شهر واحد لإنتهاء المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل دون تحقيق تقدم ملحوظ على الأرض في هذا الملف، فالفصائل لم تسلم سلاحها بعد، وبدأت بوضع الشروط التي توصف بالتعجيزية مقابل القبول بتسليم السلاح ولو شكليا.

آخر ما صدر بهذا الخصوص، بيان كتائب سيد الشهداء التي أعلنت عن شروطها لتنظيم السلاح وليس تسليمه، وفي مقدمة تلك الشروط الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، وانسحاب القوات التركية ومجاميع حزب العمال الكردستاني أيضا، مقابل دخول الجيش العراقي إلى إقليم كردستان وتسلمه حماية الحدود بدل قوات البيشمركة.

وجاء في بيان كتائب سيد الشهداء التي يتزعمها أبو آلاء الولائي: إن "الكتائب تعلن تفاعلها مع توجه تنظيم السلاح لكن بشروط عشرة، أبرزها الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق وإنهاء وجوده تحت اي عنوان، ومنع استخدام الأجواء العراقية منطلقا لاستهداف أي بلد اخر لا سيما بلدان الجوار (في إشارة إلى إيران)، إلى جانب إقرار قانوني الحشد الشعبي واخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من الأراضي العراقية نهائيا، وإخراج الجنود الأتراك المنتشرين في شمال العراق ومسك الحدود العراقية في إقليم كردستان من قبل الجيش العراقي، واعتبار ذلك مهمة حصرية وسيادية للجيش والسيطرة على جميع المنافذ الحدودية وإدارتها من قبل الحكومة الاتحادية، وكذلك إخراج المعارضة الإيرانية من العراق".

وفي وقت سابق، وضعت كتائب حزب الله 3 شروط قبل البحث في فكرة تسليم السلاح، وهي الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، وسحب القوات التركية أيضا، وحل قوات البيشمركة.

وفي قراءة لبيانات الفصائل المسلحة وآخرها بيان كتائب سيد الشهداء،  أكد الباحث والمحلل السياسي غانم العابد أن الكتائب وباقي الفصائل تضع شروطا تعجيزية من أجل التملص من تسليم سلاحها، لأنها مؤمنة بفكرة الإبقاء على سلاحها خلافا لمشروع الحكومة وبغض النظر عن ما سيؤدي هذا التصرف من إلحاق الضرر الاقتصادي والسياسي وربما العسكري بالعراق.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الشروط التي تضعها الفصائل المسلحة مقابل التنازل عن سلاحها هي شروط تعجيزية غير قابلة للتنفيذ والتحقق، وأقل ما يقال عنها أنه تطلق من اجل التهرب من المشروع الحكومي لحصر السلاح"، مشيرا إلى أن "هذه الشروط تبدو من صلاحيات الدول واختصاصها وليس من صلاحية الفصائل والجماعات المسلحة لا سيما ما يتعلق بمصير السلاح وسيادة الدولة عليه، والدخول في التحالفات العسكرية مع باقي الدول، وغيرها من الأمور".

وأضاف العابد: أن "وضع الشروط يشكل جانبا من وضع العراقيل أمام مشروع حصر السلاح في موعده المقرر في 30 أيلول وهو موعد سحب القوات الأمريكية من البلاد"، مبينا أن "تبني الفصائل لهذه الشروط يؤكد بما لا يقبل الشك أنهم يعرضون مستقبل العراق للخطر، فهم يدركون جيدا أن عدم نزع السلاح يعني فرض عقوبات اقتصادية أمريكية على العراق وقطع الدولار عنه، وربما الوصول إلى العزلة الدبلوماسية والسياسية كما حصل في تسعينيات القرن الماضي، كما يدركون أن الأمور قد تتطور ويتعرض العراق لضربات عسكرية بسبب تمسكهم بسلاحهم".

ولفت العابد إلى أن "الولايات المتحدة قدمت الدعم لحكومة علي الزيدي شرط تنفيذ ما عليها من التزامات قطعتها الحكومة نفسها في البرنامج الحكومي،وفي مقدمة تلك التعهدات حصر السلاح بيد الدولة، وذلك يعني أن إخفاق الحكومة في تحقيق برنامجها بحصر السلاح يعني توقف الدعم الأمريكي والدخول بمرحلة تصعيد مقبلة مع واشنطن".

أما في إقليم كردستان، فلم يصدر أي رد على شروط الفصائل المسلحة، لكن الثابت في الإقليم الرفض الرسمي والشعبي لحل قوات البيشمركة على اعتبار أنها جزء من المنظومة العسكرية الدفاعية العراقية، وأنها قوات منصوص عليها في القانون والدستور العراقيين.

وبهذا الصدد، يشير عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة إلى أن "سلطات الإقليم غير معنية بهكذا بيانات وهكذا شروط لأنها عبارة عن ترهات وتفاهات غرضها التصعيد الإعلامي".

وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفصائل المسلحة المعروفة بولائها الخارجي وموقفها في إثارة الفتنة الطائفية بين العراقيين واستهداف العراقيين بالقتل وغيره، لا يحق لها أن تضع الشروط في ملف مهم وحساس كحصر السلاح بيد الدولة، كما لا يحق لها الاشتراط على إقليم كردستان لأنها تدرك أن شروطها تتقاطع مع القانون والدستور النافذين".

وأضاف أن "الحديث عن فرض وجود القوات العراقية في الإقليم، لا مبرر له، لأن الجيش العراقي وقوات حرس الحدود الاتحادية متواجدة أصلا داخل الأقليم وتعمل بشكل دائم مع قوات البيشمركة"، مشددا على أن "الحديث عن حل قوات البيشمركة والذي الشرط الذي تبنته بعض الفصائل المسلحة لا مبرر له أيضا، لأنه يخالف القانون والدستور".

وأضح أن "قوات البيشمركة قوات نظامية نص عليها الدستور والقانون، فضلا عن أنها جزء مهم في المنظومة الدفاعية العراقية وشاركت إلى جانب القوات العراقية في العديد من المعارك ضد تنظيم داعش وتمكنت من تحرير العديد من المناطق في تلك الأثناء"، منوها إلى أن "القيادات الأمنية العراقية صرحت بشكل واضح بأن البيشمركة جزء من القوات العراقية التي نص عليها الدستور، فهي غير مشمولة بمشروع حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما أكد عليه مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي".

وتابع زنكنة: أن "الفصائل تعلم أن هذه الشروط لا تنفذ، كما أنها لن تسمح بتسليم سلاحها أو حل نفسها ولن ترضى بأن تكون جزء من المنظومة الدفاعية الرسمية في العراق"، لافتا إلى أن "هذا الموضوع تأكد بشكل جلي خلال زيارة المسؤولين الإيرانيين إلى العراق مؤخرا، حيث تم فرض إملاءات على الفصائل بشأن الاحتفاظ بسلاحها وعدم القبول بتسليمه".

وعلى صعيد وضع شروط على تركيا لسحب قواتها مقابل قبول الفصائل العراقية بتسليم سلاحها، تؤكد تركيا رفضها لهكذا حديث مخالف للمنطق، إذ تستغرب تركيا قيام جهات مسلحة خارجة على القانون بمحاولة فرض الشروط على الدول بينما هذا الأمر من اختصاص الدولة العراقية والحكومة العراقية.

وعن موقف أنقرة من هذه الدعوات، أكد الباحث والمحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو أن تركيا ترفض بشكل قاطع وضع الشروط عليها من جماعات مسلحة تعتبر جهات مسلحة خارجة على القانون.

وشدد كاتب أوغلوا في حديث لشبكة "الساعة" على أن "تركيا هي الدولة الأولى التي بادرت منذ سنوات بمشروع إنهاء السلاح وخلق منطقة بلا سلاح وبلا إرهاب، وهو ما حققته مع حزب العمال الكردستاني، إذ نجحت في خلق توجه لدى الحزب بالتخلي عن السلاح والدخول في الميدان السياسي والتنافس المشروع ضمن القانون"، مبينا أن "خطوات الحكومة العراقية التي جاءت حاليا لحصر السلاح وتفكيك الفصائل المسلحة جاءت استكمالا للمشروع التركي في إنشاء منطقة إقليمية خالية من الإرهاب والفصائل المسلحة والسلاح".

وأضاف أنه "لا يمكن لأي طرف فرض شروط على تركيا بهذا المجال"، مؤكدا أن "حديث بعض الجماعات المسلحة عن وضع شروط من قبيل سحب القوات التركية من العراق مقابل قبولها بتسليم سلاحها للدولة أمر غير مقبول ومرفوض، لأن هذا الأمر يجب أن يكون عبر طريقين لا ثالث لهما، الأول عبر إنهاء وجود السلاح المنفلت في المنطقة وتفكيك كل الجماعات الإرهابية والفصائل واندامجها بالعمل السياسي، والثاني هو أن يتم هذا الأمر عبر المفاوضات والحوارات بين الدولتين العراقية والتركية وحكومتي تلك الدولتين"، منوها إلى أن "تركيا تؤمن بشكل كامل أن انتهاء وجود الإرهاب والجماعات المسلحة والإرهابية وخلو المنطقة من تلك الجماعات لن يبقي مبررا أو حاجة لبقاء القوات التركية داخل الأراضي العراقية".

وكان ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، أكد خلال اجتماع سابق ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، واعتبر الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج إطار المؤسسات الرسمية خارجة عن القانون ويجب محاربتها وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

وشهد العراق زيارات متكررة لمسؤولين إيرانيين، آخرهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وقبله قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، من أجل الضغط على العراق للتراجع عن خيار حصر السلاح بيد الدولة، والعمل على إيجاد تسوية سياسية بين الدولة والفصائل من شأنها الإبقاء على سلاح الفصائل دون استخدامه في التصعيد الجاري حاليا بين الولايات المتحدة وإيران.

وتعهدت الحكومة العراقية بحصر سلاح الفصائل في تاريخ أقصاه بداية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، كما تبنى القضاء العراقي مشروعا للتعامل مع حملة السلاح بعد هذا التاريخ على أنهم جماعات إرهابية يطبق عليها قانون مكافحة الإرهاب، لكن الخطاب الرسمي للدولة العراقية تراجع في هذا الصدد مع استمرار الضغوط الإيرانية على بغداد ورفضها الصريح لتسليم سلاح أتباعها، وكذلك تمسك الفصائل نفسها بالسلاح خلافا لإرادة الدولة.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد لوحت في مرات سابقة من التعامل مع العراق بطريقة مختلقة في حال لم تنزع أسلحة الفصائل القريبة من إيران، وباتت العقوبات الاقتصادية وحرمان العراق من الدولار وربما توجيه الضربات العسكرية إحدى أدوات الضغط التي تمارسها واشنطن على العراق لتحقيق هذا الهدف.