صورة الخبر

16:54:17 2025-10-29 : اخر تحديث

10:27:49 2025-10-29 : نشر في

بين واشنطن وطهران.. هل بدأ العراق فكّ ارتباطه بالغاز الإيراني؟

حجم الخط

أنس السالم - شبكة الساعة

وقع العراق عقداً استراتيجياً مع شركة "إكسيليريت إنرجي" الأمريكية لتنفيذ مشروع المنصة العائمة للغاز الطبيعي في محافظة البصرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز إنتاج الطاقة الكهربائية وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء في البلاد.

وأشرف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على مراسم التوقيع بين وزارة النفط والشركة الأميركية، مؤكداً أن المشروع يمثل تحولاً نوعياً في سياسة العراق الطاقوية، عبر تنويع مصادر استيراد الغاز وتقليل الاعتماد على الإمدادات الإيرانية.

وستقوم الشركة الأمريكية بتزويد العراق بوحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويله إلى غاز جاهز للاستخدام في محطات توليد الكهرباء، ما يتيح لبغداد الاستيراد من الأسواق العالمية بشروط أكثر مرونة وتنافسية.

ويأتي هذا المشروع ضمن الاستراتيجية الحكومية لتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة وتحسين كفاءة منظومة الكهرباء الوطنية، إذ يُتوقع أن يساهم في خفض الكلفة التشغيلية وزيادة استقرار الإمدادات، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية.

 

تقليل الاعتماد على إيران

أوضح الأكاديمي والمحاضر في مجال بحوث الإنتاج والعمليات، سامي عبيد، خلال مقابلة مع شبكة "الساعة"، أن "العراق وقع اتفاقية بشأن منصة عائمة للغاز الطبيعي مع شركة اكسيليريت انيرجي ومقرها في الولايات المتحدة الأمريكية، وبموجب هذه الاتفاقية ستزود الشركة الأمريكية شركة النفط العراقية (اينوك) بأول وحدة عائمة قادرة على استقبال وتخزين وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى حالة غاز، وبطاقة استيعابية تبلغ 15 مليون قدم مكعب يوميا لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد".

وتابع أن "المحطة ستقام في ميناء خور الزبير على الخليج العربي، وسيتم نقل الغاز عبر الأنابيب لدمجه في شركة الكهرباء العراقي"، مبيناً أن "الغرض من توقيع الاتفاقية لتجهيز الغاز الطبيعي لمحطات الطاقة الكهربائية ودعم توليد الطاقة بتنويع مصادر الغاز، والضغط على العراق للحد من علاقاته مع إيران في مجال الطاقة واستراد الغاز الإيراني".

وبين أن "العراق يستورد بحدود 20 – 50 مليون متر مكعب من الغاز يوميا نحو ثلثي احتياجات العراق لتوليد الطاقة الكهربائية، لكن هذه الإمدادات تتقلص باستمرار بسبب ارتفاع الاستهلاك في داخل ايران أو بسبب العقوبات الأمريكية عليها، مما يجعل الحكومة العراقية عرضة لضغوط مزدوجة من واشنطن وطهران"، مؤكداً ضرورة أن "تقوم الحكومة العراقية بتصنيع الغاز محليا عبر تفعيل الشراكة بين شركة شل وغاز البصرة".

وشدد عبيد على أهمية "تغليب المصالح الوطنية على الصرعات السياسية والنظر إلى الفوائد التي سيجينها العراق من هذه الاتفاقية وأهما حل معضلة أزمة الكهرباء مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلد وبوقت قياسي وكلفة أقل مقارنة بالوضع الحالي".

وتابع أن "الاتفاق مع الشركات الأمريكية العملاقة يجلب التكنولوجيا المتطورة لقطاع الطاقة وتوفير التدريب والتأهيل للكوادر الإدارية والفنية في شركات النفط الوطنية".

وبشأن استيراد الغاز التركمانستاني، ذكر عبيد، أن "إحدى الحلول المطروحة أمام الحكومة العراقية لحل أزمة الكهرباء استيراد الغاز بحدود 5 مليارات سنويا من تركمانستان وبتسهيلات من شركة الغاز الوطنية الإيرانية"، موضحاً أن "إيران لن تتلقى أي أموال لكن حصولها على كمية من الغاز لتلبية احتياجاتها وبما لا تتجاوز 23% من الكمية المصدرة من تركمانستان يوميا"، لافتاً إلى أن "العراق وافق على السماح لجهة رقابية دولية بمثابة طرف ثالث لمتابعة مدى امتثال الاتفاق للقواعد الأمريكية ومكافحة غسيل الأموال".

وزاد أنه "رغم تلك الجهود أطاحت الاعتراضات الامريكية الاتفاق واعتبرته انتهاكا للعقوبات الدولية على إيران وسيكون هناك نوعا من العقوبات على البنوك والمؤسسات المالية العراقية فتم توقف العقد في الوقت الحالي".

ولفت إلى أن "الحكومة العراقية وضعت جدولاً زمنياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بحلول عام 2028"، مبيناً أن "العراق حقق بالفعل الاكتفاء من انتاج الغاز عالي الاوكتان ويسير باتجاه تحقيق الهدف ذاته في مجال الغاز، وأن الأمر يتعلق بجديه الحكومة العراقية وإرادتها الوطنية نحو تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة".

 

تخبط بإدارة ملف الغاز

قال الخبير الاقتصادي، دريد العنزي، إن "توقيع عقد إنشاء المنصة العائمة للغاز الطبيعي مع شركة "إكسيليريت" الأمريكية أثار العديد من التساؤلات في الأوساط الاقتصادية"، مشيراً إلى أن "المشروع كان معلناً منذ فترة طويلة، لكنه لم يشهد عروضاً أو منافسة واضحة قبل أن يُحال بشكل مباشر إلى الشركة الأمريكية وبطريقة غير معتادة".

وأوضح أن "ما يثير الاستغراب هو إشراف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني شخصياً على مراسم التوقيع، رغم أن وزير النفط هو الجهة المختصة بالتعاقدات الفنية، ما يشير إلى وجود أبعاد سياسية تتجاوز الجانب الفني في هذا الاتفاق".

وبيّن أن "الهدف المعلن من المشروع هو استيراد الغاز لتوليد الكهرباء، لكن العراق يمتلك كميات هائلة من الغاز المصاحب تُحرق يومياً دون استثمار حقيقي"، متسائلاً: "لماذا نتجه إلى استيراد الغاز في حين يمكننا معالجة الغاز المحلي وتحويله إلى طاقة تغطي احتياجات البلاد؟".

وأضاف العنزي أن "العديد من مشاريع تطوير الغاز مثل حقول عكاز والمنصورية ما زالت متوقفة، رغم مرور سنوات على إعلان جولات التراخيص الخامسة، ما يعكس ضعف التخطيط والإدارة في ملف الطاقة"، لافتاً إلى أن "العراق يصدر النفط الخام في الوقت الذي يستورد الغاز المسال، وهي مفارقة اقتصادية خطيرة تدل على غياب الرؤية الاستراتيجية".

وأشار إلى أن "العقد الأمريكي قد يواجه إشكالات فنية وقانونية، منها عدم وضوح موقع المنصة، وعدم توفر البنية التحتية الكاملة من خزانات وأنابيب وخدمات لوجستية"، متسائلا عن "الضمانات القانونية في حال حدوث ظروف طارئة أو سياسية تؤدي إلى توقف المشروع، خصوصاً أن بعض المسارات تمر عبر إيران الخاضعة للعقوبات".

ولفت إلى أن "العقد جرى في ظل تكتيم إعلامي وعدم شفافية، ما يثير الشكوك حول تفاصيله وجدواه الاقتصادية"، مضيفاً أن "الحكومة لو استثمرت خلال السنوات الثلاث الماضية في مشاريع استثمار الغاز المحلي، لكانت البلاد اليوم في غنى عن أي استيراد".

واختتم الخبير الاقتصادي حديثه بالقول: إن "ما يجري حالياً يعكس ضغوطات خارجية تفوق الاعتبارات الفنية والاقتصادية، وهو ما يجعل العراق أمام تحدٍّ كبير في إدارة ملف الطاقة بين المصالح الأمريكية والإيرانية من جهة، ومتطلبات الأمن الاقتصادي الوطني من جهة أخرى".

 

انفتاح تجاه واشنطن

يرى الكاتب والصحفي الاستقصائي، صلاح حسن بابان، خلال في حديثه لشبكة "الساعة"، أن "توقيع وزارة النفط العراقية عقداً مع شركة (إكسيليريت) الأمريكية لتنفيذ مشروع المنصة العائمة للغاز الطبيعي في محافظة البصرة، يعكس سعي الحكومة العراقية، ولا سيما القوى السياسية في البيت الشيعي، إلى تخفيف الضغوط الأمريكية عبر جذب استثمارات أمريكية جديدة إلى البلاد".

وأضاف أن "هذه الخطوة تمثل رسالة حسن نية من بغداد تجاه واشنطن، تمهيداً لفتح صفحة جديدة أكثر مرونة وتوازناً بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية الشهر المقبل، والتي تضع العراق أمام خيارات سياسية واقتصادية معقدة".

وأشار إلى أن "الولايات المتحدة بدأت تشعر بتراجع نفوذها في العراق لصالح إيران، التي باتت تمتلك تأثيراً واسعاً في الملفين السياسي والاقتصادي، ما دفع واشنطن إلى محاولة استعادة دورها الاستثماري في قطاع الطاقة العراقي، خصوصاً في ظل مساعيها لتشديد الحصار الاقتصادي على طهران".

وأوضح أن "الولايات المتحدة تسعى عبر هذا المشروع إلى تقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني، ودفعه نحو الاعتماد على الشركات الأمريكية في توليد الكهرباء، على غرار ما تقوم به حكومة إقليم كردستان التي توفر الطاقة على مدار اليوم اعتماداً على الغاز المحلي".

وبيّن بابان، أن "ملامح الاتفاق المبرم مع الجانب الأمريكي قد تتضح بشكل أكبر بعد الانتخابات المقبلة"، مؤكداً أن "إيران لن تسمح بسهولة بخسارة السوق العراقية، لما تمثله من عوائد مالية ضخمة وهيمنة اقتصادية مستمرة".

واختتم الباحث بالشأن الاقتصادي حديثه بالقول: إن "العراق يواجه اختباراً صعباً في المرحلة المقبلة، يتمثل في كيفية الموازنة بين واشنطن وطهران في ملف الغاز والطاقة، دون أن يتسبب ذلك في توتر سياسي مع أي من الطرفين".

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك