16:33:17 2026-09-20 : اخر تحديث
16:33:17 2026-09-20 : نشر في
فريق التحرير - شبكة الساعة
يُعد جامع النبي يونس في الجانب الشرقي من مدينة الموصل أحد أبرز المواقع الدينية والتاريخية في المدينة، ليس لأهميته الدينية فحسب، بل لوقوعه فوق تل يختزن طبقات أثرية تعود إلى عصور آشورية قديمة.
وقد جمع الموقع، على مدى قرون، بين الذاكرة الدينية والتراث الحضاري لمدينة الموصل، قبل أن يتعرض للتدمير على يد تنظيم داعش في تموز/يوليو 2014، وارتبط الموقع بمقام يُنسب إلى النبي يونس، أو يونان في بعض التقاليد، وهو ما منحه مكانة خاصة لدى سكان الموصل.
وفي القرن الرابع عشر الميلادي أُعيد بناء الجامع، وتشير المصادر إلى أن الأمير جلال الدين إبراهيم الخطّني ارتبط بإعادة بنائه عام 1365م، وشهد الموقع لاحقاً إضافات وتوسعات معمارية، من بينها المئذنة التي أضيفت في عشرينيات القرن العشرين، ثم توسعة المبنى خلال القرن العشرين لمواكبة تزايد أعداد المصلين والسكان.
القيمة الدينية للموقع لم تكن سوى جانب واحد من أهميته؛ إذ يقع الجامع فوق تل النبي يونس، الذي يخفي بقايا من مدينة نينوى الآشورية، وقد أظهرت أعمال التنقيب والدراسات الأثرية وجود منشآت وقاعات وقطع حجرية ونقوش تعود إلى العصر الآشوري الحديث، ما جعل الموقع شاهداً على تعاقب طبقات تاريخية متعددة فوق المكان نفسه.
بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل في حزيران/يونيو 2014، بدأ تنظيم "داعش" باستهداف عدد من المواقع الدينية التي اعتبرها مخالفة لتفسيره المتشدد، وشمل ذلك أضرحة ومقامات ومساجد ذات أهمية تاريخية وفي هذا السياق أصبح جامع النبي يونس أحد أبرز المواقع المستهدفة.
وفي 24 تموز/يوليو 2014، أقدم مسلحو التنظيم على إخلاء المنطقة المحيطة بالجامع، قبل تفخيخ الموقع وتفجيره، وأدى الانفجار إلى تدمير مبنى الجامع والمقام وأجزاء واسعة من المئذنة والقباب، وتحول الموقع خلال دقائق من أحد أبرز معالم الموصل إلى أنقاض.
استهداف الجامع لم يكن حادثاً منفرداً؛ فقد جاء ضمن حملة أوسع طالت مواقع دينية وتراثية في الموصل ومناطق أخرى خضعت لسيطرة التنظيم، وقد وثقت دراسات أثرية لاحقة أن جامع النبي يونس كان واحداً من أكثر من عشرين مسجداً في الموصل تعرضت للتدمير خلال فترة سيطرة التنظيم بين عامي 2014 و2015.
لم يتوقف أثر التدمير عند فقدان المبنى الديني، فعقب تحرير الجزء الشرقي من الموصل عام 2017، تمكن الباحثون والصحفيون من الوصول إلى الموقع، حيث ظهرت أدلة على قيام التنظيم بحفر أنفاق عميقة أسفل الجامع.
وتشير الدراسات الأثرية إلى وجود ما لا يقل عن أربعة أنفاق حُفرت تحت التل، ويُعتقد أن التنظيم استخدمها للتنقيب غير المشروع عن الآثار والبحث عن مقتنيات مرتبطة بالقصور الآشورية، وعثر داخل هذه الأنفاق على ألواح حجرية ونقوش وقطع أثرية، بعضها يعود إلى العصر الآشوري الحديث، إضافة إلى بقايا معمارية كانت مرتبطة بمنشآت ملكية قديمة.
ومن بين المكتشفات المهمة تماثيل ضخمة وألواح حجرية تحمل نقوشاً ملكية، كشفت عن وجود أجزاء من منشآت آشورية أسفل التل، وأظهرت هذه المكتشفات أن الموقع لم يكن مجرد موضع ديني إسلامي، بل كان جزءاً من المشهد الحضري لمدينة نينوى القديمة.
أهمية جامع النبي يونس تكمن بالتالي في تداخل طبقات زمنية متباعدة داخل مساحة واحدة، فالطبقة الدينية الإسلامية ارتبطت بمقام النبي يونس والجامع الذي شُيّد فوقه، بينما تخفي الطبقات الأعمق آثاراً تعود إلى الدولة الآشورية الحديثة.
وقد ساعدت الأنفاق التي حفرها التنظيم، رغم ما سببته من أضرار ونهب، على كشف أجزاء لم تكن معروفة على نطاق واسع من المنشآت الموجودة أسفل التل، وأصبح الموقع بعد تحرير الموصل واحداً من الأماكن التي تجمع بين مهمة الحفاظ على الذاكرة الدينية ومهمة حماية الآثار الآشورية المدفونة تحته.
بعد تحرير الموصل، بدأت الجهات العراقية والباحثون الأثريون تقييم الأضرار التي لحقت بتل النبي يونس، ودراسة المكتشفات التي ظهرت في الأنفاق والمناطق المتضررة. وأصبح التعامل مع الموقع أكثر تعقيداً من مجرد إعادة بناء جامع مدمّر، لأن أي مشروع لإعادة الإعمار يجب أن يأخذ في الاعتبار وجود طبقات أثرية حساسة تحت سطح التل.
وفي الوقت نفسه، دخلت الموصل مرحلة أوسع من إعادة إحياء تراثها بعد إطلاق اليونسكو عام 2018 مبادرة «إحياء روح الموصل»، التي ركزت على ثلاثة محاور هي التراث، والحياة الثقافية، والتعليم.
وشملت المبادرة إعادة إعمار عدد من أبرز معالم المدينة، وفي مقدمتها جامع النوري ومئذنته الحدباء وكنيستا الطاهرة والساعة، إلى جانب منازل تراثية ومدرسة وجامع الآغوات.
يمثل جامع النبي يونس اليوم أكثر من مبنى ديني تعرض للتدمير؛ فهو موقع تتقاطع فيه ذاكرة الموصل الإسلامية مع تاريخ نينوى الآشورية. وقد كشف تدميره، عن أجزاء من تاريخ الموقع المدفون، وأعاد تسليط الضوء على ضرورة التعامل مع التلال الأثرية في الموصل باعتبارها سجلاً متراكماً لحضارات متعددة.
وبينما تحولت أنقاض الجامع إلى شاهد على مرحلة قاسية من تاريخ المدينة، أصبحت المكتشفات الأثرية التي ظهرت أسفل الموقع جزءاً من الجهود الرامية إلى فهم تاريخ نينوى والحفاظ على ما تبقى منه.
ولذلك فإن إحياء جامع النبي يونس لا يرتبط بإعادة بناء مبنى ديني فحسب، بل يرتبط أيضاً بحماية الموقع الأثري وإبراز طبقاته التاريخية المتعاقبة، بما يحفظ للمكان مكانته في ذاكرة الموصل وتراثها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 18:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 18:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 18:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 18:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم