رغم تأسيس ديوان أوقاف الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية بموجب القانون رقم (56) لسنة 2012 بهدف حماية أوقاف هذه المكونات، يواجه المسيحيون في العراق مشكلة متصاعدة تتمثل في الاستيلاء على ممتلكاتهم العقارية عبر التزوير والتهديد واستغلال غياب أصحاب العقارات.
وتعود جذور الظاهرة إلى تسعينيات القرن الماضي، لكنها اتسعت بعد 2003، في ظل ضعف قواعد البيانات والرقابة وغياب آليات فعالة لاسترداد الحقوق.
ولم تعد القضية تقتصر على نزاعات ملكية فردية، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في هجرة المسيحيين، بما يهدد وجودهم التاريخي في العراق، كما أسهم ضعف الاستجابة المؤسسية ونفوذ بعض الجهات المتنفذة في استمرار الانتهاكات دون معالجة شاملة.
ديوان الأوقاف.. صلاحيات قانونية محدودة التنفيذ
يرتبط ديوان الأوقاف مباشرة بمجلس الوزراء، ويترأسه مسؤول بدرجة وزير، إلى جانب وكيلين ودوائر متخصصة، من بينها الدائرة القانونية، كما يفترض أن يشارك ممثلو الطوائف في إدارة الأوقاف والرقابة على التصرفات العقارية.
ومنح القانون الديوان صلاحيات تتعلق بتنظيم بيع العقارات والتنسيق مع دوائر التسجيل العقاري للحد من التزوير، إلا أن هذه الإجراءات لم تمنع عمليات الاستيلاء بسبب ضعف الرقابة والفساد وتعقيد الإجراءات واستغلال غياب المالكين نتيجة الهجرة.
وبذلك بقيت الحماية القانونية أضعف من حجم المشكلة، خصوصاً مع محدودية التمويل والدعم اللوجستي للدائرة القانونية، وعدم قدرتها على مواجهة شبكات التزوير والنفوذ.
آليات الاستيلاء على العقارات والجهات المتورطة
تتنوع أساليب الاستيلاء على عقارات المسيحيين، وأبرزها تزوير التواقيع والوكالات، والاستيلاء بالقوة والتهديد، واحتلال العقارات ورفض إخلائها، وتغيير صنف العقار أو ملكيته، وتنتشر هذه الممارسات في بغداد وكركوك والموصل وسهل نينوى ومناطق أخرى.
وتشير التقارير إلى تورط عصابات وشخصيات متنفذة تستغل الثغرات القانونية والإدارية، فضلاً عن اتهامات لفصائل مسلحة بالاستيلاء على منازل وأراضٍ تعود إلى مسيحيين. ومن بين الجهات التي وردت بحقها اتهامات في تقارير مختلفة لواء بابل (اللواء 50) واللواء 30 في سهل نينوى، إلى جانب اتهامات لفصائل أخرى في بغداد. وتبقى هذه الاتهامات محل نفي من بعض الجهات المعنية.
كما ساهم تواطؤ بعض الموظفين في دوائر التسجيل العقاري، أو غضّ الطرف عن عمليات التزوير، في تسهيل نقل الملكيات بصورة غير قانونية، بينما وفرت بعض الجهات السياسية المتنفذة حماية للمتورطين.
أبرز أساليب الاستيلاء
يأتي التزوير والوكالات الوهمية في مقدمة الأساليب، خصوصاً في حالة المالكين المقيمين خارج العراق، حيث تُستخدم توقيعات أو مستندات مزورة لنقل الملكية.
ويأتي بعد ذلك الاستيلاء بالقوة والتهديد، فضلاً عن احتلال العقارات ورفض إخلائها مستغلين بطء إجراءات إنفاذ القانون، كما تُستخدم عمليات تغيير صنف العقار وملكيته، خصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية وتغيرات ديموغرافية بعد تحريرها من تنظيم "داعش".
وتؤدي هذه الأساليب مجتمعة إلى فقدان المسيحيين جزءاً من ممتلكاتهم التاريخية، في ظل ضعف الردع المؤسسي.
حجم العقارات المستولى عليها
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات حكومية شاملة ودقيقة لحجم العقارات المستولى عليها، إلا أن تقديرات متداولة تشير إلى أرقام كبيرة؛ حيث قدّر النائب السابق جوزيف صليوا عدد العقارات المستولى عليها في عموم العراق، باستثناء إقليم كردستان العراق، بأكثر من 60 ألف عقار، تشمل المنازل والعمارات والأراضي.
وفي الموصل، أشارت تقديرات إلى وجود ما لا يقل عن 350 منزلاً مسيحياً جرى نقل ملكيتها باستخدام وثائق مزورة، كما طالت الاعتداءات مباني تراثية وكنائس وأديرة، مع تقديرات تشير إلى تضرر أو الاستيلاء على أكثر من 3 آلاف مبنى تراثي بعد عام 2003.
وتبقى هذه الأرقام تقريبية بسبب غياب سجل رسمي موحد، لكنها تعكس اتساع المشكلة وصعوبة حصرها، فضلاً عن التعقيدات القانونية التي تواجه أصحاب العقارات في استرداد ممتلكاتهم.
مواطن ضعف ديوان الأوقاف
رغم الصلاحيات التي يمنحها القانون للديوان في تمثيل أصحاب الحقوق ومتابعة القضايا، تكشف الحالات المسجلة عن فجوة واضحة بين الصلاحيات القانونية والقدرة على التنفيذ، فإجراءات التحقق من الملكية لم تمنع استخدام الوكالات المزورة، كما أن غياب المالكين في الخارج زاد من صعوبة التحقق من عمليات البيع.
كما أدى غياب قاعدة بيانات دقيقة ومتكاملة للعقارات إلى تعقيد مهمة توثيق الانتهاكات، فيما ظلت بعض الإجراءات الوقائية محدودة التأثير مقارنة بحجم الحالات المبلغ عنها.
وتكشف هذه المعطيات أن معالجة المشكلة لا تتطلب تعزيز دور الديوان فقط، بل تحتاج إلى إصلاح أوسع لمنظومة التسجيل العقاري والقضاء، مع اعتماد سجلات عقارية رقمية آمنة وتشديد الرقابة على معاملات نقل الملكية.
استجابة الحكومة والقضاء
اتخذت الحكومة ووزارة العدل عدداً من الإجراءات للحد من التلاعب، شملت تشديد التدقيق في معاملات نقل الملكية، وإطلاق آليات لتلقي شكاوى التجاوز على أملاك المسيحيين والمكونات الأخرى.
وفي 27 شباط/فبراير 2025 أطلقت الأمانة العامة لمجلس الوزراء استمارة إلكترونية لتلقي الشكاوى المتعلقة بالتجاوز على العقارات في بغداد ونينوى، كما أعلنت الحكومة في نيسان/أبريل 2025 تشكيل لجنة لحصر أملاك المسيحيين وبقية المكونات ورفع تقرير بشأنها.
أما القضاء، فقد أصدر أحكاماً بالسجن بحق أفراد تورطوا في تزوير وكالات وعمليات احتيال على مالكين مسيحيين مهاجرين، كما شهدت بعض المناطق جهوداً لاستعادة عقارات إلى أصحابها، إلا أن هذه الإجراءات ما زالت محدودة مقارنة بحجم المشكلة.
العقبات أمام المعالجة
تتمثل أبرز العقبات في الفساد الإداري، وضعف إنفاذ القانون، ونفوذ الجماعات المسلحة، وبطء الإجراءات القضائية، وغياب أصحاب العقارات بسبب الهجرة، وعدم اكتمال قاعدة البيانات العقارية.
كما أن بعض المبادرات الحكومية لم تحقق النتائج المتوقعة بالسرعة المطلوبة، الأمر الذي عزز عدم ثقة المتضررين بقدرة المؤسسات على استعادة حقوقهم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام