دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة مرحلة خطيرة وبات مشروع الدولة بهذا الخصوص أقرب إلى الطريق المسدود في ظل المعطيات الحالية، والتي تتمثل بإصرار الفصائل على التمسك بسلاحها ورفض إيران تسليمه للدولة العراقية.

وتكشف التصريحات الأخيرة لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وتحذيراته من حرائق سياسية في البلاد ومخاطر الاصطدام بين الدولة والفصائل عن وصول مشروع حصر السلاح بيد الدولة إلى مرحلة في غاية الصعوبة، إذ تتضمن دعوة غير مباشرة إلى ضرورة تعامل الدولة العراقية مع الواقع الذي تفرضه الفصائل المسلحة بناء على الرغبة الإيرانية.

وحذر المالكي من وجود محاولات لإشعال حرائق سياسية وإرباك المشهد العام في العراق، مشدداً على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة بحكمة وتأنٍ بعيداً عن أساليب التصعيد والمواجهة، ومؤكداً أن الحكومة والإطار التنسيقي لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى أي اقتتال داخلي.

وقال المالكي في تصريحات خلال لقائه مجموعة من المحللين السياسيين: إن "تحول ملف السلاح إلى مواجهة وصِدام بين الدولة والفصائل المسلحة سيكون بالغ الخطورة، وقد يعصف باستقرار البلاد ويفتح الباب أمام تداعيات مجهولة".

وشدد المالكي على أن "أي صراع محتمل لن يكون مقتصراً على الصبغة (الشيعية - الشيعية) لأن شرارة الصدام ستطال بنية الدولة والمجتمع وكافة المكونات دون استثناء".

وعرف المالكي منذ توليه رئاسة الوزراء في العراق لدورتين متتاليتين (2006 – 2014) عن تحذيراته من الحروب الأهلية وعودة حزب البعث إلى السلطة ومخاطر من كان يصفهم بأتباع "يزيد بن معاوية" في إشارة إلى تظاهرات العرب السنة عام 2012، وهو ما كان يصفه مراقبون بأنه محاولة من المالكي لتحذير الوسط الشيعي الشعبي والسياسي من مغبة فقدان القوى الشيعية للسلطة من أجل الحصول على مكسب سياسي يدفع باتجاه بقائه الرقم الأصعب في المعادلة السياسية بالعراق.

إيران المسؤول الأول عن التصعيد

وبشأن التصريحات والتحذيرات التي أدلى بها المالكي، كشف السياسي العراقي نزار حيدر عن معلومات دفعت المالكي للحديث بهذه الطريقة، مؤكدا أنها تعكس فشل الإطار التنسيقي من جهة والرئاسات كافة وقيادات الدولة بإقناع إيران بالسماح بحصر سلاح الفصائل التابعة لها في العراق.

وقال حيدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصريحات المالكي بهذا الصدد بحسب المعلومات الخاصة تعكس وتؤكد فشل الإطار التنسيقي وكذلك القيادات في الدولة وفي مقدمتهم رئاسات الوزراء والقضاء والنواب والجمهورية في إقناع الجارة الشرقية للعراق (إيران) بضرورة وأهمية ووجوب رفع يدها عن الفصائل المسلحة تمهيدا لفسح الطريق أمام الدولة لحصر السلاح بيدها وبالتالي تحقيق مبدأ أن للدولة سلاح واحد فقط دون سلاح رديف آخر".

وأضاف أن "المالكي كان في تصريحه الأخير خائفا ويخشى قول الحقيقة ووضع النقاط على الحروف، فكان كلامه هلاميا بعيدا عن الوضوح والمصارحة للرأي العام والشارع العراقي على اعتبار أنه  أحد أهم الأدوات الإيرانية في العملية السياسية العراقية منذ العام 2003، وبالتالي هو يخشى على موقعه ومكانته السياسية وهو ما دفعه لتجنب الحديث بشكل واضح وصريح عن السبب الحقيقي وراء تلك التصريحات وما وراءها".

وأشار السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة إلى أنه "كان ينتظر أن يتحلى المالكي وباقي قادة الإطار التنسيقي وقيادات الدولة العراقية بقليل من الشجاعة والمسؤولية والوطنية والحرص على الدولة، ويتحدثوا بشكل واضح ويصارحوا الرأي العام بأن طهران هي التي تحول دون تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة".

وشدد حيدر على أن "أي صدام بين الدولة العراقية ومؤسساتها مع الفصائل والجماعات المسلحة فإن السبب المباشر في ذلك الصراع هو إيران وليس أي طرف آخر، لأن طهران ما تزال تصر على احتفاظ الفصائل بسلاحها وألا تتعاون مع الدولة لتنفيذ مبدأ حصر السلاح بيدها، وحمل طهران والقيادات الإيرانية المسؤولية عن أي دماء تراق وتسيل في العراق بعد تاريخ الـ 30 من أيلول بسبب موقفها الرافض لنزع سلاح الفصائل التابعة لها داخل العراق".

حصر السلاح يدخل مرحلة حساسة

من جانبه يرى الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي أن التحذيرات التي أطلقها المالكي تؤكد أن ملف حصر السلاح وصل إلى مرحلة شديدة الحساسية.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصريحات المالكي لا تعني بالضرورة أن الدولة وصلت إلى طريق مسدود، لكنها تكشف أن ملف حصر السلاح دخل مرحلة شديدة الحساسية".

وأضاف أن "التحذير من حرائق سياسية واصطدام الدولة بالفصائل قد يستند إلى تقديرات ومعلومات عن صعوبة تنفيذ القرار الذي تعهدت به الحكومة العراقية ومؤسسات الدولة، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول مهلة 30 أيلول".

وتابع التميمي: أن "للمالكي هدفًا سياسيًا أيضًا في هذه التصريحات، وتتمثل في التحذير من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة من أجل فتح باب التسوية والتدرج بدل فرض القرار بالقوة".

وأشار إلى أنه "لا توجد حتى الآن، أدلة علنية كافية تثبت وجود قرار وشيك بالصدام، لذلك ينبغي التعامل مع تصريحاته باعتبارها إشارة سياسية وتحذيرًا مبكرًا، لا إعلانًا عن معلومات أمنية مؤكدة". 

المالكي وزعامة ملف حصر السلاح

أما الباحث والمحلل السياسي مصطفى القطان فيرى أن المالكي في تصريحاته يسعى لإرسال 3 رسائل، منها تقديم نفسه كشخصية محورية تدير هذا الملف.

وقال القطان في حديث لشبكة "الساعة": إن "الرسالة الأولى تشير إلى التحذير من كلفة حصر السلاح، ولا سيما أنه يحاول ربطها بفكرة الاصطدام المسلح بين الدولة والفصائل، فهو يلفت إلى أن الانتقال من شعار حصر السلاح إلى التطبيق العملي قد يخلق مواجهة سياسية وأمنية، ما يعني أن الرسالة الأولى تركز على ضرورة ترك الدولة للخيار العسكري في التعامل بملف حصر السلاح".

وأضاف أن "الرسالة الثانية تركز على ضرورة تفعيل الحل السياسي مع الفصائل بعد وصول الملف بطريقة التصعيد إلى طريق شبه مسدود".

وأضاف أن "الرسالة الثالثة للمالكي تتمثل بتقديمه كشخصية محورية تقود ملف المفاوضات والحوار مع الفصائل،  باعتباره الأقرب إلى الفصائل والوضع السياسي الداخلي"، مبينا أنه "يحاول أن يكون صاحب الكلمة العليا في ملف حصر السلاح رغم وجود بعض القيادات السياسية التي تحاول تصدر المشهد لتحظى بالقرب من واشنطن وطهران".

وشهد العراق زيارات متكررة لمسؤولين إيرانيين، آخرهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وقبله قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، من أجل الضغط على العراق للتراجع عن خيار حصر السلاح بيد الدولة، والعمل على إيجاد تسوية سياسية بين الدولة والفصائل من شأنها الإبقاء على سلاح الفصائل دون استخدامه في التصعيد الجاري حاليا بين الولايات المتحدة وإيران.

وتعهدت الحكومة العراقية بحصر سلاح الفصائل في تاريخ أقصاه بداية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، كما تبنى القضاء العراقي مشروعا للتعامل مع حملة السلاح بعد هذا التاريخ على أنهم جماعات إرهابية يطبق عليها قانون مكافحة الإرهاب، لكن الخطاب الرسمي للدولة العراقية تراجع في هذا الصدد تراجع مع استمرار الضغوط الإيرانية على بغداد ورفضها الصريح لتسليم سلاح أتباعها، وكذلك تمسك الفصائل نفسها بالسلاح خلافا لإرادة الدولة.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد لوحت في مرات سابقة من التعامل مع العراق بطريقة مختلقة في حال لم تنزع أسلحة الفصائل القريبة من إيران، وباتت العقوبات الاقتصادية وحرمان العراق من الدولار وربما توجيه الضربات العسكرية إحدى أدوات الضغط التي تمارسها واشنطن على العراق لتحقيق هذا الهدف.