صورة الخبر

15:06:00 2026-09-22 : اخر تحديث

15:06:00 2026-09-22 : نشر في

قلعة العمادية.. مدينة التاريخ والتراث فوق الهضبة الصخرية

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

تقع قلعة العمادية في قضاء العمادية ضمن إقليم كردستان العراق، على بُعد نحو 70–90 كيلومتراً شمال مدينة دهوك، ونحو 17 كيلومتراً من الحدود العراقية–التركية، شُيّدت المدينة فوق هضبة صخرية شبه مستوية تشبه المائدة، يتراوح ارتفاعها بين 1100 و1200 متر فوق مستوى سطح البحر، وتحيط بها الأودية والمنحدرات الحادة من معظم الجهات، ما منحها موقعاً طبيعياً ساعد على تحصينها عبر العصور.

النشأة والتسمية

تعود جذور الاستيطان في منطقة العمادية إلى عصور قديمة، وتشير بعض الدراسات إلى وجود دلائل على الاستيطان منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فيما تذكر مصادر آشورية من القرن التاسع قبل الميلاد أسماء لمواقع في المنطقة يُعتقد أن بعضها يرتبط بمحيط العمادية.

وترتبط تسمية المدينة في المصادر العربية الوسيطة بعماد الدين زنكي، أحد أمراء الدولة الزنكية في القرن الثاني عشر الميلادي، وتذكر روايات تاريخية أنه أقام في الموقع قلعة جديدة سنة 537هـ/1142م، مستفيداً من تحصينات سابقة، فأصبحت المدينة تُعرف باسم العمادية.

وفي أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، أصبحت العمادية عاصمة لإمارة بهدينان الكردية، التي استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، وتحولت خلال هذه الفترة إلى مركز سياسي وإداري مهم في شمال العراق.

الخصائص العمرانية والمعمارية

مدينة محصنة فوق هضبة

تتميز العمادية بكونها مدينة تاريخية اتخذت من الهضبة الصخرية نفسها قاعدة عمرانية، وليس مجرد قلعة عسكرية منفصلة عن تجمع سكاني، وتضم داخل نطاقها العمراني مساكن وأسواقاً وجوامع ومدارس ومرافق مختلفة ارتبطت بحياة السكان.

وساعد الشكل الطبيعي للهضبة، إلى جانب المنحدرات الحادة المحيطة بها، على توفير حماية طبيعية للمدينة، بينما كانت البوابات المحدودة تتحكم في حركة الدخول والخروج، ويجعل هذا التكوين العمادي مثالاً واضحاً على المدن المحصنة التي استفادت من طبيعة الموقع الجغرافية في تعزيز وظيفتها الدفاعية.

بوابة بهدينان "باب الموصل"

تُعد بوابة بهدينان، المعروفة أيضاً باسم "باب الموصل"، من أبرز المعالم المعمارية الباقية في العمادية، وتتكون من مدخل حجري يسبقه درج منحوت في الصخر، وتوجد بالقرب منها نقوش صخرية تعود إلى العصر الفرثي، ما يعكس تعدد المراحل التاريخية التي شهدها الموقع.

وقد ارتبطت البوابة تاريخياً بحركة الدخول والخروج من المدينة، كما مثل موقعها جزءاً من شبكة الطرق التي ربطت العمادية بالمناطق المجاورة، ولا سيما باتجاه الموصل والمناطق الشمالية.

المعالم الدينية والتعليمية

تضم العمادية عدداً من المعالم الدينية والتعليمية التي تعكس الدور الذي أدته المدينة بوصفها مركزاً سكانياً وعلمياً عبر فترات مختلفة، ومن أبرزها:

  1. مدرسة قباهان (قوباهان): وهي من المدارس الدينية التاريخية في المنطقة، ارتبطت بتدريس العلوم الإسلامية واستقطاب طلبة العلم.

  2. مدرسة قباد وجامع قباد: يقعان في منطقة شمال المدينة، وكانا من المواقع المرتبطة بالتعليم الديني والعبادات.

  3. المعالم الدينية المتنوعة: تشير المصادر إلى وجود آثار لجوامع وكنائس ومعابد داخل المدينة ومحيطها، بما يعكس التنوع الديني الذي عرفته العمادية خلال مراحل من تاريخها.

  4. النقوش الصخرية الفرثية: توجد بالقرب من بوابة المدينة مجموعة من النقوش التي تضيف إلى الموقع أهمية أثرية تتجاوز تاريخه الإسلامي، وتبرز امتداد استخدام المنطقة عبر عصور متعاقبة.

الدور السياسي والثقافي

عاصمة لإمارة بهدينان

أصبحت العمادية عاصمة لإمارة بهدينان منذ أواخر القرن الرابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، وشكلت خلال هذه الفترة مركزاً لإدارة شؤون الإمارة، واحتضنت المدينة مؤسسات الحكم ومرافق الإدارة والقضاء، إلى جانب وجود عسكري ارتبط بحماية المدينة والطرق المحيطة بها.

وساعد موقعها الجغرافي على منحها أهمية في حركة التجارة والتنقل بين مناطق شمال العراق والجهات المتصلة بالأناضول، الأمر الذي عزز مكانتها السياسية والاقتصادية خلال فترة إمارة بهدينان.

مركز ديني وعلمي

لم يقتصر دور العمادية على الجانب السياسي والعسكري، إذ ساهمت مدارسها وجوامعها في جعلها مركزاً للتعليم الديني، وارتبطت المدينة بعدد من العلماء والفقهاء، كما شكلت المدارس الدينية فيها جزءاً من شبكة التعليم التي امتدت إلى مراكز أخرى في العراق والمناطق المجاورة.

كما تعكس المعالم الدينية المتنوعة التي عُرفت بها المدينة جوانب من تاريخها الاجتماعي والثقافي، وتوضح تعدد الجماعات الدينية التي عاشت في المنطقة خلال فترات مختلفة.

العمادية اليوم.. تراث حي وموقع سياحي

تُعد العمادية اليوم من أبرز المواقع التاريخية في شمال العراق، كما تمثل وجهة سياحية يقصدها الزوار للاستمتاع بطبيعة المنطقة وموقع المدينة المرتفع وإطلالاتها على الأودية والجبال والغابات المحيطة.

وأدرجت العمادية ضمن القائمة التمهيدية للعراق في قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، وهو ما يعكس القيمة التاريخية والأثرية للموقع، الذي يضم طبقات متراكمة من الاستيطان والتطور العمراني عبر عصور مختلفة.

وفي الوقت نفسه، تواجه المدينة تحدياً يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على نسيجها العمراني والتاريخي، وتلبية احتياجات السكان المتعلقة بالخدمات والطرق والبنية التحتية، ويُعد الحفاظ على المباني والمعالم التاريخية، مع استمرار الحياة داخل المدينة، من أبرز القضايا المرتبطة بإدارة المواقع التاريخية المأهولة.

وبذلك تمثل قلعة العمادية نموذجاً لمدينة تاريخية نشأت مستفيدة من طبيعة موقعها الجغرافي، ثم تطورت عبر مراحل سياسية ودينية وعمرانية متعددة، لتبقى اليوم شاهداً على جانب مهم من تاريخ شمال العراق وتراثه العمراني.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك