تتصاعد المخاوف العراقية من إقحام الساحة العراقية مجددا في الحرب في حال تجددها بين الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى كما حصل في حرب الأربعين يوما في آذار الماضي، لا سيما وأن غالبية التوقعات ترجح اندلاع الصراع خلال الأيام المقبلة.
ومن خلال المواقف الصادرة من بغداد وواشنطن، فإن المعلومات تشير إلى دخول العراق ساحة الصراع حال اندلاعها، إن لم يكن قد دخلها أصلا، وذلك إذا ما ثبتت التقارير التي كشفت عن تعرض موقعا للحشد الشعبي في العاصمة بغداد منتصف الشهر الجاري إلى ضربة "إسرائيلية" استهدفت منظومات دفاع جوي صينية الصنع نُقلت من إيران إلى فصائل مسلحة عراقية تحسبا للحرب، بحسب ما أفاد تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط.
وبحسب تقرير آخر للشرق الأوسط اللندنية فإن المخاوف تتصاعد من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل عراقية فيها، بما يهدد مساعي بغداد لإبعاد البلاد عن الصراع.
ويرى مؤديو هذه المخاوف، بأن اخفاق الحكومة العراقية في ملف حصر السلاح وتفكيك الجماعات الموالية لإيران، دفع نحو احتمالية إقحام العراق في ساحة الحرب، وبالتالي تعريض بغداد إلى مخاطر الضربات العسكرية المباشرة والمزيد من العقوبات الاقتصادية في المرحلة المقبلة.
وكانت الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي قد حددت الثلاثين من أيلول الماضي، موعدا نهائيا لحصر سلاح الفصائل، لكنها تراجعت عن قرارها ومددت مهلتها إلى نهاية حزيران من العام 2027، في حين تشير معلومات مسربة إلى احتمالية تمديد هذا الموعد إلى نهاية العام 2027 دون أن يحقق أي أهداف ملموسة على الأرض.
وفي تأكيد للمعلومات السابقة، كشفت مصادر حكومية عراقية أن بغداد تلقت بلاغا من الولايات المتحدة مفاده أن واشنطن ستستهدف الفصائل المسلحة في العراق مباشرة إذا قررت الانخراط في الحرب مع إيران.
ونقل موقع الحرة عن تلك الفصائل قولها: إن "واشنطن أبلغت بغداد بأنها لن تلتزم بأي تنسيق مسبق مع الحكومة العراقية قبل تنفيذ ضرباتها".
كيف ستشارك الفصائل في الحرب؟
وعن مشاركة الفصائل العراقية في الحرب حال تجددها، يرى استاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن المشاركة تتوقف على طبيعة وشكل الحرب التي من المتوقع أن تحدث في الفترة المقبلة.
وقال الفيلي في حديث لـ "الساعة": إن "مشاركة الفصائل تتوقف على طبيعة وشكل الحرب، فإذا بدأت بضربة تدميرية خاطفة تجاه إيران فإن الفصائل لن تستطيع المشاركة وربما تكون الضربة الأولى تستهدفها بشكل مباشر داخل العراق، إما إذا أخذت الحرب مديات بعيدة ووقت طويل فهذا سيدفع بعض الفصائل للانخراط في الحرب".
وأضاف الفيلي: أن "الوضع الأمني في العراق من ناحية مشاركة الفصائل سيبقى في المنطقة الرمادية"، مشيرا إلى أن "التزام الفصائل المعروفة وخلايا الظل بالحياد فذلك سيجنبها الاستهداف المباشر من الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي"، منوها إلى أن "الحرب المقبلة ستكون مدمرة وخطيرة لأنها ستكون معركة وجودية خاصة مع إيمان إيران وإسرائيل بفكرة إبادة وزوال الطرف الآخر في هذه المعركة".
نيران الحرب قريبة من الساحة العراقية
أما الباحث في الشأن الأمني سيف رعد فتوقع أن تطال الضربات الإسرائيلية مواقع للفصائل العراقية كما حدث في الضربة الأولى التي استهدفت إيران في حرب الأربعين يوما وأدت إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، إذ تزامنت مع تلك الضربة استهداف مواقع للفصائل في منطقة جرف الصخر جنوبي بغداد، ورجح أن يؤدي هذا الاستهداف إلى مشاركة بعض الفصائل العراقية والخلايا المسلحة التي تشكلت مؤخرا وتعمل بشكل منفرد في الحرب.
وقال رعد في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من المتوقع أن يتحول العراق في حال تجدد المعركة إلى ساحة للتصفيات وتبادل الرسائل عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، لا سيما مع وجود جماعات وخلايا عراقية صغيرة ترتبط بقيادات خيطية يشرف عليها الحرس الثوري ويتولى قيادتها أجانب من الحوثيين أو حزب الله اللبناني أو الحرس الثوري الإيراني مباشرة، وهو الأمر الذي بات يشكل عائقا أمام الأجهزة الأمنية العراقية في متابعة تلك المجاميع باعتبار أنها خلايا صغيرة".
وأضاف أن "أغلب الفصائل العراقية انخرطت في العمل السياسي والحكومة، باستثناء فصيلين اثنين وهما حركة النجباء وحزب الله الذين دخلا حاليا في هدنة مع الجانب العراقي في ما يخص وقف الهجمات، ولكن في حال تجدد الصراع على الساحة الإيرانية فإن تلك الهدنة ستلغى وتنهار ويمكن أن تدخل تلك الفصائل في الحرب وتشارك فيها إلى جانب إيران".
وتوقع رعد أن "تتعرض الفصائل العراقية إلى ضربات إسرائيلية في حال تجدد الحرب، كما حدث في استهداف خامنئي الذي تزامن معه استهداف الفصائل في ناحية جرف الصخر"، مشيرا إلى أن "ما يعزز هذا التوقع هو عدم قدرة الحكومة العراقية على منع الفصائل من التحرك والدخول في الحرب وكذلك الضوء الأخضر الذي ترى إسرائيل أنها حصلت عليه بعد الانسحاب الأمريكي من العراق"، مبينا أن "هذه الضربات ستؤدي إلى استثمارها من قبل الفصائل التي ستعمل على الرد بشكل تصعيدي".
ولفت إلى أن "هذا التصعيد سيجعل الحكومة العراقية في حرج كبير"، مؤكدا أن "المعضلة الأكبر في موضوع مشاركة الفصائل عبر المسيرات والهجمات الصاروخية تكمن في الخلايا الصغيرة التي تشكلت مؤخرا والتي تعتمد على فكرة وحدة الساحات المصغرة وتعمل ضمن أسلوب الذئاب المنفردة كما حصل في استهداف أنبوب شرق غرب النفطي في المملكة العربية السعودية مؤخرا".
فشل حصر السلاح يزج العراق بالحرب
السياسي العراقي نزار حيدر فيؤكد أن فشل الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة سيدفع نحو تعرض العراق إلى خطر زجه في المعركة والحرب من قبل الفصائل القريبة من إيران.
وقال حيدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق اليوم يسير على خيط رفيع جدا، وأي خطأ سيعرض العراق إلى الوقوع بعيدا عن التوازن".
وأضاف أن "الإيرانيين طلبوا من الزيدي استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات على الكويت في حال تعرضها لضربة أمريكية، والزيدي رفض الطلب الإيراني، ودفع واشنطن إلى تحذير الحكومة العراقية من مغبة تورط الفصائل العراقية بأي عمليات قصف تستهدف المصالح الأمريكية أو حلفاء الويات المتحدة في المنطقة".
وتابع أن "الزيدي يسير على خيط رفيع ويحاول أن ينتهج التوازن لكنه فشل فشلا ذريعا في حصر السلاح بيد الدولة، حيث من المقرر أن يتم حصر السلاح نهاية أيلول الماضي، لكنه مدد الفترة إلى نهاية حزيران المقبل وربما إلى نهاية العام المقبل"، مبينا أن "فشله في حصر السلاح حوله إلى اضحوكة داخل العراق وخارجه ولا سيما في الولايات المتحدة لأنه انهار بشكل كامل أمام نفوذ القوى السياسية والفصائل في جلسة إكمال التصويت على الكابينة الوزارية".
وتابع: أن "هناك استغراب كبير في الرأي الرسمي وغير الرسمي الأمريكي بشأن تردد الحكومة العراقية في حصر السلاح وتفكيك الميليشيات رغم الدعم الأمريكي المقدم لها"، مبينا أنه "في حال عاد العمل العسكري بين أمريكا وإيران فإن العراق سيدفع الثمن والزيدي سيدفع الثمن الكبير بسبب اخفاقه في إنهاء نفوذ وسلطة الفصائل المسلحة".
الفصائل تميل للولاء العقائدي
ومن خلال مسيرة الفصائل الشيعية العراقية ولا سيما تلك التي ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، يظهر أنها تقدم الولاء للعقيدة الدينية العابرة للحدود على الهوية والمصلحة العراقية، وهي ما خلصت له دراسة أعدها الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي.
وبحثت الدراسة التي تحمل عنوان "الفصائل العراقية بين الهوية والمرجعية العقائدية وسط التصعيد الإقليمي"، التناقض المحتمل بين الهوية الوطنية العراقية والمرجعية العقائدية العابرة للحدود لدى الفصائل المنضوية ضمن ما يعرف بـالمقاومة الإسلامية أو محور المقاومة، وانعكاساته على سلطة الدولة وقرار الحرب والسلم.
وتحدد الدراسة ثلاثة مسارات لموقف الفصائل في حال تجدد الحرب، الأول يفترض المشاركة العسكرية المباشرة، إذ ستتجه التنظيمات الأكثر ارتباطا بالمشروع الولائي إلى استئناف الهجمات على المصالح والقواعد الأمريكية، أو المشاركة في عمليات مرتبطة بمحور المقاومة، خصوصا إذا اعتبرت أن إيران تواجه تهديدا وجوديا، وهو المسار الذي قد تختاره الفصائل المرتبطة مباشرة بالحرس الثوري كحزب الله والنجباء، أما المسار الثاني فيركز على الدعم السياسي واللوجستي دون دخول الحرب، فقد تختار بعض الفصائل تقديم الدعم السياسي والإعلامي أو أشكال الدعم غير القتالي التي لا تخالف القانون العراقي، مع تجنب المشاركة العسكرية المباشرة، ويسمح هذا الخيار بالمحافظة على العلاقة العقائدية مع إيران دون تحمل التكاليف الكاملة للمواجهة، ومن المتوقع أن تلجأ إليه الفصائل التي تؤمن بالاحتفاظ بسلاحها وبفكرة المقاومة مع الدخول ضمن العمل الحكومي الرسمي ككتائب سيد الشهداء، في حين يفترض المسار الثالث الالتزام بقرار الحكومة العراقية رغم استمرار ولائها العقائدي، إذ أن استخدام السلاح يجب أن يخضع لقرار الحكومة، وهو المسار الذي تلجأ إليه الفصائل التي أعلنت عن قبولها بفكرة حصر السلاح والانخراط بالعمل السياسي كعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام