2003

في 14 شباط/فبراير 2003، استمر الجدل داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل عمليات التفتيش، وفي ذلك الوقت كانت فرق التفتيش قد أعلنت أنها لم تعثر على أسلحة دمار شامل، مع استمرار وجود مسائل غير محسومة تتعلق ببعض الأسلحة والمواد التي لم يقدم العراق تفسيرًا نهائيًا بشأن مصيرها.

أما في الملف النووي، فقد واصل البرادعي التأكيد على عدم ظهور أدلة تشير إلى استئناف برنامج الأسلحة النووية، وكانت هذه النتيجة مهمة لأنها جاءت في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا تعرضان معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال استمرار العراق في تطوير قدراته المحظورة.

7 آذار.. تقرير حاسم قبل الحرب

في 7 آذار/مارس 2003، قدم البرادعي إحاطة جديدة إلى مجلس الأمن بعد سلسلة من عمليات التفتيش، وأوضح أن الوكالة لم تجد دليلًا على استئناف أنشطة نووية محظورة في العراق، كما لم تجد مؤشرات على وجود أنشطة نووية مرتبطة بالأسلحة في المواقع التي جرى تفتيشها.

وبحسب عرض لاحق للوكالة، كانت فرق التفتيش قد نفذت مئات عمليات التفتيش في عشرات المواقع بحلول ذلك الوقت، ولم تصل إلى دليل على استئناف برنامج الأسلحة النووية. ومع ذلك، طلبت الوكالة مزيدًا من الوقت لاستكمال بعض عمليات التحقق.

وكان هذا التقرير من آخر التقارير الرئيسية التي قدمتها الوكالة قبل انسحاب المفتشين من العراق مع اقتراب العمل العسكري.

"كيرفبول" وأزمة المعلومات الاستخباراتية

من أبرز الأمثلة التي ظهرت بعد الحرب قضية المصدر المعروف باسم "كيرفبول"، وهو رافد أحمد علوان الجنابي، الذي قدم معلومات عن منشآت عراقية يُعتقد أنها مرتبطة بإنتاج الأسلحة البيولوجية.

وأظهرت تحقيقات لاحقة أن المعلومات المتعلقة بالمختبرات البيولوجية المتنقلة لم تكن تتمتع بدرجة الموثوقية التي عُرضت بها أمام الرأي العام ومجلس الأمن، وخلص تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن أحد الأحكام المهمة بشأن برنامج الأسلحة البيولوجية المتنقلة استند بدرجة كبيرة إلى معلومات هذا المصدر، رغم وجود تحذيرات سابقة بشأن موثوقيته.

وبذلك أصبحت قضية "كيرفبول" مثالًا بارزًا على المشكلات التي رافقت جمع المعلومات وتحليلها قبل الحرب، إلى جانب مصادر وتقديرات استخباراتية أخرى.

خطاب كولن باول أمام مجلس الأمن

في 5 شباط/فبراير 2003، قدم وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول عرضًا أمام مجلس الأمن قال فيه إن الولايات المتحدة تمتلك معلومات استخباراتية تشير إلى استمرار العراق في إخفاء قدرات وبرامج مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل.

تضمن العرض صورًا التقطتها الأقمار الصناعية، واعتراضات لاتصالات، ومعلومات من مصادر بشرية، كما تناول ادعاءات تتعلق ببرامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية والصواريخ، وكان الهدف من العرض دعم موقف واشنطن بأن العراق لم ينفذ التزاماته المتعلقة بنزع السلاح.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن عددًا من التقديرات الاستخباراتية التي استند إليها العرض كانت خاطئة أو غير دقيقة، وأصبحت قضية المعلومات الاستخباراتية قبل الحرب موضوع تحقيقات واسعة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا بعد عدم العثور على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التي كانت متوقعة قبل الحرب.

الدور السياسي "الإسرائيلي" في مزاعم البرنامج النووي العراقي

لعب عدد من الساسة الإسرائيليين دورًا بارزًا في الدعوة إلى إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وكان أبرزهم بنيامين نتنياهو، الذي مثّل في ذلك الوقت أحد أبرز الأصوات الداعمة للتدخل العسكري الأمريكي.

ففي شهادته أمام الكونغرس الأمريكي في 12 سبتمبر/أيلول 2002، أكد نتنياهو أن إسقاط نظام صدام حسين سيؤدي إلى "تغييرات إيجابية هائلة" في الشرق الأوسط، واعتبر أن العراق يشكل أخطر تهديد للولايات المتحدة وللاستقرار الإقليمي.

واستند نتنياهو في مرافعاته إلى مزاعم امتلاك العراق برنامجًا نوويًا وأسلحة دمار شامل، مؤكداً أن بغداد تسعى إلى "تغيير التاريخ" عبر امتلاك السلاح النووي، وربط هذا الادعاء بهجمات 11 سبتمبر، معتبراً أن تأجيل الحرب على العراق سيقود إلى هجمات مشابهة في المستقبل.

كما أعاد التذكير بالغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي عام 1981، وقدمها باعتبارها خطوة وقائية هدفت إلى منع العراق من إنتاج البلوتونيوم اللازم لصناعة قنبلة نووية، مؤكداً أن العملية جاءت دفاعًا عن أمن "إسرائيل" وليس ردًا على عمل عسكري عراقي.

وفي ختام شهادته، دعا الإدارة الأمريكية إلى التحرك سريعًا لإسقاط نظام صدام حسين، محذرًا من أن امتلاك العراق أسلحة نووية سيهدد أمن العالم بأسره.

جهد استخباراتي "إسرائيلي" لدعم رواية اسلحة الدمار

استندت تل أبيب في ترويجها للحرب إلى معلومات زعمت امتلاك بغداد برنامجًا نشطًا لأسلحة الدمار الشامل، وفي دراسة بعنوان "احتلال العراق.. فشل استخباراتي"، قال العميد الإسرائيلي المتقاعد "شلومو بروم"، إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت شريكًا كاملًا مع الولايات المتحدة وبريطانيا في بناء صورة استخباراتية مبالغ فيها حول قدرات العراق العسكرية، ولا سيما ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.

وأضاف بروم أن "إسرائيل" بالغت في تقدير مستوى التهديد الذي يمثله العراق، وأسهمت في ترسيخ القناعة لدى واشنطن ولندن بأن بغداد تمتلك برامج نووية وكيماوية متطورة، مؤكدًا أن تقديم تقييم استخباراتي مغاير كان من الممكن أن يؤثر في القرار السياسي الأمريكي والبريطاني بشأن الحرب.

وبعد أكثر من عقدين على الغزو، عاد الملف إلى الواجهة عندما أقر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريحات أدلى بها عام 2025، بأن "إسرائيل" لم تكن تمتلك دليلًا على أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يعمل على تطوير سلاح نووي، وهو ما يتناقض مع شهادته أمام الكونغرس الأمريكي عام 2002، عندما أكد أنه "لا يوجد أي شك على الإطلاق في سعي العراق إلى امتلاك أسلحة دمار شامل".

الغزو وسقوط بغداد

في 20 آذار/مارس 2003، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها العمليات العسكرية ضد العراق. وجاء الغزو بعد أشهر من الخلافات داخل مجلس الأمن حول استمرار عمليات التفتيش وإمكانية اللجوء إلى القوة.

كانت قضية أسلحة الدمار الشامل أحد المحاور الرئيسية في المبررات التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للحرب، إلى جانب الإشارة إلى قرارات مجلس الأمن السابقة، والتهديد الذي اعتُبر أن النظام العراقي يمثله، وعلاقاته المزعومة بالإرهاب.

وبعد بدء العمليات، انهارت دفاعات القوات العراقية بسرعة، وسقطت بغداد في نيسان/أبريل 2003، وانتهى حكم صدام حسين الذي استمر أكثر من عقدين.

ما الذي كشفته عمليات البحث بعد الغزو؟

أصبحت مسألة العثور على أسلحة الدمار الشامل من أولى القضايا التي واجهت السلطات الأمريكية بعد احتلال العراق. وأُنشئت فرق متخصصة للبحث عن برامج الأسلحة العراقية وتقييم ما تبقى منها.

وبحلول السنوات التالية، خلصت التحقيقات إلى عدم وجود مخزونات نشطة من أسلحة الدمار الشامل بالمستوى الذي توقعته التقديرات السابقة للحرب، كما أظهرت التحقيقات أن البرنامج النووي العراقي لم يكن قد استؤنف كما كانت بعض التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تتوقع قبل الحرب.

وأصبح تقرير مجموعة مسح العراق "Iraq Survey Group" والتقارير اللاحقة جزءًا أساسيًا من مراجعة المعلومات التي سبقت الحرب، كما خلصت مراجعات رسمية أمريكية إلى أن تقديرات أجهزة الاستخبارات بشأن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية كانت خاطئة بدرجة كبيرة.

العراق بعد الغزو

لم ينته الجدل حول أسلحة الدمار الشامل بسقوط النظام العراقي، بل استمر لسنوات وأصبح أحد الملفات الرئيسية في تقييم حرب 2003، فقد أدى عدم العثور على الترسانة التي كانت متوقعة قبل الحرب إلى مراجعة واسعة لعمل أجهزة الاستخبارات وطرق جمع المعلومات وتحليلها.

أما العراق نفسه، فقد دخل بعد الغزو مرحلة طويلة من التحولات السياسية والأمنية، وترافق الانتقال السياسي مع أعمال عنف واضطرابات وصراعات داخلية، ثم ظهرت لاحقًا تنظيمات مسلحة كان أبرزها تنظيم "القاعدة في العراق" ثم تنظيم "داعش"، كما شهدت البلاد تغيرات كبيرة في مؤسسات الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والسياسية.

أزمة تركت أسئلة مفتوحة

تُظهر أزمة أسلحة الدمار الشامل العراقية الفارق بين ما كان معروفًا ومثبتًا خلال فترة التفتيش، وبين ما قُدم في الخطاب السياسي والاستخباراتي باعتباره احتمالًا أو تقديرًا.

ففي الملف النووي، لم تجد وكالة الطاقة الذرية قبل الحرب أدلة على إعادة إحياء برنامج لإنتاج الأسلحة النووية، واستمرت في طلب الوقت لإكمال عمليات التحقق. 

وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها تستند إلى تقديرات استخباراتية أوسع بشأن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهي التقديرات التي ثبت بعد الحرب أن جزءًا مهمًا منها كان كاذبًا.

ولهذا بقيت أزمة العراق عام 2003 واحدة من أبرز الحالات التي دُرست في تاريخ الاستخبارات والعلاقات الدولية، ليس فقط بسبب نتائج الحرب، وإنما أيضًا بسبب الأسئلة التي أثارتها حول حدود المعلومات الاستخباراتية، وكيفية التعامل مع الأدلة غير المكتملة، ودور التقارير الدولية في القرارات التي تسبق الحروب.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك