الرأي

من باب المندب إلى العراق: كيف يمكن أن تعيد إيران توزيع أوراقها؟

نظير الكندوري

محلل سياسي ومهتم بشؤون العراق وانعكاساتها على الوضع الإقليمي والدولي

حجم الخط

من الضروري النظر إلى تقدم الحوثيين نحو باب المندب خلال الأسابيع الماضية، على اعتباره أكثر من مجرد تقدم عسكري في جبهة يمنية، لأن سيطرة الحوثيين على المناطق القريبة والمطلة على باب المندب، تمنحهم ورقة تتجاوز حدود اليمن نفسه، لذلك فإن الهجوم المضاد الذي شنته القوات الحكومية المدعومة سعودياً، واستعادت مواقع مهمة في مناطق ذباب ومحيط باب المندب وأطراف المخا، يستحق قراءة تتجاوز الحديث عن مدينة سقطت وأخرى تم استعادتها. [1]

لكن هذه الرواية الحكومية، تبقى غير مؤكدة بصورة كاملة حتى الان، بدورهم، نفى الحوثيون سقوط المدينة، لكن المؤكد، أن هناك تقدماً عسكرياً حكومياً واسعاً ومدعوماً بغطاء جوي سعودي كثيف، ولم يتأكد حتى الان من مقدار وحجم السيطرة النهائية على المخا ومحيط باب المندب، يرافق ذلك استمرار الحوثيون في الضغط في جبهات أخرى، لا سيما حول تعز وعلى هذا الأساس، فأن الحديث عن انهيار عسكري حوثي، ربما هو تقييم سابق لأوانه، فالحوثيين لازالوا يحتفظون بصنعاء وبمساحات واسعة من شمال وغرب اليمن، كما أن الطريق من الساحل إلى صنعاء ليس طريقاً عسكرياً مفتوحاً، فهناك مرتفعات وجبهات داخلية، وهناك قدرة للحوثيين على الانتقال من الدفاع إلى الضغط، فضلاً عن الانقسامات والمصالح المختلفة داخل المعسكر المناهض لهم.

أهمية المعارك الحالية تتعدى اليمن

تبرز أهمية المعارك الجارية اليوم في اليمن، ليس لأنها صراع بين الأطراف اليمنية على الأرض والسلطة في هذا البلد، إنما لأهمية المكان الذي تجري فيه المعركة، فباب المندب أحد أهم بوابات البحر الأحمر، والسيطرة على محيطه أو امتلاك القدرة على تهديد الملاحة فيه يمنح أي قوة موجودة هناك تأثيراً يتجاوز حجمها العسكري، وهذا تحديداً ما يجعل الحوثيين مختلفين عن كثير من الفصائل التي تعتمد عليها إيران في المنطقة.

وبالحديث عن إيران، فهذه الدولة المنخرطة بنزاع مسلح مع الولايات المتحدة، لا تحتاج إلى أن تسيطر بنفسها على باب المندب حتى تستفيد من أهميته الجيوسياسية، بل يكفيها أن يكون لها قوة محلية مثل الحوثيين، قادرة على تهديد الملاحة بالمضيق، أو تهديد المصالح السعودية أو المصالح الأمريكية والغربية، لتتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط بيد إيران.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للحوثيين بالنسبة إلى طهران، فجماعة الحوثي لا توفر لإيران نفوذاً سياسياً داخل اليمن فقط، إنما تمنحها موقعاً تستطيع من خلاله التأثير في الخليج والبحر الأحمر، وتهديد طرق التجارة والطاقة وإجبار خصومها على توزيع قواتهم واهتمامهم على أكثر من جبهة.

وعلى هذا الأساس، فإن تراجع الحوثيين عن المناطق الساحلية إذا صدقت الاخبار، لن يكون مجرد خسارة لأراضٍ استولت عليها، إنما ستكون خسارة لإحدى المنصات التي تستطيع إيران من خلالها ممارسة الضغط بعيداً عن أراضيها، مع ذلك فأن من المبكر الجزم بمثل هذه النتيجة المتقدمة.

فالعملية الحالية التي تقوم بها القوات الحكومية اليمنية، قد تنجح في استعادة المخا والمناطق المحيطة بباب المندب، والتوسع في جبهات تعز ومأرب والجوف، لكن قد تنقلب المعادلة مرة أخرى لصالح الحوثيين كما حصل في حوادث عديدة طيلة الحرب في اليمن، فيما يتطلب تحرير صنعاء، والذي أصبح جزءاً من الخطاب العسكري للحكومة، إلى أكثر بكثير من نجاح سريع على الساحل. [2]

استعادة الساحل شيء، وإسقاط صنعاء شيء آخر.

إن قيمة المعركة الحالية تكمن في اختبار قدرة القوات الحكومية، المدعومة سعوديا، على تحويل مكسب تكتيكي، إلى مسار عسكري متواصل، فإذا بقي التقدم محصوراً في الساحل، فسنكون أمام جولة قوية من جولات الحرب، أما إذا بدأت جبهات الحوثيين تتراجع واحدة بعد أخرى، فسيصبح من الصعب التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد معركة محدودة.

السعودية بوضعها الحالي، ترى المسألة بمفهومها الأوسع، فالهجوم الحوثي باتجاه باب المندب لم يكن تهديداً لليمنيين وحدهم، إنما أصبحت مسألة تمس الأمن السعودي والملاحة الدولية معاً، ومن شأن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر الجنوبية، أن يوقف صادرات النفط السعودية إلى آسيا، وقد يؤدي إلى ​انخفاض الإمدادات العالمية من النفط بواقع سبعة%. [3]

ولهذا انخرطت السعودية في هذه المعركة، بسلاحها الجوي بشكل واسع، وبدأت بتفعيل ترتيبات دفاعية جديدة مع تركيا وباكستان.

ما دور تحالف مكة؟

اتفاق مكة للدفاع المشترك بين الدول الثلاث (السعودية والباكستان وتركيا)، لم يكن في الأصل اتفاقاً للحرب داخل اليمن، ولا توجد أدلة حتى الان، على أن هناك مشاركة تركية أو باكستانية مباشرة في العمليات العسكرية داخل اليمن، لكن اجتماع اللجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية للتحالف في الرياض في الخامس من أكتوبر الجاري، حَمَلَ دلالة مختلفة، إذ اتفقت الدول الثلاث على الانتقال إلى التطبيق العملي لالتزامات الدفاع المشترك، بما في ذلك الانتشار السريع للقوات والقدرات العسكرية المتفق عليها داخل السعودية، وهذا ما أكده وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بالقول أن اتفاق مكة يقوم على أساس دفاعي بحت ولا ينطوي على أي طابع هجومي، وأضاف، أن أنقرة لن ترسل قوات عسكرية إلى أراضي أي دولة أخرى بهدف شن عمليات هجومية فيها. [4]

بمعنى أن تركيا أو باكستان لن تدخلا حرب اليمن، وأن تحالف مكة لن يتحول إلى تحالف هجومي ضد الحوثيين، لكن مجرد الانتقال من إعلان اتفاق دفاعي إلى ترتيبات عسكرية عملية داخل السعودية، يرسل رسالة مختلفة إلى إيران والحوثيين معاً، مفادها أن أي تصعيد جديد ضد السعودية، قد لا يتم مواجهته من قبل السعودية وحدها، وهذا تطور يهم طهران أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى.

وجود مثل هذا التحالف الثلاثي بين هذه الدول، يعني أن البيئة التي يتحرك فيها الحوثيون قد تغيرت. والمسألة لم تعد مواجهة سعودية مباشرة مع جماعة يمنية تستطيع استخدام الحدود والممرات البحرية للضغط على الرياض، إنما يعني أن السعودية بدأت ببناء مظلة ردع أوسع حولها.

هل بدأت طهران بالفعل في البحث عن مخرج؟

هناك إشارة تستحق الانتباه، هي أن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار قال إن إيران اقترحت التعامل السياسي مع الحوثيين بدلاً من العمل العسكري، وإنها نأت بنفسها عن الحوثيين والفصائل العراقية، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا توجد وثيقة أو عرض إيراني مكتوب، وأن الأمر كان تبادل أفكار بين مسؤولين واقتراحاً يمكن بحثه. [5]

وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من تفسير، فقد يكون الأمر محاولة إيرانية لتجنب خسارة أكبر في اليمن، أو سعياً إلى فتح قناة تفاوضية، أو مجرد جس نبض لمعرفة ما إذا كان بالإمكان وقف التصعيد، وفي الحقيقة لا يوجد ما يكفي للقول إن إيران قررت التخلي عن الحوثيين في هذه المرحلة، لكن ظهور هذا الكلام في هذا التوقيت له دلالة سياسية، خصوصاً إذا وضعناه إلى جانب الضغوط العسكرية التي تتعرض لها إيران نفسها.

فطهران لا تواجه احتمال خسارة ورقة يمنية فحسب، إنما تواجه احتمال عودة التصعيد العسكري الأمريكي المباشر، وقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية زيادة القصف على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. [6]

وعلى هذا الأساس، فأن إيران التي تتعرض للضغط في إحدى ساحاتها الخارجية المهمة وهي اليمن، وفي الوقت نفسه تواجه احتمال تعرضها لضغط عسكري مباشر، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بقدرتها على الدفاع عن الحوثيين وحدهم، وإنما بكيفية توزيع مواردها وأدواتها بين الساحات المختلفة.

توسيع التصعيد في اليمن وخطورته على إيران

إن توسع الحرب باليمن، بالتزامن مع تصعيد أمريكي مباشر ضد إيران، سيجعل السؤال المطلوب اجابته، ليس عن مستقبل الحوثيين وحدهم، بل عن قدرة طهران على إدارة شبكتها في المنطقة، في وقت تتعرض فيه هي نفسها للضغط.

أما الفصائل العراقية، فقد تصبح أمام اختبار لم تواجهه من قبل، فاستمرار حيازتها للسلاح لن يعود مجرد قضية عراقية داخلية، بل سيتقاطع بصورة أوضح مع صراع إقليمي تتغير فيه قيمة كل طرف وأداة، لكن مع ذلك، فأن من المبكر القول إن هذا سيقود إلى نزع السلاح، لكن من الممكن أن تتجه طهران، إذا اشتد الضغط عليها، إلى تهدئة بعض الساحات بدلاً من توسيعها، كل ذلك يعتمد على تطور المعركة الدائرة في اليمن.

لكن تفاصيل المعركة تعطي لنا فكرة إن صنعاء ربما ستبقى بعيدة عن التحرير من قبضة الحوثيين، وقد تستمر الحرب لسنوات أخرى، لكن مع ذلك فأن المعركة الحالية كشفت شيئاً مهم، وهو أن إحدى الأدوات التي استخدمتها إيران للضغط على السعودية والبحر الأحمر يمكن أن تتعرض لاختبار جدي، وأن السعودية بدأت في المقابل بناء بيئة ردع إقليمية أوسع، وإذا تحول هذا الاختبار إلى تراجع حوثي حقيقي، فلن تكون إيران أمام خسارة موقع عسكري فقط، إنما أمام ضرورة لإعادة ترتيب أدوار شبكة نفوذها، وهنا سيكون العراق جزءاً من هذه المعادلة، لأنه سيكون أخر ما تبقى لها من أدوات.

إن افتراض تراجع الحوثي تزامنا مع تصعيد أمريكي مباشر ضد إيران، ستجعل الضغوط أكثر ترابطاً، وقد يصبح القرار الإيراني بشأن العراق والفصائل المسلحة أكثر حساسية من السابق، لهذا فإن المعركة الحالية حول باب المندب قد تكون في ظاهرها معركة يمنية، لكن نتيجتها الحقيقية قد تظهر خارج اليمن.

هل تستبدل إيران الحوثيين بالفصائل العراقية؟

وهنا يصبح العراق مهماً بالنسبة لإيران، ليس لأن تراجع الحوثيين يعني تلقائياً أن إيران ستستبدلهم بالفصائل العراقية، إنما لأن خسارة أي أداة من أدوات نفوذها، سيجعل الأدوات الأخرى المتبقية أكثر أهمية في حساباتها.

وتتحدث تحليلات، عن إن هزيمة الحوثيين ستجعل الفصائل العراقية أكثر عزلة، وستزيد الضغوط عليها لنزع سلاحها، وهو احتمال قائم، خصوصاً إذا ترافق التراجع الحوثي مع ضغط أمريكي وسعودي وإقليمي واسع على طهران.

لكن من زاوية أخرى، فأن فقدان إيران لقدرتها على استخدام الساحة اليمنية للضغط على خصومها، قد تجعل الساحات الأخرى أكثر أهمية بالنسبة إليها.

وبما أن العراق يختلف عن اليمن في طبيعة علاقة الدولة بالفصائل المسلحة، فالفصائل العراقية ليست قوة موجودة خارج الدولة بالكامل، إنما تعمل داخل بيئة سياسية وأمنية واقتصادية عراقية، ولها علاقات مباشرة مع مؤسسات الدولة، لكنها بنفس الوقت، ترتبط مع إيران بعلاقات واسعة، ولها مساحة واسعة باتخاذ القرار الذي يلائمها، حتى لو كان لا يرضي الحكومة العراقية، وبالتالي فأن اختلاف الفصائل في العراق عن الحوثيين، لا يجعلها أقل أهمية في الحسابات الإيرانية. [7]

وهذا يعني أن أي تراجع للحوثيين في اليمن، لن يؤدي بالضرورة إلى النتيجة ذاتها في العراق وتتراجع الفصائل المسلحة، فقد ترى إيران أن الحفاظ على نفوذها في العراق أصبح أكثر ضرورة إذا فقدت نفوذاً أو قدرة على الضغط في اليمن.

يبقى العامل الأمريكي حاسما في تطور الأمور بالنسبة لإيران، فإذا استمرت المعركة اليمنية في الضغط على الحوثيين، وفي الوقت نفسه قررت واشنطن العودة إلى ضرب إيران، فلن تكون طهران أمام جبهة واحدة، بل ستكون أمام ضغط على حليفها في اليمن، وضغط مباشر على أراضيها، وضغوط على شبكة علاقاتها الإقليمية، وفي مثل هذه الحالة ستضطر إلى ترتيب أولوياتها وقد يكون العراق واحداً من الأماكن التي تتغير فيها هذه الأولويات.

لكن هذا لا يعني أن إيران ستطلب من الفصائل العراقية القيام بالتصعيد، بل ربما يحدث العكس، فتُفضل طهران تهدئة الساحات الأخرى حتى لا تفتح على نفسها جبهات إضافية في الوقت الذي تواجه فيه ضغطاً عسكرياً مباشراً.

وهنا تكمن أهمية التطورات المقبلة في اليمن، فهي ستساعدنا على معرفة أي اتجاه يسير فيه المشهد. فإذا توقفت القوات الحكومية عند الساحل، واستعاد الحوثيون المبادرة في تعز أو جبهات أخرى، فمن الصعب الحديث عن تغير استراتيجي في شبكة النفوذ الإيرانية، أما إذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت سيطرتها على باب المندب والمخا، ثم واصلت التقدم في جبهات أخرى، وبدأت القدرة الحوثية على الاحتفاظ بمناطقها تتراجع، حينها ستضطر إيران إلى التعامل مع خسارة حقيقية لإحدى أهم أوراقها الإقليمية.

وتقدم دراسة "المحور المتحوّل للمقاومة" التي نشرها تشاتام هاوس قراءة لهذا التحول، حيث ترى أن الضربات التي تعرض لها حلفاء إيران خلال 2024، ولا سيما "حزب الله"، وسقوط نظام بشار الأسد، لم تؤد إلى انهيار الشبكة، وإنما دفعت طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على العراق واليمن، وإلى إعادة تشكيل علاقاتها على أساس شبكات اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر مرونة. [8]

نحن اليوم على مسارين في حرب اليمن، إما أن تكون مجرد جولة عسكرية تنتهي باستعادة بعض المواقع، وإما أن تكون بداية تراجع لإحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وفي الحالة الثانية، سيكون السؤال، كيف ستعوض طهران خسارتها في اليمن؟ وهل ستؤدي خسارتها في اليمن، إلى إضعاف شبكتها الإقليمية أم إلى إعادة توزيع أدوارها، وفي مقدمتها الدور الذي يمكن أن تلعبه الفصائل المسلحة في العراق.



[4] الجزيرة نت فيدان: اتفاق مكة للدفاع ولن نرسل قوات للهجوم على دول أخرى

[5] رويترز باكستان: 3 دول ستبحث في اجتماع طارئ الانخراط السياسي مع الحوثيين

[6] إيران انترنشنال ترامب: من المحتمل تجدد القصف واسع النطاق على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية

[8] نون بوست النفوذ الإيراني بعد السابع من أكتوبر.. ما الذي تغيّر في الهلال؟

كتّاب الساعة

المزيد

الأكثر قراءة

  1. كل هذا الغضب.. لماذا لا يتغير شيء في العراق؟
  2. ماذا يقول انهيار الدينار عن الدولة العراقية؟
  3. أكرم محمد السراي.. تحولات اللون بعمق الأمكنة
  4. حين يضرب السلاح المنفلت جيوب العراقيين
  5. السوداني: آن الأوان لإعادة تعريف علاقة العراق بالولايات المتحدة