في الوقت الذي استبشر فيه سكان ناحية جرف الصخر خيرا بدخول أول لجنة حكومية إلى الناحية لعلها تفضي لعودتهم إلى ديارهم وإنهاء مشكلة ناحيتهم التي امتدت لـ 12 عاما، جاءت الأخبار من الناحية على عكس ما تمنوه، إذ بدأت وسائل إعلام ومنصات بالترويج لأخبار مغلوطة لا أساس لها من الصحة عن ناحية الجرف، فضلا عن شن حملة لاستفزاز أهالي الجرف عبر محاولة شيطنة السكان ووضعهم في خانة الإرهاب وداعميه.

وشهدت جرف الصخر شمالي محافظة بابل، خلال الساعات الأخيرة تفاعلات ميدانية كبيرة، خاصة بعد سماح كتائب حزب الله، التي تسيطر على المنطقة، بدخول وفد أمني حكومي تحت إشرافها، إلى جانب استقدام قنوات فضائية وناشطين مقربين منها، للرد على المعلومات والتقارير بشأن المنطقة وما تحويه من معسكرات ومقرات.

دخول شكلي بإشراف الكتائب

في الأثناء، أكدت مصادر أمنية لصحيفة "العربي الجديد" أن اللجنة الأمنية العليا لم يُسمح لها بالدخول إلى منطقة المنشآت عندما حاولت الاقتراب منها، وطلب منهم الالتزام بمسار السيارات التابعة لحركة كتائب حزب الله التي كانت تتقدم الرتل الحكومي.

وكشفت المصادر ذاتها، أن دخول وسائل إعلام محلية محسوبة على الفصائل، إلى جانب مشاركة محللين وشخصيات مقربة منها، في تغطية الزيارة، جاء في محاولة لإظهار المنطقة أمام الرأي العام على أنها مفتوحة أمام الدولة ووسائل الإعلام، ويمكن الوصول إليها بصورة طبيعية، بينما الواقع مختلف، ويتمثل في عدم قدرة اللجنة الحكومية على الوصول إلى كامل المنطقة.

إعلام الفصائل يغطي صحفياً وضع الجرف

وأثناء دخول الوفد الحكومي للاطلاع على وضع الناحية، دخلت بعض وسائل الإعلام المقربة من الفصائل كقناة العهد التابعة للعصائب والأولى التابعة لبابليون والرابعة التابعة لقيادات في الإطار التنسيقي، إلى جانب الناشطين والمدونين المعروفين بقربهم من الفصائل المسلحة، وشرعوا بنشر أخبار غير صحيحة أبرزها أن الناحية تشهد حياة طبيعية وأن الأهالي متواجدون فيها ويمارسون أعمالهم بكل حرية وسلاسة، كما نُشرت مقاطع مصورة من داخل الجرف تسخر من الدعوات المطالبة بإعادة السكان.

ويثير دخول وسائل إعلام ومدونين مقربين من الفصائل إلى الناحية بالتزامن مع دخول الوفد الحكومي استغراب الكثير من المراقبين، الذين تساءلوا عن سبب اختيار الوسائل الإعلامية التابعة للفصائل دون غيرها من وسائل الإعلام.

وبحسب شهادات لسكان الناحية فإن المقاطع المصورة والمنشورة لم تشمل مناطق الجرف منزوعة السكان، إذ إنها ركزت على مدخل الحي العسكري في قضاء المسيب الذي يبعد نحو 10 كم عن الجرف، كما تؤكد شهادات السكان أن المقاطع المصورة شملت محيط الناحية ولم تستهدف مركز وأحياء الجرف، فضلا عن أن بعض العائلات التي ظهرت في المقاطع ليسوا من سكان الجرف.

استفزاز نازحي جرف الصخر

ويرى ناشطون عراقيون في حديث الناشطين والمدونين المقربين من الفصائل استفزازا صريحا لمشاعر سكان جرف الصخر ولجميع العراقيين المطالبين بحل مشكلة الناحية، واصفين خطابهم بالطائفي الذي يعيد إلى الأذهان طريقة تعامل نظام بشار الأسد وميليشياته مع المناطق التي يدخلونها خلال سنوات الثورة السورية.

الصحفي العراقي عمر الجنابي الذي ينحدر من عشيرة تشكل أغلبية سكانية في ناحية جرف الصخر، أكد أن ما ظهر في وسائل الإعلام التابعة للفصائل وصفحات المدونين والناشطين التابعين لتلك الفصائل أيضا يشكل استفزازا طائفيا لأهالي الجرف، ويستهدف شيطنة النازحين المهجرين قسرا وعدم إعادتهم، وفيما وصف خطابهم من داخل الجرف بالأكاذيب والإساءات الطائفية المخزية، حمل هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية المسؤولية عن انتشار ذلك الخطاب المسيء وعدم محاسبة المسؤولين عنه.

وقال الجنابي في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات التي طرحها وحاول ترويجها إعلام الفصائل المسلحة وناشطيهم عن الجرف مجرد أكاذيب لا أساس لها من الصحة"، مبينا أن "المقاطع المصورة كانت في محيط الجرف ومداخها فقط"، وأشار إلى أن "الغرض منها إظهار الجرف وكأن الحياة فيه طبيعية وأن كل من يريد الدخول إليها مسموح له بذلك، وهي مجرد أكاذيب"، حسب وصفه.

وأضاف أن "المقاطع المنشورة حملت إساءة طائفية مخزية لأهالي الجرف، كما أساءت لجميع المطالبين بحق عودة المهجرين قسرا"، معربا عن "استغرابه من سماح هيئة الإعلام والاتصالات بنشر هذا الخطاب وعدم محاسبة القائمين عليه".

وشدد الجنابي على ضرورة محاسبة الإعلام الطائفي الداعم للفصائل المسلحة، حسب تعبيره، واستنكر قيام هيئة الإعلام والاتصالات بمحاسبة القنوات الفضائية التي نقلت الحقيقة عن جرف الصخر ونقلت معاناة نازحيها ومطالبهم بالعودة، بينما لم تجرؤ على محاسبة القنوات التي تنقل الإساءات المتكررة لأهالي جرف الصخر وتحاول شيطنتهم واتهامهم بالإرهاب، إلى جانب الإساءة لمعتقدهم الديني، داعيا إلى "إنهاء حالة تواطؤ هيئة الإعلام والاتصالات مع قوى السلاح التي تسيء للدولة وتهددها وتهدد باغتيال رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء بينما تحظى تلك القوى ووسائلها الإعلامية بدعم هيئة الإعلام والاتصالات".

استهداف ممنهج

من جهته، وضع الكاتب والصحفي عثمان المختار ما يجري من حملات إعلامية تستهدف نازحي جرف الصخر وتنقل الأخبار الخاطئة عن وضع الناحية، وضعها في خانة الاستهداف الممنهج  والمدروس والمخطط له من قبل الفصائل الموالية لإيران في العراق.

وقال المختار في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما جرى خلال اليومين الأخيرين وما سبقه من استهداف لنازحي جرف الصخر وغيرها من المناطق منزوعة السكان كعزيز بلد والعوجة ويثرب والعويسات وغيرها، يمثل استفزازا واستهدافا ممنهجا من إعلام الفصائل لشريحة النازحين".

وأضاف أن "الترويج الإعلامي الطائفي لهذه الجهات المسلحة يهدف منه إلى سحب ملف استحقاق حصر السلاح وإنهاء نفوذ الفصائل من كونه ملفا قانونيا ووطنيا وسياديا إلى مناكفة طائفية وسياسية"، مؤكدا على "ضرورة عدم الانجرار وراء هذا الخطاب الطائفي التصعيدي، مع ضرورة الاستمرار في التركيز على الجانب الإنساني للنازحين من جرف الصخر وباقي المناطق ومواصلة الدعوات الرامية لإنصافهم وإعادتهم وإعادة حقوقهم".

معاقبة وسائل إعلامية

وأصدرت هيئة الإعلام والاتصالات على مدار اليومين الماضيين، سلسلة قرارات تقضي بمنع ظهور الكثير من الشخصيات عبر الإعلام وتوقيف برامج سياسية وفرض عقوبات على قنوات فضائية.

وبحسب هيئة الإعلام والاتصالات فإن إجراءاتها العقابية جاءت بسبب انتهاك معايير العمل الصحفي، والترويج لخطاب التحريض والطائفية والإساءة، بينما ترى القنوات والبرامج المعاقبة أن تلك القرارات تعسفية وغير عادلة وجاءت لتستهدف كل الأصوات التي تطالب بحصر السلاح بيد الدولة وتدعو لحل مشكلة الجرف وإنهاء نفوذ الفصائل وحصر سلاحها.

وفي وقت سابق، أعلن تحالف يضم مجموعة من القنوات الفضائية العراقية مقاطعة هيئة الإعلام والاتصالات وتيار الحكمة الوطني ورئيسه عمار الحكيم، احتجاجاً على ما وصفه بالإجراءات التعسفية والقرارات الإدارية التي استهدفت عدداً من القنوات والبرامج ومقدميها.

وقال التحالف: إن "الخطوة تمثل موقفاً احتجاجياً جماعياً ضد قرارات تجاوزت حدود التنظيم المهني لتمس حرية الإعلام واستقلاليته وتفتح الباب أمام تقييد الرأي والتعبير".

وتضمنت قرارات التحالف المقاطعة الشاملة لأخبار ونشاطات هيئة الإعلام والاتصالات وتيار الحكمة، بالإضافة إلى الامتناع عن استضافة قيادات التيار أو تغطية أنشطته البرامجية والتصريحية، مع المطالبة بوضع معايير واضحة وموحدة تكفل حماية العمل الصحفي.

وناشد التحالف رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان للتدخل الدستوري والقانوني بهدف مراجعة تلك الإجراءات وتصويب أي قرار يتعارض مع حرية الصحافة، مؤكداً استمرار المقاطعة حتى اعتماد أطر تنظيمية شفافة تصون كرامة المؤسسات الإعلامية العاملة.