في 24 تشرين الأول 2022، ألقت القوات الأمنية القبض على رجل الأعمال نور زهير في مطار بغداد الدولي أثناء محاولته مغادرة العراق بطائرة خاصة، على خلفية قضية الأمانات الضريبية التي عرفت لاحقاً باسم "سرقة القرن"، وكان حجم الأموال المختلسة المعلن آنذاك يقدر بنحو 3.7 تريليونات دينار.
بعد 4 سنوات، نور زهير خارج العراق ومحكوم غيابياً، والجزء الأكبر من الأموال لم يعد إلى خزينة الدولة، فيما عادت القضية إلى الواجهة بأرقام أكبر، بعد حديث عضو لجنة النزاهة النيابية طالب البيضاني عن معلومات أظهرتها التحقيقات ترفع حجم الاختلاسات إلى نحو 8 تريليونات دينار، أي أكثر من ضعف الرقم الذي ارتبط بالقضية عند الكشف عنها أول مرة.
وقال البيضاني، في تصريحات تناقلتها وسائل إعلام عراقية، إن المعلومات الجديدة تشير إلى وجود رصيد جديد للقضية يرفع حجمها إلى نحو 8 تريليونات دينار، بما يعادل قرابة 5 مليارات دولار، فضلاً عن وصول عدد الشخصيات المرتبطة بالملف إلى نحو 30 شخصية.
اعتقال ثم إطلاق
لم يبقَ نور زهير طويلاً قيد الاحتجاز بعد القبض عليه، إذ أُطلق سراحه بكفالة ضمن ترتيبات قضائية ارتبطت بإعادة الأموال، وظهر رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في تشرين الثاني 2022 معلناً استرداد الدفعة الأولى منها.
وبحسب أحدث توضيح لمجلس القضاء الأعلى، فإن شركتي "القانت" و"المبدعون" التابعتين لزهير ترتب بذمتهما نحو تريليون و618 مليار دينار، وأعاد زهير منها 365 مليار دينار قبل أن يغادر العراق وتتوقف عملية التسديد، أي ما يعادل نحو 22.6% من الأموال المترتبة على الشركتين وفق الأرقام القضائية.
وبذلك لم تنتهِ المفارقة عند إطلاق المتهم الأبرز في واحدة من أكبر قضايا الفساد مقابل استرداد الأموال، وإنما في أن الرجل غادر العراق قبل استكمال التسديد، لتتحول القضية من متهم كان موجوداً بيد السلطات العراقية إلى محكوم غيابياً تعمل الدولة على استرداده من الخارج.
وفي 25 تشرين الثاني 2024، أصدرت محكمة جنايات الكرخ المختصة بقضايا النزاهة حكماً غيابياً بالسجن لمدة 10 سنوات بحق زهير، فيما أكد مجلس القضاء الأعلى في تموز 2026 تنظيم ملف لاسترداده ومخاطبة مديرية الشرطة العربية والدولية لإعادته إلى العراق.
وكان زهير قد ظهر، قبل موعد محاكمته المقرر في آب 2024، في مقابلة تلفزيونية على قناة الشرقية، دافع خلالها عن نفسه ووجه اتهامات إلى شخصيات سياسية، بينها نائب أصبح لاحقاً وزيراً في حكومة علي الزيدي، بمحاولة ابتزازه مالياً.
أرقام تتضاعف
عندما تفجرت القضية في تشرين الأول 2022، ارتبط اسم "سرقة القرن" بسحب نحو 3.7 تريليونات دينار من حساب الأمانات الضريبية في مصرف الرافدين عبر عشرات الصكوك لمصلحة شركات متورطة في الملف.
لكن تصريح عضو لجنة النزاهة النيابية طالب البيضاني، أكد أن الحجم المالي للقضية قد يكون أكبر بأكثر من الضعف مما عرفه العراقيون طوال السنوات الأربع الماضية.
وقال عضو لجنة النزاهة إن جزءاً من الأموال استُرد بالفعل، فيما لا تزال مبالغ أخرى موجودة خارج العراق وتحتاج إلى تحرك لاستعادتها، داعياً إلى تعاون بين لجنة النزاهة ورئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تعهد في خطابه الأول بعد تسلمه رئاسة الحكومة بمكافحة الفساد وحماية المال العام واستعادة الأموال المسروقة.
ولا يتعلق الخلاف بين الأرقام بحجم السرقة فقط، وإنما بما استعادته الدولة فعلياً، فبين الأرقام المتعلقة بما دفعه نور زهير عن شركتيه، والأموال المستردة من القضية بمجملها، والأرقام الجديدة التي تتحدث عنها لجنة النزاهة، يبقى الجزء الأكبر من الأموال موضوع ملاحقة وتحقيق بعد 4 سنوات من الكشف عن القضية.
ولا يتعلق الخلاف بين الأرقام بحجم السرقة فقط، وإنما بما استعادته الدولة فعلياً، فبين الأرقام المتعلقة بما دفعه نور زهير عن شركتيه، والأموال المستردة من القضية بمجملها، والأرقام الجديدة التي كشفت عنها لجنة النزاهة النيابية، يبقى الجزء الأكبر من الأموال موضوع ملاحقة وتحقيق بعد 4 سنوات من الكشف عن القضية.
وباحتساب مبلغ الـ365 مليار دينار الذي أعاده زهير، وفق بيانات القضاء، قياساً إلى إجمالي الـ8 تريليونات دينار التي كشفت عنها لجنة النزاهة، فإن ما أعاده المتهم الأبرز في القضية لا يتجاوز نحو 4.6% من إجمالي قيمة السرقة، فيما تعادل الأموال المتبقية أكثر من 95%.
أزمة سيولة
تأتي عودة "سرقة القرن" إلى الواجهة في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية تختلف عن الظروف التي كانت قائمة عند الكشف عن القضية عام 2022.
فخلال 2026، واجهت المالية العامة نقصاً في السيولة وضغوطاً متزايدة ناجمة عن اتساع الإنفاق التشغيلي واعتماد الخزينة الكبير على الإيرادات النفطية، فيما أظهرت بيانات تنفيذ الموازنة حتى تموز عجزاً يتجاوز 26 تريليون دينار بين الإيرادات والنفقات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.
وفي هذا السياق، لم تعد التريليونات التي خرجت من حساب الأمانات الضريبية رقماً متعلقاً بقضية فساد قديمة فقط، فالحديث البرلماني عن احتمال وصول القضية إلى 8 تريليونات دينار يأتي في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن موارد وتمويل لتغطية التزاماتها، ما يعيد إلى الواجهة كلفة عدم استعادة الأموال العامة التي خرجت من مؤسسات الدولة في ملفات الفساد.
أبعد من زهير
ولا تقف القضية عند نور زهير وحده، فمجلس القضاء الأعلى أعلن صدور أحكام بالسجن بحق 12 موظفاً في الهيئة العامة للضرائب ممن ثبتت مساعدتهم في عمليات السحب المخالفة للسياقات، إلى جانب ملاحقة متهمين آخرين.
وعند الكشف عن القضية، تحدثت التحقيقات عن شركات وموظفين ومسؤولين وسماسرة ارتبطوا بعمليات سحب أموال الأمانات الضريبية، فيما يرفع تصريح البيضاني الأخير عدد الشخصيات المرتبطة بالملف إلى نحو 30 شخصية.
وهذا الاتساع يجعل اختزال القضية بنور زهير وحده غير كافٍ لفهم ما حدث؛ فخروج تريليونات الدنانير من حساب حكومي عبر سلسلة طويلة من الصكوك والإجراءات احتاج إلى ثغرات وتسهيلات داخل مؤسسات يفترض أنها تمتلك سلسلة من إجراءات التدقيق والرقابة قبل صرف الأموال.
وتأتي هذه التطورات مع انتقال ملف مكافحة الفساد إلى حكومة علي الزيدي، التي وضعت حماية المال العام واسترداد الأموال ضمن تعهداتها، بعد أن جعلت حكومة محمد شياع السوداني الملف نفسه إحدى أولويات برنامجها، وأعلنت في بدايتها استرداد دفعات من أموال "سرقة القرن".
لكن مرور 4 سنوات على القضية يضع معياراً مختلفاً لقياس نتائج مكافحة الفساد؛ فالأحكام القضائية ومذكرات القبض تمثل جزءاً من المساءلة، بينما يبقى استرداد الأموال وملاحقة المحكومين في الخارج وكشف جميع الأطراف التي سهلت خروج الأموال الاختبار الأكثر ارتباطاً بالنتيجة التي ينتظرها المال العام.
كما لا تزال القضية نفسها مفتوحة على مسار قضائي آخر، بعدما تقدم محامي نور زهير بطلب لشمول موكله بتعديل قانون العفو العام مقابل استكمال تسديد الأموال. وأوضح مجلس القضاء الأعلى في تموز الماضي أن المحكمة خاطبت وزارة المالية لمعرفة موقفها من آلية التسديد، لكن الوزارة لم تكن قد أجابت حتى تاريخ صدور التوضيح، ما أبقى طلب العفو معلقاً.
وبين اعتقال نور زهير في مطار بغداد في 24 تشرين الأول 2022، وإطلاق سراحه مقابل استرداد الأموال، ثم مغادرته البلاد والحكم عليه غيابياً، وصولاً إلى الحديث اليوم عن احتمال ارتفاع قيمة القضية إلى 8 تريليونات دينار وارتباط 30 شخصية بها، تبدو "سرقة القرن" بعد أربع سنوات أبعد من أن تكون ملفاً مغلقاً.
بل إن السؤال الذي بدأ عام 2022 بـ"من سرق الأموال؟" أصبح اليوم أكثر اتساعاً: كم بلغت الأموال فعلياً، ومن شارك في إخراجها، وكم استرد العراق منها، وكيف غادر المتهم الأبرز بينما بقي الجزء الأكبر من المال خارج الخزينة؟
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام