قبل أكثر من 5 قرون، حذّر نيكولو مكيافيلي في كتابه "الأمير" الحاكم من الوصول إلى كراهية رعيته، ورأى أن أحد أسرع الطرق إلى ذلك هو المساس بأموالهم وممتلكاتهم، لم يقل إن الحاكم يسقط بمجرد أن يمد يده إلى جيوب الناس، بل كان أكثر دقة: الكراهية تجعل الحكم أكثر هشاشة.
في العراق تبدو الكراهية والغضب حاضرين بالفعل، المواطن غاضب من الفساد والبطالة والخدمات والمحاصصة والأسعار والضرائب والرسوم، ومن دولة نفطية ضخمة لا تنعكس ثروتها بالقدر نفسه على حياته، هذا الغضب لم يبق خلف الشاشات، فقد خرج العراقيون في احتجاجات متكررة، وبلغت ذروتها في تشرين 2019، عندما تحول الاعتراض من المطالبة بالخدمات والوظائف إلى مواجهة أوسع مع طريقة إدارة الدولة وتقاسم السلطة.
ومع ذلك استمرت المنظومة السياسية، تغير رؤساء حكومات ووزراء وتحالفات، وانقسمت أحزاب وظهرت أخرى، لكن الآليات الأساسية التي تحكم توزيع النفوذ داخل الدولة أثبتت قدرة كبيرة على البقاء، لذلك فالسؤال ليس لماذا لا يغضب العراقيون، بل كيف استطاع نظام محاط بكل هذا الغضب أن يمنعه، في معظم الأحيان، من التراكم في اتجاه واحد قادر على تغيير قواعده؟
سلطة لا تقف خارج المجتمع
أحد مفاتيح الإجابة أن الطبقة السياسية التي تشكلت بعد 2003 لم تحكم المجتمع من أعلى فقط، بل تمددت داخله، فقد تحول تقاسم السلطة تدريجياً من اتفاق بين القوى الكبرى على الرئاسات والوزارات إلى شبكات تصل إلى الدرجات الخاصة والمديرين والعقود والتعيينات والوظائف، وتصف دراسات لتشاتام هاوس كيف استخدمت الأحزاب نفوذها داخل الوزارات والبيروقراطية لبناء شبكات رعاية وتوجيه موارد الدولة، حتى أصبحت السيطرة على المؤسسة نفسها مصدراً للنفوذ السياسي والاقتصادي.
بهذا المعنى، لا تعمل الوظيفة الحكومية أو العقد أو المنصب كرشوة مباشرة لشراء الصمت، فالموظف يستطيع أن يكون معارضاً ومتظاهراً، المسألة أعمق، ملايين العراقيين أصبحت حياتهم الاقتصادية مرتبطة بدولة تتقاسم القوى السياسية النفوذ داخل مؤسساتها، وقد ارتفع عدد موظفي القطاع العام والمتقاعدين من نحو 850 ألفاً عام 2003 إلى 6.5 ملايين عام 2019، وفق أرقام أوردتها الدراسة.
هنا تظهر علاقة شديدة التعقيد؛ فالمواطن قد يغضب من المنظومة، لكنه ينتظر منها راتبه، وقد يرفض المحاصصة لكنه يحتاج إلى مؤسسة تتأثر بها، وقد ينتقد حزباً ثم يحتاج إلى شبكة سياسية لتسهيل وظيفة أو معاملة أو فرصة، لذلك لم تعد السلطة مجرد حكومة يمكن إسقاطها، بل شبكة مصالح تمتد من أعلى الدولة إلى أجزاء من المجتمع.
عندما يصبح الخوف أقوى من الغضب
لكن المصالح وحدها لا تفسر الاستمرار، فمنذ 2003، كان للهوية الطائفية والدينية دور آخر في إعادة تنظيم الجمهور، وتشير دراسات عن بنية القوة في العراق إلى أن النخب استخدمت النداءات الإثنو-طائفية إلى جانب توزيع المنافع والإكراه كأدوات توظيف الخطاب الطائفي بصورة أكثر حدة للحشد والمحافظة على النفوذ.
وهذا لا يعني أن الانقسامات الطائفية مختلقة أو أن الدين نفسه أداة سياسية، بل إن الخوف على الطائفة والمكون والمقدسات يمكن تحويله إلى مورد انتخابي وسياسي، عندها يتغير السؤال من "ماذا قدم الحزب الذي حكم؟" إلى "ماذا سيحدث لجماعتي إذا خسر؟"، ويمكن لمواطن غاضب من الفساد أن يعود إلى القوة التي ينتقدها عندما يشعر بأن البديل يهدد هويته أو حصته أو أمن جماعته.
وتعمل بالطريقة نفسها صورة العدو الخارجي أو الداخلي، فالولايات المتحدة وإيران والإرهاب والبعث والتدخلات الإقليمية كلها مخاطر دخل بعضها فعلاً في تاريخ العراق الحديث، لكن الخطر الحقيقي يمكن أيضاً توظيفه سياسياً، عندما يصبح النقاش متعلقاً ببقاء المكون أو الدولة أو مواجهة عدو، تتراجع أسئلة الكهرباء والبطالة والفساد أمام سؤال الأمن، ويصبح الدفاع عن الوضع القائم ممكناً ليس لأنه جيد، بل لأن البديل المرسوم أمام الجمهور أكثر إخافة.
حتى الأزمات السياسية نفسها تؤدي أحياناً وظيفة مشابهة من دون الحاجة إلى افتراض أن كل أزمة مفتعلة، الخلاف بين بغداد وأربيل، أو الصراع على الموازنة والمناصب والصلاحيات، يمكن أن يعيد الجمهور إلى خنادقه السياسية والقومية والطائفية، فتتحول مشكلة في إدارة الدولة إلى صراع بين جماعات، ويتوزع الغضب أفقياً بين العراقيين بدلاً من اتجاهه عمودياً نحو المسؤولين عن إدارة الدولة.
تشرين.. عندما تعطلت الأدوات
لهذا كانت تشرين خطيرة على المنظومة أكثر من احتجاج مطلبي عابر، فجزء واسع من المحتجين تجاوز الاصطفاف الطائفي، ووجه اعتراضه إلى المحاصصة والنظام السياسي نفسه، وتصف دراسة دودج ومنصور احتجاجات تشرين بأنها المرة التي استهدف فيها المحتجون بصورة مباشرة النظام القائم على تقاسم السلطة، لا مجرد مسؤول أو خدمة متعثرة.
عندما ضعفت قدرة الهوية والمصلحة والخوف على احتواء الغضب، ظهرت أداة أكثر خشونة إذ وثقت الأمم المتحدة مقتل 487 متظاهراً وإصابة 7,715 آخرين بين تشرين الأول 2019 ونهاية نيسان 2020، إلى جانب الاختطاف والاعتقال والتهديد واستخدام القوة المفرطة.
لكن المنظومة لم تواجه تشرين بالقمع وحده، استقالت حكومة عادل عبد المهدي، وأُقرت انتخابات مبكرة، وتغير قانون الانتخابات، أي إن الاستجابة جمعت بين الضغط والتنازل وفتح منفذ سياسي للغضب، وهنا ظهرت إحدى أهم خصائص النظام: قدرته على التضحية بجزء منه للحفاظ على بنيته الأوسع.
سقوط حكومة لا يعني سقوط الشبكات التي شاركت في تشكيلها، وتغيير وزير لا يخرج بالضرورة القوى النافذة من وزارته، كما أن الانتخابات تستطيع تغيير توزيع المقاعد من دون أن تزيل شبكات المال والتنظيم والنفوذ التي تدخل بها الأحزاب إلى المنافسة.
حتى صندوق الاقتراع
كان يفترض أن تكون الانتخابات الطريق الأقل كلفة لتحويل الغضب إلى تغيير، لكن هنا أيضاً لا تبدأ القوى من الموقع نفسه فالحزب الراسخ يدخل الانتخابات بخبرة تنظيمية وشبكات محلية وموارد وقواعد قادرة على التحشيد، بينما تدخل قوى ناشئة ومستقلون بموارد وخبرة ونفوذ أقل.
بعد تشرين، اعتمد العراق في انتخابات 2021 نظام الدوائر المتعددة والتصويت الفردي غير المتحول، في تغيير استجاب لأحد مطالب الاحتجاجات وفتح مساحة أكبر أمام المستقلين والقوى الناشئة، ثم أعاد تعديل 2023 المحافظات إلى دوائر أكبر واعتمد "سانت ليغو" المعدل بقاسم 1.7، وهي صيغة رأى معارضوها وخبراء انتخابيون أنها تمنح أفضلية للقوائم الكبيرة وتزيد صعوبة المنافسة أمام الأحزاب الصغيرة والمستقلين.
لكن المشكلة لا تقف عند القانون ففي انتخابات 2021 شارك نحو 42% فقط من الناخبين، فيما أقرت الأمم المتحدة بأن عوامل سياسية وتقنية أدت عبر السنوات إلى تراجع المشاركة واختيار أعداد كبيرة الامتناع عن التصويت.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الغضب العراقي قسوة، المواطن الذي يقاطع لأنه فقد ثقته بالنظام قد يعتقد أنه يعاقبه، لكن انخفاض المشاركة لا يعني أن جميع الناخبين ينسحبون بالنسبة نفسها، فالأحزاب الراسخة تحتفظ عادة بكتل أكثر قدرة على التعبئة والوصول إلى الصندوق، بعضها يرتبط بها عبر الوظائف والمصالح والخدمات وشبكات الرعاية، وبعضها عبر الانتماء الحزبي أو الطائفي والقومي والعشائري، فضلاً عن القواعد العقائدية والتنظيمية الأكثر التزاماً بالتصويت، وكلما انسحب الناخب غير المنظم أو المعترض من المنافسة، ارتفع الوزن النسبي لهذه الكتل داخل الأصوات المحتسبة، ولذلك قد يتحول العزوف، رغم كونه تعبيراً عن رفض المنظومة، إلى عامل يساعد القوى الأكثر تنظيماً على الحفاظ على نفوذها الانتخابي.
وهكذا يمكن للغضب أن يخسر في الحالتين، قوة ناشئة تدخل المنافسة من موقع أضعف أمام أحزاب تملك المال والتنظيم والنفوذ، أو ناخب غاضب ينسحب من المنافسة فيترك الساحة لمن يملك جمهوراً أكثر انضباطاً.
منظومة بأكثر من أداة
هذا هو الجزء الذي يجعل استمرار النظام العراقي أكثر قابلية للفهم، قوته ليست في أداة واحدة خارقة، وإنما في امتلاكه أدوات متعددة لا تحتاج إلى النجاح جميعاً في الوقت نفسه، المال العام وشبكات المصالح تربط جزءاً من المجتمع بالدولة، والطائفة والدين والهوية تستطيع إعادة تحشيد جمهور متذمر، والخوف من العدو أو الفوضى يجعل الوضع السيئ أقل رعباً من المجهول، وقواعد المنافسة تمنح التنظيم والمال وزناً كبيراً، والعزوف يترك الساحة للقواعد الأكثر التزاماً، وعندما يتجاوز الغضب هذه الحواجز جميعاً تبقى أدوات التهديد والقمع، إلى جانب قدرة النظام على تقديم تنازلات محدودة وامتصاص الصدمة.
لهذا يستطيع الحزب أن يكون جزءاً من الحكومة ومعارضاً لها في الوقت نفسه، وأن يحمّل شريكه مسؤولية الفشل ثم يتحالف معه بعد الانتخابات، فيما يستطيع النظام تغيير الحكومة من دون تغيير مراكز القوة التي تعمل داخل الدولة، ويذهب الباحث ريناد منصور، في دراسة عن بنية السلطة والمساءلة في العراق، إلى أن فهم القوة الفعلية لا يكتمل بالنظر إلى مؤسسات الدولة الرسمية وحدها، إذ تتداخل معها شبكات من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والبيروقراطيين والمسلحين، تمتد علاقاتهم عبر حدود المؤسسات الرسمية.
وهنا نعود إلى مكيافيلي. المشكلة ليست أنه أخطأ عندما حذر الحاكم من جيب المواطن؛ فالغضب موجود بالفعل، وربما يزداد كلما اتجهت الدولة تحت الضغط المالي إلى الرسوم والضرائب والجباية ورفع كلفة الخدمات، لكن الحالة العراقية تكشف ما يقع بين الكراهية والسقوط، منظومة تستطيع تفريق أسباب الغضب، وإعادة تعريف خصوم الجمهور، وربط قطاعات بالدولة، وإخافة أخرى من البديل، ورفع كلفة المواجهة على من يخرج عليها.
ولا يعني هدوء الشارع أن المنظومة نجحت في إطفاء الغضب، كما أن اندلاع موجة احتجاج جديدة لا يعني بالضرورة أن قواعدها أصبحت مهددة، فقد أثبتت تشرين أن العراقيين قادرون على كسر حاجز الخوف والنزول إلى الشارع وفرض تنازلات سياسية، لكن الاختبار الأصعب يبدأ بعد امتلاء الساحات، عندما يكون على الغضب أن يتجاوز الأدوات التي فرّقته طوال سنوات، وأن يتحول من ملايين الاعتراضات المتفرقة إلى مصلحة سياسية مشتركة وتنظيم قادر على منافسة منظومة راكمت المال والنفوذ والخبرة وشبكات الدولة لأكثر من عقدين.
عندها فقط يصبح كل هذا الغضب خطراً حقيقياً على قواعد النظام، لا لأنه صار أكبر، بل لأنه لم يعد قابلاً للتقسيم وإعادة التوجيه بالطريقة نفسها.