بينما تعلن كتائب حزب الله العراقية في العلن تمسكها بالسلاح وعدم التخلي عنه لاعتبارات دينية ومذهبية وعقائدية، تتسرب معلومات تفيد بتقديم الكتائب مطالب للحكومة العراقية من أجل تسليم سلاحها، وهي مطالب تنحصر بمكاسب مادية وسياسية تنحصر بحصولها على مناصب مهمة وحساسة في الدولة العراقية.
خلال الساعات الأخيرة، كشفت صحيفة المدى في تقرير نشرته عن اشتراط فصائل عراقية لم تسمها على بعض المواقع المهمة في الدولة لقاء قبولها بفكرة حصر السلاح بيد الدولة، وأوضحت المدى نقلا عن مصادر في الإطار التنسيقي أن الفصائل المسلحة تستعد للحصول على بعض المناصب ومنها منصب رئيس جهاز المخابرات بعد إقالة حميد الشطري من رئاسته، ومنصب الأمين العام لمجلس الوزراء الذي يشغله حميد الغزي، القريب من التيار الصدري، منذ أكثر من دورتين حكوميتين.
بالتزامن مع ذلك، كشف الإعلامي سلام عادل المعروف بمواقفه المدافعة سابقا عن الفصائل المسلحة ثم انتقل إلى انتقادها مؤخرا، عن موافقة كتائب حزب الله على تسليم سلاحها مقابل حصولها على بعض المناصب.
وقال عادل في لقاء تلفزيوني: إن "الكتائب اشترطت القبول بمشروع حصر السلاح وتسليمه حصولها على مناصب رئاسة جهاز المخابرات، وقيادة قوات حرس الحدود وإدارة المنافذ الحدودية، إلى جانب إدارة مكاتب هيئات الاستثمار في بعض المحافظات الجنوبية".
ولم تصدر لغاية هذه اللحظة عن كتائب حزب الله أي معلومات تؤيد أو تكذب ما تحدث به سلام عادل بخصوص شروطها الجديدة لتسليم السلاح.
وتصدر كتائب حزب الله بين فترة وأخرى بيانات تؤكد فيها رفضها فكرة تسليم سلاحها للدولة جملة وتفصيلا، كما أكدت في بيان لها في تشرين الأول الجاري ردا على بيانات حكومية رسمية تتحدث عن حصر السلاح، أن الكتائب غير معنية بأي جهة تتحدث عن تسليم السلاح وأن ترفض بشكل قاطع هذا الأمر.
وحددت الحكومة العراقية نهاية حزيران العام المقبل، موعدا نهائيا لحصر السلاح بيد الدولة، وهو الموعد الثاني بعد موعد الـ 30 من أيلول الماضي، في حين ما تزال بعض الفصائل ولا سيما حزب الله والنجباء وسيد الشهداء في مقدمة الفصائل التي ترفض التخلي عن سلاحها.
وترتبط كتائب حزب الله والنجباء بشكل مباشر بالحرس الثوري الإيراني، وتعلن قيادات هذين الفصيلين بشكل علني ولائها المطلق لإيران ومرشدها وتلقي الأوامر منه مباشرة على اعتبار أنه مرجعها الديني.
هل تسمح إيران للكتائب التخلي عن السلاح؟
وبخصوص التسريبات والشروط التي وضعتها بعض الفصائل ومنها الكتائب مقابل التخلي عن السلاح، يرى مراقبون للشأن العراقي ومدنون عراقيون أن هذه الشروط تؤكد سعي الفصائل إلى مصلحتها السياسية باعتبار أن غرضها من شعار المقاومة هو الحصول على المكاسب المادية والسياسية والوصول إلى المناصب العليا في الدولة، لكن هذا الرأي لا يتفق معه الباحث السياسي عادل كمال الذي يرى في الشروط بأنها مسربة فعلا من قبل كتائب حزب الله لتكون ذريعة لاستمرار تمسكها بالسلاح على اعتبار أن مطالبها التعجيزية سيتم رفضها من حكومة علي الزيدي.
وقال كمال في حديث لشبكة "الساعة": إن "كتائب حزب الله لن تتخلى عن سلاحها لأن هذا الأمر ليس خيارا بيدها، وإنما قرارا بيد طهران، ومن المستبعد أن تفرط إيران بورقة ضغط في الساحة العراقية بهذه السهولة"، منوها إلى أن "الكتائب من المرجح أن تخرج ببيان في وقت لاحق تنفي فيه صحة التسيربات بشأن وضع شروط للتخلي عن السلاح".
وتوقع كمال أن "تكون المعلومات المسربة بشأن وضع شروط الحصول على جهاز المخابرات وحرس الحدود والمنافذ الحدودية معلومات صحيحة ولكن الهدف منها ليس التخلي عن السلاح لقاء الحصول عليها، وإنما لتكون ذريعة للتمسك بسلاحها لأن الكتائب تدرك جيدا أن الحكومة سترفض هكذا عروض بسبب الضغوطات الأمريكية باعتبار أن هذه المواقع تخضع لرقابة ومتابعة من الجانب الأمريكي".
وأضاف كمال: أن "إيران لا تفرط بسهولة في الساحة العراقية، وتحاول استخدام كتائب حزب الله والنجباء وباقي الجهات الموالية لها في صراعها مع الولايات المتحدة"، مشيرا إلى أن "إيران خسرت الكثير من الفصائل العراقية التي كانت تسير في المشروع الإيراني بعد انخراطها في العمل السياسي وحصولها على المناصب الحكومية، كما حصل مع عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وغيرها من الجماعات التي باتت أكثر قربا لتوجه الدولة العراقية من الخط الإيراني".
وخلص كمال بالقول: إن "كتائب حزب الله والنجباء لا تمتلك قرار التخلي عن سلاحها لصالح الدولة العراقية، لأن القرار بهذا الخصوص بيد الحرس الثوري الإيراني، والأخيرة ما تزال ترى من المبكر التخلي عن الساحة العراقية مقابل بعض المناصب في الدولة رغم أهميتها وحساسيتها، لأن طهران ترى في العراق ساحة تؤدي وظائف أكبر من التي يمكن أن تقدمها لها المناصب المذكروه أعلاه".
ومنذ العام 2018، بدأت القوى السياسية التي تمتلك السلاح تنخرط أكبر في العمل الحكومي والسياسي، وحصلت لقاء تخليها عن مشروع وحدة الساحات الإيرانية مناصب مهمة في الدولة العراقية، وهو النهج الذي سارت عليه حركة بدر بزعامة هادي العامري وحركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، إلى جانب فصائل أخرى تابعة لجهات سياسية فاعلة داخل الإطار التنسيقي.
كيف تتعامل الحكومة مع شروط الفصائل؟
الكاتب والمحلل السياسي عائد الهلالي يؤكد أن اشتراط الفصائل حصولها على بعض المناصب المهمة لقاء التخلي عن السلاح يضع الحكومة العراقية تحت اختبار حقيقي في قدرتها على رفض المحاصصة في المواقع السيادية وتطبيق القانون على الجميع وتقديم مصلحة العراق فوق أي تفاهم أو مكسب سياسي.
وقال الهلالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "على الجميع أن يدرك أن المناصب السيادية ليست غنائم سياسية، وينبغي التعامل مع الأنباء المتداولة بشأن اشتراط بعض الفصائل الحصول على مواقع حساسة، مثل المخابرات والمنافذ الحدودية والاستثمار وحرس الحدود، بحذر مهني؛ فلا يصح تأكيدها بوصفها حقائق نهائية ما لم تصدر بشأنها معلومات موثقة أو مواقف رسمية واضحة، ولكن وجود تقارير عن مفاوضات وضمانات مرتبطة بملف حصر السلاح، وبالمناصب الحكومية، يجعل السؤال مشروعاً ويستحق قراءة جادة".
وأضاف الهلالي: أنه "إذا صحت هذه التسريبات، فإن دلالتها تتجاوز التنافس التقليدي على الحقائب والمواقع، فالمخابرات ترتبط بأمن الدولة ومعلوماتها وقرارها السيادي، والمنافذ الحدودية تمثل مورداً مالياً وممراً للتجارة والرقابة الجمركية، فيما يتصل حرس الحدود بحماية الأراضي ومنع التسلل والتهريب، أما الاستثمار، فيحتاج إلى بيئة قانونية شفافة ومؤسسات مستقلة تضمن تكافؤ الفرص، لا إلى تحويل القرار الاقتصادي إلى مساحة نفوذ حزبي أو فئوي".
وتابع: أن "المشكلة ليست في انتماء المرشح السياسي بحد ذاته، بل في معيار اختياره، ومدى استقلاله، وخضوعه للقانون، وقدرته على أداء واجباته بعيداً عن الإملاءات، فالمواقع الحساسة لا ينبغي أن تكون أثماناً لتسويات سياسية، ولا وسائل لضمان مصالح جهة بعينها؛ لأنها مؤسسات عامة، ومواردها وصلاحياتها ملك للدولة والمواطنين".
وعن تعامل الحكومة مع هكذا اشتراطات أكد الهلالي أنها "يجب أن تبدأ بإعلان معيار واضح للتعيين يقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، وإخضاع المرشحين للتدقيق المهني والرقابي، مع ضمان خضوع الأجهزة الأمنية والاستخبارية لقيادة الدولة والقانون، والفصل بين التفاهم السياسي المشروع وبين منح امتيازات خارج الأطر الدستورية، وتعزيز الرقابة على المنافذ والعقود الاستثمارية، ونشر المعلومات الممكن إعلانها للرأي العام".
واستدرك: أن "الاتهام المسبق أو التصعيد الإعلامي في هذا الملف لا يخدمان الاستقرار؛ فالمطلوب التحقق من التسريبات، وسؤال الجهات المعنية، ومحاسبة أي مسؤول يثبت استغلاله منصبه لمصلحة حزبية أو مالية"، مشددا على أن "الحوار مع القوى السياسية والفصائل ينبغي أن يركز على بناء مؤسسات الدولة، لا على توزيع مراكز النفوذ، لأن هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على إدارة الخلافات دون التفريط باستقلال مؤسساتها أو ثقة الناس".
وختم الهلالي حديثه بالقول: إن "صحة هذه الأنباء لا تُحسم بالتداول، بل بالأدلة، وإذا ثبت وجود شروط من هذا النوع، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة هو قدرتها على رفض المحاصصة في المواقع السيادية، وتطبيق القانون على الجميع، وتقديم مصلحة العراق فوق أي تفاهم أو مكسب سياسي".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام