هناك أمكنة تتداعى، وتنسحب إلى زوايا النسيان، بعد أن كانت شواهد جمالية وحياتية، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى ركام وآثار آيلة للاندثار. وفي هذه الأمكنة يجد الفنان أكرم محمد السراي عالماً يستحق التوثيق، إذ أخذ على عاتقه أرشفتها جمالياً وتصويرياً، لما تحمله من ذاكرة شعبية ارتبطت بحياة الناس، من بيوت وأزقة قديمة وخانات مهجورة، كانت يوماً موطناً للألفة والتواصل بين أبناء المجتمع العراقي.
ففي تلك البيوت عاشت عائلات بسيطة، وما زال بعضها مأهولاً في مناطق بغدادية عديدة، ويجد السراي في هذه الأمكنة ارتباطاً روحياً خاصاً، ولا سيما في جانبي بغداد، الكرخ والرصافة، حيث يستمتع بالتجول بين أزقتها وتأمل ما تركه الزمن على الجدران والشبابيك وممرات البيوت القديمة.
فآثار المكان ورائحة التراب وأكوام الركام تحمل جميعها تأثيراً نفسياً عميقاً لديه، بوصفها انعكاساً لحيوات أناس عاشوا فيها وغادروها، ولأزمنة تركت بصماتها قبل أن تمضي نحو الاندثار.
وقد اعتاد الفنان زيارة هذه الأزقة والدرابين البغدادية وتصويرها، ومع تكرار الزيارات تتجدد زوايا رؤيته، لتجد انعكاسها على سطح لوحاته الزيتية.
وعن علاقته بهذه الأمكنة وطريقته في استحضارها فنياً، يقول السراي:
«أضع في مخيلتي المكان، وأذهب إليه وأصوره في أكثر من لقطة فوتوغرافية، وأعيش أجواءه صباحاً ومساءً، حيث أرى انعكاس الضوء وزوايا النور والظل، وكأنني ساعتها في لحظة بحث مستمر باتجاه ما أسميه جماليات المكان، وكل هذا جزء من مشروع عملي لتنفيذ اللوحة».
وتشكل الرؤية الواضحة للعمل الفني أساساً في تجربة السراي، وهي رؤية تتكون عبر الدراسة والتجربة وتراكم الخبرات والمعرفة المستخلصة من الحياة والمشاهدة.
وفي حديثه عن أثر الدراسة الأكاديمية في تجربته، يقول الفنان:
«وفرت دراستي الأكاديمية سنوات من التعلم والتلقي على أيدي أساتذتنا، وبذلك امتلكنا طابع التأثر والقدرة على تنفيذ اللوحة بصرامتها التقليدية، بما أتاح لنا قاعدة أساسية في مشوارنا في حقل الرسم، ولذا أؤكد أن الأعمال الواقعية هي أصعب الأعمال رؤية وتنفيذاً».
وتأخذ لوحات أكرم محمد السراي مساحتها في الإحاطة بمفردات الواقع، رسماً ومنظوراً جمالياً، وهو بذلك يستلهم من رواد الفن التشكيلي ما قدموه من دروس أكاديمية وخبرات فنية، لكنه يسعى إلى امتلاك زاوية نظر متجددة في إعادة إنتاج اللوحة الواقعية، بما يمنح تجربته خصوصيتها في المشهد التشكيلي.
وتنطلق رؤيته من تأمل الواقع وتفاصيله ومحاكاته، لا بوصفها تقليداً مباشراً، وإنما محاولة للكشف عما يحمله من جماليات؛ سواء في زقاق قديم، أو قرية، أو بستان، أو نهر، أو جبل، أو مشهد من الأهوار، وإنها قراءته للمكان، بما يختزنه من تفاصيل وذكريات، وهي تتشكل جمالياً على سطح اللوحة.
ويستدرك الفنان بقوله:
«ربما يرى المشاهد أو المتلقي في لوحاتي جزءاً من الكآبة أو ألواناً قاتمة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن البيئة المكانية هي التي تؤكد ذلك؛ فهي مناطق وأحياء قديمة آيلة للاندثار، لذا أحاول أن أعيد هذا الأثر بالتصوير، تارة بالكاميرا، وتارة أخرى باللوحة الزيتية، وأنا أحس، بل أمسك بهذه الجماليات الحقيقية في هذا المزيج المكاني، حيث الأزقة القديمة والناس وحركتهم، وتعابير وجوههم، وربما مرح الصبية أيضاً».