صورة خبر

حين يضرب السلاح المنفلت جيوب العراقيين

2026-09-27 18:50:35

الكاتب: أسماء صباح الكبيسي

لم يعد ملف السلاح المنفلت في العراق شأناً أمنياً يمكن حصره في العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، ولا خلافاً سياسياً يمكن تأجيله كلما تعقدت الظروف، فوجود سلاح خارج القرار الرسمي لا يضعف احتكار الدولة للقوة فحسب، بل يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز الأمن والسياسة إلى الاقتصاد وحياة العراقيين اليومية.

في بلد يعتمد على النفط لتمويل موازنته، وعلى الدولار لتسيير جانب أساسي من تجارته الخارجية، وترتبط مصارفه بالنظام المالي الدولي، يصعب فصل المخاطر الأمنية والجيوسياسية عن حركة السوق، فالتصعيد الذي يبدأ في الميدان يمكن أن يصل أثره إلى القطاع المالي وسوق الصرف وكلفة الاستيراد، قبل أن تنتهي فاتورته عند المواطن.

عندما تدخل الجغرافيا السياسية إلى سوق الصرف

لا يستطيع العراق فصل أمنه عن علاقاته الاقتصادية الدولية، فالدولار ليس مجرد عملة للتجارة، بل جزء أساسي من حركة الاستيراد والتحويلات، فيما تحتاج المصارف العراقية إلى علاقات مستقرة مع المؤسسات المالية العالمية.

ولهذا، فإن ارتباط فصائل عراقية بصراعات إقليمية لا يضع البلاد أمام مخاطر عسكرية فقط، فعندما تستهدف الولايات المتحدة أفراداً وشركات وشبكات مرتبطة بتمويل جماعات مسلحة، يمكن أن تمتد التداعيات إلى بيئة التعامل المالي عبر تشديد التدقيق وارتفاع كلفة الامتثال ومخاطر التعامل مع الجهات الخاضعة للعقوبات.

وفي 10 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنهم يشكلون شبكات تمكّن كتائب حزب الله وحزب الله اللبناني من الحصول على التمويل، ضمن حملة تستهدف شبكات مالية مرتبطة بإيران ووكلائها، كما قالت الوزارة إن إجراءاتها تهدف إلى قطع هذه الشبكات عن النظام المالي الأمريكي.

حين لا يبقى السلاح في الميدان

المشكلة لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بما يمكن أن ينتجه من نفوذ اقتصادي، فقد تضمنت ملفات عقوبات أمريكية سابقة اتهامات لشبكات مرتبطة بكتائب حزب الله باستخدام شركات وأنشطة تجارية ومؤسسات مالية لتوليد الإيرادات أو نقل الأموال.

ويمتد النقاش أيضاً إلى التجارة والمنافذ الحدودية، فعندما تعمل شبكات اقتصادية خارج القنوات الرسمية، سواء عبر التهريب أو فرض رسوم غير رسمية، تخسر الدولة جزءاً من الإيرادات التي يفترض أن تمر عبر مؤسساتها، بينما تتعزز موارد شبكات موازية وهنا تصبح السيطرة على الحدود مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة أمنية.

الدولار ليس مجرد رقم على شاشة الصراف

في العراق، لا تبقى الضغوط المالية داخل المؤسسات، فالتاجر الذي يحتاج إلى الدولار لتمويل الاستيراد يتأثر بسعر الصرف وإجراءات التحويل، ويمكن أن تنتقل الزيادة في كلفة الحصول على العملة إلى سعر السلعة التي يشتريها المواطن.

وفي 19 سبتمبر/أيلول، بلغ سعر بيع الدولار في محال الصيرفة ببغداد 160,250 ديناراً لكل 100 دولار، مقابل سعر رسمي يبلغ نحو 132 ألف دينار، وفي 21 سبتمبر انخفض سعر البيع في بغداد إلى نحو 158,500 دينار لكل 100 دولار.

ولا تكفي هذه الأرقام وحدها للقول إن الفصائل المسلحة أو العقوبات تقف وراء ارتفاع سعر الدولار؛ فسوق الصرف العراقي تتأثر أيضاً بالمضاربات والتوقعات وحجم الطلب والظروف الإقليمية وإجراءات التجارة والتحويلات، لكن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية يكشف هشاشة البيئة التي يتحرك فيها الاقتصاد العراقي، ويجعل أي اضطراب سياسي أو أمني عاملاً إضافياً في زيادة المخاطر التي يتحملها القطاع الخاص والمستهلك، فالقرار المالي لا يتوقف عند المصرف في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، تنتقل كلفة المخاطر من المصارف وشركات التحويل إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك.

من يدفع ثمن القرار الأمني؟

الجهة التي تمتلك السلاح ليست بالضرورة الجهة التي تتحمل الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد، فالقرار الذي يتخذ ضمن حسابات سياسية أو إقليمية يمكن أن تمتد نتائجه إلى أشخاص لا علاقة لهم بتلك الحسابات.

الموظف الذي يتقاضى راتبه بالدينار لا يستطيع التفاوض مع السوق عندما ترتفع الأسعار، والعائلة التي تعتمد على دخل ثابت لا تملك أدوات تحميها من تراجع قدرتها الشرائية، بينما يواجه التاجر كلفة استيراد لا يستطيع التحكم بجميع عناصرها.

وهنا تواجه الحكومة معادلة صعبة: فهي مطالبة بحماية النظام المالي واستقرار العملة وتأمين التجارة الخارجية وجذب الاستثمار، في وقت يمكن أن تتعرض فيه البيئة المالية لضغوط إضافية نتيجة التوترات الإقليمية وشبكات مالية تعمل خارج القنوات الرسمية.

السلاح خارج القرار.. والدولة أمام فاتورة مضاعفة

لهذا فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد مطلب أمني يتعلق بمن يملك القوة، بل يتعلق أيضاً بمن يملك القرار الذي يمكن أن يجر العراق إلى مواجهة إقليمية، ويعرض مؤسساته المالية لمخاطر وعقوبات، ويزيد الضغوط على عملته وتجاراته الخارجية.

في العراق، قد يبدأ أثر السلاح خارج القرار الرسمي في الميدان، لكنه لا ينتهي هناك، يمكن أن ينتقل إلى المصارف والمنافذ وسوق الصرف، ثم إلى أسعار السلع والخدمات.

وحين تصل فاتورة السلاح إلى جيوب العراقيين، يصبح السؤال عن حصر السلاح بيد الدولة سؤالاً عن حماية المواطن والاقتصاد، قبل أن يكون مجرد خلاف على النفوذ والسيادة.

اخترنا لك