يُعد المسيحيون في العراق من أقدم الجماعات الدينية في بلاد الرافدين، إذ تعود جذور حضورهم إلى القرون الأولى للميلاد. وعلى الرغم من تراجع أعدادهم بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، ما يزالون يمثلون إحدى أبرز الأقليات الدينية في البلاد.
أماكن التواجد
ينتشر المسيحيون في العراق في عدة مناطق رئيسية، مع اختلاف واضح بين مناطق الوجود التاريخي ومناطق التركز الحالي، ففي بغداد كان للمسيحيين حضور بارز في أحياء مثل الكرادة، الدورة، زيونة، الغدير، بغداد الجديدة، والسيدية، إلا أن هذا الحضور تراجع بعد عام 2003 نتيجة موجات العنف والهجرة الداخلية والخارجية.
أما في شمال العراق، فيتركز الوجود المسيحي بصورة أوضح في الموصل وسهل نينوى، ولا سيما في بلدات مثل تلكيف، ألقوش، برطلة، قره قوش/بغديدا، وكرمليس، وهي مناطق ارتبطت تاريخيًا بالكلدان والسريان والآشوريين.
كما يشكل إقليم كردستان العراق اليوم مساحة مهمة للمسيحيين، خصوصًا في أربيل ودهوك وزاخو، وتُعد عينكاوا في أربيل من أبرز المراكز المسيحية في الإقليم.
ويُسجل وجود مسيحي أقل عددًا في جنوب العراق، خصوصًا في البصرة، حيث استقرت عائلات أرمنية وسريانية وكلدانية منذ فترات مختلفة، وأسهمت في الحياة التجارية والثقافية والاجتماعية للمدينة.
الأصول التاريخية والجغرافية
يمتد الوجود المسيحي في العراق إلى القرون الأولى للميلاد، وقد تشكل تاريخيًا ضمن بيئة بلاد الرافدين، حيث تطورت جماعات وكنائس شرقية ارتبطت باللغة السريانية وتراث كنيسة المشرق، ويتكون المجتمع المسيحي العراقي من عدة جماعات قومية وكنسية ولغوية، من أبرزها:
-
الكلدان: يُعد الكلدان الكاثوليك أكبر الجماعات المسيحية في العراق، وينتمون إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية المرتبطة بالكرسي الرسولي في روما، ويتركز وجودهم تاريخيًا في بغداد والموصل وسهل نينوى ومناطق من إقليم كردستان.
-
الآشوريون: يرتبط قسم كبير منهم تاريخيًا بكنيسة المشرق الآشورية وكنيسة المشرق القديمة، وينتشرون بصورة رئيسية في مناطق شمال العراق، ولا سيما دهوك وأربيل وسهل نينوى.
-
السريان: ينقسمون كنسيًا بين السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك، ولهم حضور تاريخي في الموصل وسهل نينوى، خصوصًا في بلدات مثل بغديدا (قره قوش) وبرطلة وكرمليس، ويستخدمون تقليديًا اللغة السريانية، ولا سيما بلهجتها الغربية.
-
الأرمن: يشكلون مكوّنًا مسيحيًا آخر في العراق، وقد تعزز وجودهم خصوصًا بعد موجات النزوح التي رافقت مذابح الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، واستقر عدد منهم في بغداد والبصرة والموصل ومدن أخرى.
-
العرب المسيحيون: ينتشرون في عدد من المدن العراقية، وينتمون إلى كنائس مختلفة، ويتحدثون العربية بوصفها لغتهم الأم.
-
البروتستانت والإنجيليون: ظهرت كنائسهم في العراق خلال العصر الحديث نتيجة نشاط الإرساليات الغربية، ويتركز أتباعها بأعداد أقل في المدن الكبرى.
ويتحدث معظم المسيحيين العراقيين العربية في حياتهم اليومية، إلى جانب احتفاظ جماعات منهم بالسريانية أو الأرمنية في الطقوس الدينية والبيوت والأنشطة الثقافية، بما يعكس تنوعهم التاريخي واللغوي داخل المجتمع العراقي.
التمثيل السياسي
يضمن نظام الكوتا في العراق تمثيلًا سياسيًا للمسيحيين داخل مجلس النواب، إذ تُخصص لهم خمسة مقاعد من أصل 329 مقعدًا، موزعة على محافظات بغداد، نينوى، كركوك، دهوك، وأربيل، وقد وُضع هذا النظام لضمان حضور المسيحيين في العملية السياسية، بعد عقود من التراجع الديموغرافي والهجرة والتهجير.
لكن هذا التمثيل يواجه انتقادات متكررة من قوى وشخصيات مسيحية، بسبب قدرة الأحزاب الكبيرة على التأثير في نتائج مقاعد الكوتا عبر توجيه أصوات ناخبين من خارج المجتمع المسيحي نحو مرشحين محددين، ما يجعل بعض هذه المقاعد أقرب إلى امتداد لنفوذ القوى الكبرى بدل أن تكون تعبيرًا مستقلًا عن إرادة المسيحيين.
وفي إقليم كردستان، أثار ملف كوتا الأقليات جدلًا واسعًا عام 2024، بعدما قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية المقاعد الـ11 المخصصة للأقليات في برلمان الإقليم، وهي مقاعد كانت تشمل المسيحيين والتركمان والأرمن.
ولاحقًا، أُعيد تخصيص خمسة مقاعد فقط للأقليات ضمن برلمان الإقليم المكوّن من 100 مقعد، وهو ما أبقى الجدل قائمًا حول حجم التمثيل الحقيقي للمكونات الصغيرة ومدى استقلاليته عن الصراع بين القوى السياسية الكبرى.
التحديات التي واجهها المسيحيون
منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 تعرض المسيحيون في العراق لموجات من التهجير والاستهداف، مما أدى إلى انخفاض أعدادهم من حوالي 1.5 مليون إلى ما يقل عن 250 ألف شخص حاليًا تعرضوا للعنف والتمييز، مما دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الهجرة بحثًا عن الأمان.
في عام 2014، استهدف تنظيم "داعش" المسيحيين بشكل خاص عندما سيطر على مناطق واسعة من شمال العراق، بما في ذلك الموصل وسهل نينوى، وأجبر التنظيم المسيحيين حينها على دفع الجزية، أو ترك ارض الاسلام كما عبروا.
واضطر كثير من المسيحيين تحت هذا الضغط ان يتركوا بيوتهم وممتلكاتهم، واقفرت الكنائس من زورها وأُوقف دق الاجراس فيها فرّ عشرات الآلاف من المسيحيين إلى إقليم كردستان العراق ودول أخرى.
إلى جانب "داعش"، تعرض المسيحيون لاعتداءات متفرقة من قبل فصائل مسلحة عراقية شملت الاستيلاء على ممتلكاتهم والضغط عليهم لمغادرة مناطقهم، هذه الاعتداءات عززت حالة الخوف وانعدام الأمن وأدت إلى استمرار موجات الهجرة.
يتركزون معظم المسيحيين اليوم في إقليم كردستان العراق، حيث يجدون نسبياً مستوى أفضل من الحماية والاستقرار مقارنة بالمناطق الأخرى.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام