يزداد ملف السلاح في العراق تعقيدا مع تمسك الفصائل به ورفضها تسليمه للدولة والانخراط في مشروع الحكومة القاضي بنزعه في مدة أقصاها الـ 30 من أيلول المقبل.
وأعلنت فصائل عراقية عدة أبرزها النجباء وحزب الله رفضها تسليم أسلحتها، لكن التطور البارز في رفض تسليم السلاح جاء على لسان رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي أبو فدك المحمداوي والقيادي في كتائب حزب الله، الذي أعلن بوضوح عدم تسليم السلاح بقوله "أكو زلمة يكدر يأخذ سلاحنا"، إذ جاء تصريح المحمداوي ليعكس بشكل مباشر عدم تبعية الحشد للدولة ومنظومتها العسكرية والقائد العام للقوات المسلحة، ويؤكد تبعيتها للفصائل التي تنخرط بالحرب إلى جانب إيران وتحاول زج العراق به بطريقة أو أخرى، في حين أن المحمداوي يفترض أن يكون جزءًا من مشروع الدولة والحكومة خاصة وأنه يشغل منصبا أمنيا رفيعا في الدولة العراقية.
وبحسب إعلان الفصائل والجهات القريبة منها، وبحسب أغلب المحللين والمتابعين للشأن العراقي، فإن الفصائل العراقية لن تسلم سلاحها، وسترفض التخلي عنه ولو شكليا.
وتحاول الفصائل ومن في فلكها الترويج لأفكار عقائدية ومذهبية وربطها بسلاحها، إذ تطرح سلاح الفصائل على أنه سلاح للمقاومة والدفاع عن المسلمين الشيعة في العالم، وأنه سلاح يدافع ويضمن بقاء الحاكمية الشيعية في العراق والمنطقة، وآخر ما تم طرحه في هذا المجال ما قدمه النائب السابق والمقرب من قوى الإطار والفصائل إياد جمال الدين الذي عد تسليم سلاح الفصائل الشيعية بأنه يمهد لتسليم رجال الشيعة في العراق للذبح ونسائهم للسبي وأموالهم للنهب والسرقة.
ويضع تمسك الفصائل العراقية بسلاحها العراق أمام سيناريوهات محدود، فإما القبول في نهاية المطاف بالتخلي عن السلاح وتجنب التصعيد مع الجانب الأمريكي وهو الخيار المستبعد، وإما الإصرار على الرفض والذي سيقود العراق إلى صراع بين الدولة والفصائل أو تصعيد غير مسبوق منذ 2003 مع واشنطن، أو دخول البلاد في فوضى كبيرة وأزمة سياسية في حال تقديم رئيس الوزراء علي الزيدي استقالته من المنصب، وهي الورقة التي بات يلوح بها بسبب المشكلة التي خلقتها الفصائل برفضها تسليم سلاحها، والسيناريو الأخير كشفت عنه وسائل إعلام عربية نقلا عن مصادر حكومية أكدت أن الزيدي قد يستقيل بسبب العجز عن معالجة العديد من الملفات وأبرزها موضوع حصر السلاح بيد الدولة.
وفي هذا الصدد، استبعد الباحث والمحلل السياسي ياسين عزيز تسليم الفصائل العراقية لسلاحها خلال الفترة المقبلة، وتوقع أن تتجه الأمور إما إلى سيناريو المواجهة بين الدولة والفصائل وهو ما تعجز الدولة العراقية عنه، أو البقاء على الوضع الحالي لنفوذ السلاح وهيمنته وانتظار مصير النظام الإيراني الذي يرتبط ويرتهن بوجوده وبقائه السلاح المنفلت في العراق.
وقال عزيز في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفصائل المسلحة لديها أجندة خاصة وتوجيهاتها لا علاقة لها بتطورات الوضع في العراق أو أية خطط للحكومة الاتحادية، فهي تنفذ أجندة خارجية و تستلم أوامرها من هذه الأجندة"، وبين أنه "لا اعتبار لتاريخ 30 أيلول عند هذه الفصائل بل هي أمنيات تمني الحكومة نفسها بأن ذلك التاريخ سيكون آخر مهلة لنزع سلاح الفصائل"، لافتا إلى "خطاب هذه الفصائل لا يتلاءم أبدا مع توجهات حكومة الزيدي في اتجاه إيجاد مساحة مقبولة لتنفيذ أهم بند في المنهاج الحكومي للحكومة وهو حصر السلاح بيد الدولة".
وأضاف عزيز: أن "خيارات الزيدي محدودة جدا في حال أصرت الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها، فإما الدخول في مواجهة عسكرية لفرض احترام الدولة و هو أمر لا أجد الزيدي مستعدا له، أو البحث عن بدائل أخرى غير منطقية ستؤدي جميعها إلى بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة كما هو الوضع حاليا".
وشدد على أن "بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة يهدد الدولة العراقية في كل لحظة و هو ما نراه يوميا من احراج للدولة و استخدام ذلك السلاح لعمليات داخل العراق و خارجه"، منوها إلى أن "هذا السلاح مرتبط بأجندة إيرانية ومستقبله أيضا مرهون بالنظام السياسي الحالي في ايران".
وختم عزيز حديثه بالقول: إن "الزيدي الآن عاجز عن إدارة ملفات كثيرة في الحكومة رغم الدعم الداخلي و الخارجي لا سيما الدعم الأمريكي الذي لن يكون مفتوحا إلى ما لا نهاية، لذا إما يتصرف بحزم وبصورة حاسمة لإنهاء ملفات معقدة مثل السلاح خارج سيطرة الدولة و الفساد ومعالجة الأزمة المالية أو اللجوء إلى الانسحاب وتقديم استقالته من المنصب".
أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي فتوقع أن يواجه العراق في حال رفضت الفصائل تسليم سلاحها، سيناريو التعرض للاستهدافات الخارجية وخاصة الأمريكية وبمختلف أشكال الاستهدافات العسكرية أو المالية أو الاقتصادية.
وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الزيدي يسعى في ملف حصر السلاح إلى الوصول إلى السلام المشرف القائم على أساس المفاوضات الهادئة والتي تؤدي إلى عودة السلاح ومقاتلي الحشد والفصائل إلى منظومة الدولة وتحت سلطتها وقيادة القائد العام للقوات المسلحة، وهو الخيار الذي يجنب الدولة الدخول في صراع مع الفصائل المسلحة".
وأضاف الفيلي: أن "رفض الفصائل لتسليم السلاح قبل المدة المحددة في الـ 30 من أيلول سيجعلها في ميزان القانون والدولة والحكومة قوات خارجة على القانون والسلطة، وهو ما يؤدي إلى فتح الباب أمام جميع أنواع الاستهدافات الأجنبية العسكرية ولا سيما الأمريكية ثم الإسرائيلية أو العقوبات الاقتصادية، وسيؤدي إلى غلق الباب أمام الحكومة للدفاع عنهم باعتبارهم قوات خارجة على القانون".
أما خيار استقالة الزيدي، فاستبعد الفيلي اللجوء إليها، على اعتبار أن الراغبين لهذه الخطوة هي جهات متنفذة في السياسة العراقية منذ عقدين، وستحاول استغلال هذا الأمر في خلق حالة من الفوضى للتغطية على الكثير من الملفات التي تورطوا فيها.
ويأتي رفض الفصائل لتسليم السلاح منذ إعلان الحكومة البدء بهذا المشروع قبل نحو 3 أشهر، واستغلت تلك الفصائل حادثة القصف الأمريكي – السعودي على مواقعها ومواقع الحشد الشعبي فجر الأربعاء الماضي والتي شملت 7 محافظات عراقية، لتشدد على تمسكها بالسلاح، ولتعلن كما أعلنت سابقا خيار الحرب ضد السعودية والولايات المتحدة إذا لم ترد الحكومة العراقية على تلك الضربات، إذ أمهلت ما تعرف بالمقاومة الإسلامية الحكومة لغاية الـ 7 من آب المقبل للرد على القصف الأمريكي والسعودي وإلا ستقوم هي بالرد على الهجمات.
وترى الفصائل العراقية وكذلك الحكومة في بغداد القصف بأنه عدوان على العراق، لكن السعودية تراه دفاعا عن النفس وجاء بعد تعرضها لـ 30 هجوما بالصواريخ والطائرات المسيرة انطلاقا من العراق ونفذته الفصائل المسلحة العراقية التابعة لإيران، كما أنه جاء بحسب الرياض بعد طلبات عديدة قدمتها السعودية للعراق بضرورة ضبط الفصائل وسلاحها الذي تستهدف به الأراضي والمصالح السعودية.
وخلف القصف الأمريكي – السعودي على العراق نحو 30 قتيلا من عناصر الحشد الشعبي من الذين ينتمون إلى ألوية تابعة للفصائل المسلحة، إلى جانب 5 من الحرس الثوري بينهم ضابط برتبة كبيرة، فيما تشير المعلومات إلى أن القصف تسبب أيضا بمقتل قيادي كبير من جماعة الحوثي.
وعقب القصف الأخير الذي استهدف مقرات الحشد الشعبي، توعدت العديد من الفصائل المسلحة بالرد العسكري، ومنها حركة النجباء، كما توعد زعيم حركة بدر هادي العامري بالرد على الهجمات والثأر لقتلى القصف.
وعلى الرغم من أن القصف الأمريكي – السعودي الذي استهدف مواقع الفصائل العراقية أدى إلى استنفار العديد من الفصائل واستعدادها للرد، إلا أنه قد يمنح الحكومة العراقية زخما إضافيا للمضي في هذا الملف بدعم أمريكي أكبر من الدعم الحالي، خاصة مع تزايد القناعة الداخلية والخارجية بأن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار والسيادة في العراق.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام