الرأي

ماذا يقول انهيار الدينار عن الدولة العراقية؟

أسماء الكبيسي

كاتبة صحفية

حجم الخط

ليس أصعب ما في أن يصبح الدولار بـ1520 ديناراً أن المواطن سيحتاج إلى دنانير أكثر لشراء الدولار، الأصعب أن هذا الرقم يقول شيئاً عن الدولة التي تقف خلفه.

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، استيقظ العراقيون على سعر جديد للدولار (1520 ديناراً) بدلاً من 1320، لم يكن الأمر مجرد حركة في سوق الصرف، بل أول تعديل رسمي لسعر الدينار منذ أكثر من 3 سنوات، وبنسبة رفع لسعر الدولار بلغت نحو 15.2%.

جاء القرار في وقت تواجهه البلاد صدمة في أهم مصدر لإيراداتها وهو النفط، فقد تراجعت صادرات الخام العراقية بصورة حادة خلال الأشهر الماضية بسبب اضطرابات التصدير المرتبطة بالحرب في المنطقة، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى موازنة لعام 2027 تتجاوز نفقاتها 217 تريليون دينار، بعجز يزيد على 40 تريليوناً، وفق مسودة الموازنة.

لكن المفارقة أن البنك المركزي العراقي يقول إن احتياطيات البلاد الأجنبية "كافية وقوية" وإنها تتيح تلبية طلبات تمويل التجارة والتحويلات والبيع النقدي للمسافرين دون قيود.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا احتاج الدينار إلى أن يصبح أرخص؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ليست حكاية دولار

يمكن النظر إلى القرار باعتباره إجراءً نقدياً لمواجهة ظرف استثنائي وهو ما تواجهه الإيرادات النفطية من ضغط، وموازنة تحتاج إلى تمويل، ودولة تعتمد بصورة واسعة على الدولار الذي يأتيها من بيع النفط، لكن هناك وجهاً آخر للقرار.

الدولة العراقية تحصل على معظم إيراداتها النفطية بالدولار، بينما تنفق جزءاً كبيراً من التزاماتها بالدينار، وعندما يرتفع سعر الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً، فإن الدولار النفطي الواحد يتحول إلى عدد أكبر من الدنانير، حتى لو لم تتغير قيمة الإيراد بالدولار، وهذه ليست ملاحظة هامشية، بل إنها قلب المعادلة.

فالعملة هنا لا تستخدم فقط كأداة لحماية الاستقرار النقدي، وإنما تصبح أيضاً جزءاً من إدارة الاختناق المالي، وفي الجهة المقابلة من المعادلة يقف المواطن والمستورد.

تحصل الدولة على دنانير أكثر مقابل الدولار، لكن المستورد يحتاج إلى دنانير أكثر للحصول على الدولار نفسه، وبين الطرفين يقف اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، لهذا فإن ما يبدو في كتب الاقتصاد كـ"تعديل لسعر الصرف" يمكن أن يتحول في السوق إلى إعادة توزيع للكلفة، والسؤال يصبح: من يدفع ثمن هذه المعادلة؟

الاقتصاد الريعي

قد تكون هذه هي اللحظة المناسبة لطرح السؤال الذي تأخر طويلاً، ماذا يعني أن تكون دولة غنية بالنفط، لكنها شديدة الحساسية لأي اضطراب يصيب تصدير النفط؟

العراق لا يفتقر إلى الموارد، لكنه يفتقر إلى التنوع الاقتصادي الذي يجعل اقتصاده أقل تعرضاً للصدمات النفطية.

فالنفط ما زال يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة وصادراتها، ولذلك لا تبقى الصدمة النفطية داخل قطاع الطاقة، إنها تنتقل إلى الموازنة، ثم إلى الإنفاق العام، ثم إلى السيولة، ثم إلى سوق الصرف.

وهكذا يصبح برميل النفط، بصورة غير مباشرة، حاضراً في راتب الموظف، وفي قدرة الدولة على الإنفاق، وفي سعر السلعة المستوردة، وفي قيمة الدينار، وهذه ليست مجرد تبعية لقطاع اقتصادي، إنها تبعية مالية.

وحين تصبح المالية العامة شديدة الارتباط بمصدر واحد للإيرادات، فإن أي اضطراب في ذلك المصدر يتحول إلى اختبار للدولة بأكملها.

إذا كان العراق يحتاج إلى تغيير سعر الصرف كلما تعرضت إيراداته النفطية لضغط، فهل المشكلة في سعر الصرف أصلاً؟ أم أن سعر الصرف أصبح المكان الذي تظهر فيه مشكلة أكبر؟

تقترح مسودة موازنة 2027 إنفاقاً يبلغ نحو 217 تريليون دينار، مقابل عجز يتجاوز 40 تريليوناً، على أساس سعر نفط مفترض عند 58 دولاراً للبرميل، وهذه الأرقام لا تقول إن العراق فقير، بل تقول شيئاً مختلفاً وأكثر أهمية، إن حجم الدولة ونفقاتها أصبحا بحاجة إلى مورد لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليه، إذ إن سعر النفط تحدده الأسواق العالمية، وطرق التصدير يمكن أن تتعطل بفعل حرب لا تبدأها بغداد، والطلب العالمي يمكن أن يتراجع، والأسعار يمكن أن تهبط، لكن الرواتب والنفقات والالتزامات الحكومية لا تختفي عندما ينخفض سعر النفط.

وهنا تظهر مشكلة الاقتصاد الريعي في أكثر صورها وضوحاً، الدولة تستطيع أن توسع الإنفاق عندما تكون الإيرادات وفيرة، لكنها تجد نفسها أمام خيارات أصعب عندما تنكمش تلك الإيرادات.

الدينار يدفع ثمن الموازنة

من السهل أن نتعامل مع سعر الصرف كأنه رقم مستقل عن بقية الاقتصاد، لكنه ليس كذلك.

الدينار هو في نهاية المطاف أحد الأماكن التي تترجم فيها اختلالات المالية العامة، والمفارقة أن العراق لا يدخل هذه التجربة للمرة الأولى.

عندما خفّض البنك المركزي قيمة الدينار في 2020، كان أحد الأسباب المعلنة آنذاك هو الأزمة المالية الناتجة عن انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا، والحاجة إلى تمويل الموازنة وحماية الاحتياطيات الأجنبية.

كما حذّر البنك نفسه من أن تغيير سعر الصرف سيؤثر بصورة مباشرة في الفئات الهشة.

وفي ورقة اقتصادية منشورة على موقع البنك المركزي، حذّر البنك من أن تخفيض قيمة العملة في العراق، في ظل ضعف المؤسساتية، والاعتماد على المدخلات المستوردة يمكن أن يقود إلى ضغوط تضخمية وانكماشية، وأن آثار التخفيض قد تكون "سلبية ومضاعفة" في قطاعات عدة.

وبعد 6 سنوات، تعود الفكرة نفسها في ظرف مختلف، وهنا لا يتعلق الأمر بما إذا كان القرار صحيحاً أو خاطئاً فقط، بل لماذا تتكرر الحاجة إلى تحميل سعر الصرف جزءاً من مهمة معالجة اختلالات المالية العامة؟

في البيانات الرسمية، هناك أرقام عن الاحتياطيات، وسعر الشراء، وسعر البيع، وحجم الإنفاق، والعجز، أما في السوق، فهناك شيء آخر، هناك راتب، وفاتورة، وسلعة مستوردة، وطالب يحتاج إلى رسوم دراسية، ومريض يحتاج إلى دواء، وعائلة تريد شراء سيارة، وتاجر يحاول أن يعرف بأي سعر يعيد تسعير بضاعته.

لهذا فإن الحديث عن القوة الشرائية ليس مصطلحاً اقتصادياً مجرداً، إنه وصف لما يحدث عندما يبقى الراتب بالدينار بينما تتأثر أسعار عدد كبير من السلع بتكلفة الدولار.

وقد لا ترتفع كل الأسعار بالنسبة نفسها، ولا ينبغي افتراض أن كل انخفاض في قيمة الدينار يتحول آلياً إلى تضخم بالمقدار نفسه.

لكن الاتجاه العام واضح: كلما ارتفعت كلفة الحصول على الدولار، أصبح الاقتصاد العراقي أمام ضغط أكبر على كلفة الواردات.

وهنا تظهر مفارقة أخرى، البنك المركزي يقول إن تعديل السعر يمكن أن يدعم المنتج الوطني ويعزز تنافسية الصناعة المحلية أمام السلع المستوردة ويحفز القطاعات الإنتاجية غير النفطية.

نظرياً، هذه إحدى فوائد انخفاض قيمة العملة، لكنها تحتاج إلى شرط أساسي وهو أن يكون لديك إنتاج محلي قادر على الاستجابة، فالعملة الأرخص لا تصنع مصنعاً ولا تزرع أرضاً ولا تخلق سلسلة توريد ولا تجعل المنتج المحلي منافساً بين ليلة وضحاها.

وإذا كان الاقتصاد يعتمد على استيراد المواد الأولية والآلات والمدخلات الإنتاجية، فإن جزءاً من كلفة الإنتاج نفسه قد يرتفع مع ارتفاع الدولار، وهنا يمكن أن يتحول العلاج النظري إلى معادلة أكثر تعقيداً.

المشكلة ليست أن العراق لا يملك المال

هذه ربما أهم نقطة في القصة كلها، العراق ليس دولة فقيرة بالمعنى التقليدي، لديه احتياطيات نفطية هائلة، وإيرادات نفطية ضخمة، وموقع جغرافي مهم، وسوق داخلية كبيرة.

لكن امتلاك الموارد لا يعني امتلاك اقتصاد متنوع، ووفرة المال في سنوات النفط المرتفع لا تعني بالضرورة بناء قاعدة إنتاجية تستطيع حماية الدولة في سنوات الصدمة، وهذا هو الفرق بين الثروة والقدرة الاقتصادية.

إذ إن الثروة قد تأتي من باطن الأرض، أما القدرة الاقتصادية فتحتاج إلى مؤسسات، وإنتاج، واستثمار، وقطاع خاص، وإيرادات غير نفطية، ونظام ضريبي فعال، وبنية تحتية، وقواعد مستقرة للأعمال، وكلما تأخر بناء هذه القاعدة، بقيت الدولة رهينة لسعر البرميل.

1520 ليس نهاية القصة

قد تنجح السلطات في تثبيت السعر الجديد، وقد تتعافى صادرات النفط، وقد تتراجع الضغوط على سوق الصرف، وقد يثبت الدينار عند مستواه الجديد دون اضطرابات أكبر، كل ذلك ممكن.

لكن استقرار سعر الصرف لا يعني بالضرورة أن المشكلة الاقتصادية قد حُلت، فالاستقرار النقدي شيء، والاستدامة المالية شيء آخر.

وإذا كان العجز سيستمر، والإنفاق العام يتوسع، والإيرادات النفطية تبقى المصدر الرئيسي لتمويل الدولة، فإن السؤال سيعود في أزمة أخرى، حتى لو لم يكن غداً أو العام المقبل، ربما في صورة ضغط جديد على الاحتياطيات، وربما في صورة اقتراض أكبر، وربما في صورة تخفيض آخر، وربما في صورة إجراءات مالية أكثر قسوة، المهم أن المشكلة لا تختفي بتغيير الرقم على شاشة الصرافة.

ماذا يقول الدينار عن الدولة العراقية؟ 

يقول الدينار إن الدولة العراقية ما زالت تقف على قاعدة اقتصادية أضيق من حجم التزاماتها.

ويقول إن النفط، الذي كان يفترض أن يكون وسيلة لبناء اقتصاد قوي، ما زال يؤدي دور الممول الأساسي للدولة نفسها.

ويقول إن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يعني فقط إدارة الدولار بصورة أفضل، بل يجب أن يعني تقليل حاجة الدولة إلى الدولار أصلاً، ليس المقصود التخلي عن النفط، ولا يمكن ذلك أصلاً.

المقصود أن يصبح النفط مصدراً لتمويل اقتصاد متنوع، لا بديلاً عن الاقتصاد، وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في قصة الدينار العراقي فالدولة تستطيع أن تبيع ملايين البراميل وتستطيع أن تراكم الاحتياطيات وتستطيع أن تعد موازنات بمئات التريليونات، لكنها عندما تتعرض صادرات النفط لصدمة، يعود السؤال نفسه من جديد كيف نمول الدولة؟.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يخرج من أزمة 1520، ليس كم سيصبح سعر الدولار غداً، بل متى يصبح الاقتصاد العراقي قادراً على مواجهة انخفاض عائدات النفط من دون أن يضطر الدينار إلى دفع الفاتورة؟

فربما لم يكن الدينار هو الذي انهار في السابع من أكتوبر، ربما الذي انكشف في ذلك اليوم هو حدود نموذج الدولة العراقية نفسه.

كتّاب الساعة

المزيد

الأكثر قراءة

  1. أكرم محمد السراي.. تحولات اللون بعمق الأمكنة
  2. حين يضرب السلاح المنفلت جيوب العراقيين
  3. السوداني: آن الأوان لإعادة تعريف علاقة العراق بالولايات المتحدة
  4. بين إعلان الحرب وإعلامها .. "حصل الي حصل"
  5. إعلان حالة الحرب دستورياً