يبدو أن تاريخ الـ 30 من أيلول المقبل سيكون موعدا حاسما للكثير من الأطراف، فالولايات المتحدة من المفترض أن تنهي وجودها العسكري في العراق بهذا التاريخ، والفصائل المسلحة ما تزال تمتلك السلاح وتهدد باستخدامه في حال لم تنسحب القوات الأمريكية، والحكومة العراقية الطرف الأضعف في المعادلة ما تزال ترفع شعار حصر السلاح بيد الدولة رغم انتقالها من مفهوم تفكيك الفصائل والسلاح ونزعه إلى مفهوم تنظيم السلاح.
في خضم هذه المعادلة، يترقب الشارع العراقي ما ستؤول إليه الأحداث بعد 30 أيلول، ومن سيكون له السبق في إعلان الصولة الأولى على الطرف الآخر لإثبات وجوده وتنفيذ تعهداته، والتساؤلات كثيرة بهذا الشأن: هل ستبدأ الحكومة ومؤسسات الدولة صولة على الفصائل من أجل نزع سلاحها أم تكتفي بالحوارات السياسية والدبلوماسية؟ وهل الولايات المتحدة ستنسحب فعليا وكليا من العراق، أم أنها ستبقي قواتها أو جزءا منها؟ وكيف ستتعامل الفصائل المسلحة للرد على خيارات واشنطن وحكومة بغداد، خاصة وأن التوجيهات الإيرانية باتت محسومة بعدم القبول بتسليم السلاح جملة وتفصيلاً؟
انسحاب أمريكي فعلي أم شكلي؟
أعلنت الحكومة العراقية في أكثر من مناسبة أن القوات الأمريكية ستنهي وجودها من العراق بشكل كامل نهاية أيلول المقبل، وأعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب لقائه قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر، أن 30 سبتمبر هو التاريخ الحاسم والنهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" في العراق واستكمال انسحاب قواته.
ورغم إعلان واشنطن انتهاء مهام التحالف الدولي والبدء بسحب قواتها العسكرية من العراق بهذا التاريخ، فإنها لم تتحدث بشكل صريح عن بقاء قوات أمريكية من عدمه بعد هذا التاريخ، كما أن واشنطن أكدت أن تعاونها الثنائي مع العراق في مختلف المستويات ومنها العسكري سيستمر خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يعني بحسب تقارير أن الوجود الأمريكي في العراق سيبقى قائما خلال المرحلة القادمة، ولكن بمسميات جديدة.
وما يعزز بقاء الوجود الأمريكي عسكريا في العراق تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية نقلا عن مسؤول أمريكي تفيد بأن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف سيخفضون مهامهم العسكرية في العراق بحلول 30 سبتمبر المقبل، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس دونالد ترامب.
وأكد المسؤول الأمريكي أن خفض المهمة العسكرية يمثل انتقالاً نحو شراكة أمنية ثنائية دائمة بين بغداد وواشنطن، بما يتوافق مع المصالح الأميركية والدستور العراقي واتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين، وأشار إلى أن الخطوة لا تعني نهاية التحالف الدولي ضد "داعش"، وإنما انتقال مهمته العسكرية إلى شكل جديد في إطار العلاقات الثنائية بين واشنطن وبغداد.
وأكد كفاح محمود المستشار السابق لرئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني أن الإعلان عن سحب القوات الأمريكية بشكل كامل من العراق لم يصدر عن جهات رسمية أمريكية، كما أن سلطات الإقليم لم تتلقَ تأكيدا رسميا من واشنطن بخصوص الانسحاب الشامل، مرجحا بقاء قوات أمريكية في العراق من أجل استمرار التنسيق الأمني بين الجانبين وتقديم الدعم والمساعدة للقوات العراقية ومن ضمنها قوات البيشمركة.
الفصائل تهدد وتتمسك بالسلاح
هدد زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي قبل ساعات القوات الأميركية بالتصعيد في حال عدم استكمال انسحابها من العراق بحلول 30 سبتمبر، مؤكداً أن فصائل مسلحة عراقية تتابع موعد الانسحاب بـجهوزية كاملة، ومشددا على رفض بقاء أي جندي أمريكي في العراق بعد الموعد المحدد.
كما أعلن القيادي في كتائب سيد الشهداء كاظم الفرطوسي أن الفصائل ستتعامل مع قوات التحالف الدولي بعد تاريخ 30 أيلول كقوات احتلال، فيما شكك بالوعود الأمريكية بالانسحاب في الموعد المحدد المتفق عليه مع الحكومة العراقية.
ووضعت الفصائل العراقية جملة من الشروط للبدء بتنظيم سلاحها، مع رفضها المطلق لتسليم السلاح أو تفكيكه، ومن تلك الشروط الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق وكذلك الانسحاب التركي ودخول قوات الجيش إلى إقليم كردستان وتسليم سلاح قوات البيشمركة الكردية.
ثم جاءت تصريحات رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لتحسم الجدل بشأن نزع سلاح الفصائل من عدمه بنهاية أيلول، إذ أكد المالكي رفضه لما يسمى نزع سلاح الفصائل وإنما التوجه لتنظيم سلاح عبر الحوار السياسي بين الحكومة والفصائل، كما رفض المالكي تحديد موعد محدد لبدء تنظيم السلاح، وقال إنه "من الممكن أن تبدأ الخطوات الأولى لتنظيم السلاح بعد الـ 30 من أيلول".
من يبدأ التصعيد؟
وتباينت آراء الباحثين والمراقبين للشأن العراقي بخصوص ما سيجري بعد تاريخ الـ 30 من أيلول المقبل، لكن الرأي المتفق عليه أن الفصائل لن تتنازل عن سلاحها وأن الحكومة العراقية ستكون عاجزة عن تنفيذ وعودها، مقابل إمكانية تصعيد الفصائل المسلحة من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر التي لن يرضيها تملص السلطات والمسؤولين العراقيين عن الوعود التي قطعت بشأن حصر السلاح.
الباحث والمحلل السياسي الناصر دريد استبعد أن تكون الدولة العراقية الطرف الأول الذي سيبدأ صولة في ملف حصر السلاح وتحقيق التعهدات التي قطعتها الحكومة سابقا، وأشار إلى أن الفصائل هي الطرف الأقرب للبدء بالتصعيد تنفيذا للرغبة الإيرانية.
وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدولة العراقية لم تبدأ بأي صولة أو تحرك عسكري لنزع سلاح الفصائل المسلحة وهو أمر بات واضحا من التصريحات الحكومية".
أما بشأن الانسحاب الأمريكي، فأشار إلى "عدم وجود أي ربط بين الانسحاب الأمريكي وبين تهديدات الفصائل وشروطها بنزع السلاح"، مبينا أن "الانسحاب جاء بناء على خطة أمريكية مسبقة لإعادة الانتشار وتقليص الكلف العسكرية الأمريكية، لكنه نوه إلى إمكانية بقاء القوات الأمريكية في العراق حتى بعد 30 أيلول وذلك وفقا لما تراه الإدارة الأمريكية".
وعن التصعيد المقبل، أوضح دريد أن "الفصائل من المتوقع أن تبدأ التصعيد لأنها تنفذ الأجندة والمصالح الإيرانية ومن ضمنها منع تصدير النفط العراقي عبر خطوط الأنابيب بديلا عن مضيق هرمز، وهو ما أشار إليه المسؤولون الإيرانيون عندما قالوا إن تصدير النفط العراقي عبر خطوط بديلة تمثل صواريخ موجهة نحو إيران، لذلك من المتوقع أن تقوم الفصائل بالرد الصاروخي دفاعا عن إيران واقتصادها".
أما الناشط السياسي محمد عباس فيستبعد فكرة الصدام العسكري بين الدولة والفصائل، لكنه توقع تصعيدا بين الفصائل والجانب الأمريكي من شأنه أن يؤدي إلى تعرض العراق إلى عقوبات أمريكية مقبلة ماليا واقتصاديا.
وقال عباس في حديث لشبكة "الساعة": إن "القراءة السياسية والأمنية الميدانية لطبيعة التوترات المتصاعدة مع اقتراب استحقاق 30 أيلول، لا تشير إلى التوجه نحو مواجهة عسكرية مفتوحة، فالواقع يؤكد أن كلاً من الحكومة العراقية وقيادات الفصائل يدركان الكلفة العالية لأي صدام مباشر، فالدولة تعي تماماً أن الذهاب نحو مواجهة عسكرية لاستعادة السلاح بالقوة سيهدد الاستقرار الأمني والسياسي ويُنهك مؤسساتها، بينما تدرك الفصائل من جانبها أن الدخول في تحدٍّ مسلح صريح مع المؤسسة العسكرية الرسمية يفقدها الغطاء السياسي والمجتمعي".
وأضاف: أن "سيناريو الصولة المسلحة مستبعد، وما نشهده حالياً هو إدارة لأزمة الردع المتبادل، حيث تُوظَف التصريحات والتحذيرات النارية كأوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض وضمان أكبر قدر من المكتسبات قبل حلول موعد الانسحاب المفصلي"، لكنه أشار إلى أنه "في حال تعثرت جهود الحوار ولم يتم تسليم سلاح الفصائل أو تأطيره ضمن مؤسسات الدولة، فإن واشنطن لن تقف موقف المتفرج تجاه ذلك".
وأكد أن "سيناريو عدم تسليم السلاح سينقل الإدارة الأمريكية من مربع الدعم السياسي والتنفيذي للحكومة إلى فرض عقوبات اقتصادية ومالية مشددة تستهدف القوى والشخصيات المعرقلة لعملية حصر السلاح، إلى جانب استخدام ورقة التدفقات المالية والدولار، فضلاً عن احتمال إعادة النظر في جدول انسحاب قواتها وتقليص مستوى التنسيق الأمني والاستخباري".
أما فيما يتعلق بالانسحاب الأمريكي الكامل بحلول نهاية أيلول، قال عباس إن "المؤشرات الفنية والسياسية تستبعد حدوث خروج أمريكي تام وناجز بهذا الشكل المطلق، إذ إن الجدول الزمني المعلن يمثل إطاراً انتقالياً لإعادة تنظيم طبيعة العلاقة الأمنية والعسكرية بين بغداد والتحالف الدولي، حيث يتجه الملف نحو التحول من مظلة التحالف الموسعة إلى أطر العلاقات الثنائية والتعاون الأمني والعسكري المباشر".
وختم حديثه قائلا: إن "واشنطن ترغب في إبقاء أشكال محددة من الدعم الفني والإسناد الاستخباري والتنسيق لمكافحة الإرهاب، وهو ما يجعل المشهد يتجه نحو إعادة انتشار وتغيير في المهام والمسميات بدلاً من إغلاق كامل ومطلق للوجود العسكري، الأمر الذي سيُبقي ملف السلاح والضغط الفصائلي رهين التوافقات والتوازنات السياسية القادمة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام