صورة الخبر

16:53:29 2026-09-20 : اخر تحديث

16:53:29 2026-09-20 : نشر في

قلعة راوندوز.. حصن إمارة سوران وشاهد على تاريخها السياسي والعسكري

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

تقع قلعة راوندوز في منطقة جبلية وعرة تشرف على مدينة راوندوز في محافظة أربيل، ضمن إقليم كردستان العراق، وارتبطت القلعة تاريخياً بـإمارة سوران الكردية التي اتخذت من راوندوز عاصمة لها، فغدت في مراحلها الأخيرة مركزاً سياسياً وعسكرياً مهماً للإمارة، مستفيدة من موقعها الطبيعي شديد التحصين.

ويرتبط اسم راوندوز، وفق بعض المصادر الكردية، بكلمتي "روان" و"دز"، حيث تشير الثانية إلى القلعة أو الحصن، في معنى يُقارب "قلعة روان"، ويتناسب ذلك مع طبيعة المنطقة التي تحيط بها الأودية والجبال والممرات الضيقة.

الموقع والجغرافيا

تقوم القلعة على مرتفع جبلي يشرف على وادي راوندوز (كلي راوندوز)، أحد أبرز الأودية الطبيعية في المنطقة، وقد منحها موقعها المرتفع قدرة على مراقبة الممرات المؤدية إلى المدينة والطرق التي تربط مناطق كردستان بالحدود الإيرانية والتركية.

وتحيط براوندوز سلاسل جبلية بارزة، منها كورك وهندرين وزوزك وبرادوست، بينما يجري نهر راوندوز وروافده في قاع الوادي، وأسهم هذا التضاريس في توفير حماية طبيعية للقلعة، إذ جعل الوصول إليها صعباً وأجبر القوات المهاجمة على المرور عبر ممرات محددة يمكن مراقبتها والدفاع عنها.

ولم تعتمد منظومة الدفاع على القلعة وحدها؛ إذ تشير المصادر إلى وجود أبراج ومواقع حصينة على المرتفعات المحيطة، شكلت معاً خطاً دفاعياً حول عاصمة الإمارة.

النشأة والتطور التاريخي

تربط بعض المصادر أصول القلعة بالعصور الوسطى، وتذكر مصادر سريانية أنها كانت من القلاع المنيعة في المنطقة، كما ذهب بعض الباحثين إلى احتمال ارتباطها بالموضع الذي أشار إليه ابن الأثير باسم "روبندوز" في أحداث سنة  627هـ، إلا أن هذا الربط لا يمكن الجزم به بصورة قاطعة.

ومع مرور الزمن تحولت راوندوز من موقع حصين إلى مركز عمراني وسياسي، وأصبحت عاصمة لإمارة سوران، وبلغت أهميتها ذروتها خلال حكم الأمير محمد باشا الرواندوزي في القرن التاسع عشر، الذي عمل على توسيع نفوذ الإمارة وتعزيز دفاعاتها.

لم يقتصر اهتمام الأمير على القلعة الرئيسية، بل أنشأ مجموعة من التحصينات والأبراج حول المدينة، كما ارتبط عهده بتطوير صناعة الأسلحة والمدافع، وتذكر المصادر أن الحرفي المعروف باسم «الأسطة رجب» تعلّم صناعة المدافع في أوروبا ثم عاد إلى راوندوز، حيث صنع أعداداً كبيرة منها بين عامي 1815 و1828، وُزّع بعضها على القلاع والمواقع الدفاعية.

الدور العسكري والسياسي

استمدت القلعة أهميتها من موقع راوندوز على طرق العبور بين السهول والجبال، وهو موقع حافظ على قيمته الاستراتيجية عبر فترات تاريخية مختلفة، وفي عهد إمارة سوران أصبحت القلعة مركزاً لقيادة القوات وإدارة شؤون الإمارة، التي توسع نفوذها خلال عهد محمد باشا الرواندوزي ليشمل مناطق واسعة من كردستان.

كما شكلت القلعة جزءاً من منظومة دفاعية تعتمد على تضاريس المنطقة، والتحصينات المرتفعة، ومواقع المدفعية والمراقبة.

لكن قوة الإمارة تراجعت مع سياسة الدولة العثمانية الهادفة إلى إخضاع الإمارات الكردية للحكم المركزي في عهد السلطان محمود الثاني، وانتهى الصراع بين محمد باشا الرواندوزي والقوات العثمانية بهزيمة الأمير وتقويض استقلال إمارة سوران، فتراجع الدور السياسي والعسكري للقلعة تدريجياً.

ومع ذلك، ظل الموقع مرتبطاً بالاستخدامات العسكرية والأمنية في فترات لاحقة، مستفيداً من موقعه النائي وتحصينه الطبيعي.

العمارة والتحصينات

تندمج قلعة راوندوز بصورة واضحة مع طبيعة الجبل الذي أقيمت عليه، وهو ما يجعل الفصل بين التحصين والتضاريس الطبيعية أمراً صعباً، وتضم بقايا الموقع أساسات لجدران حجرية وغرفاً وأجزاء من التحصينات، إلى جانب آثار مداخل كانت تصل القلعة بالمنحدرات المحيطة.

واستخدم في البناء الحجر المحلي والمونة، مع إقامة أبراج ومواقع مراقبة وحجرات للحامية ومخازن للسلاح والمؤن. ولم تكن القلعة منشأة منفردة، بل كانت مركزاً لمنظومة تحصينات شملت أسوار المدينة وأبراج المراقبة على المرتفعات الغربية.

وتشير هذه المنظومة إلى اعتماد إمارة سوران على الجمع بين التحصين المعماري والدفاع الطبيعي الذي توفره الجبال والأودية المحيطة.

القلعة اليوم

توجد قلعة راوندوز اليوم في حالة أطلال جزئية، بينما أصبحت شهرة المنطقة الحديثة مرتبطة بصورة أكبر بوادي راوندوز وشلالاته ومواقعها الطبيعية، مثل كلي علي بك وكلي أكويان.

ومع ذلك، ما تزال القلعة جزءاً من الهوية التاريخية والسياحية لراوندوز، وتُدرج ضمن المواقع التي يقصدها الزوار المهتمون بتاريخ المنطقة وطبيعتها، وقد اتُخذت بعض الإجراءات لحماية أجزاء من الموقع وتحسين الوصول إليه، إلا أن القلعة لا تزال بحاجة إلى أعمال صون وترميم ودراسة ميدانية أوسع للحفاظ على ما تبقى من آثارها.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك