بينما تواصل الحكومة العراقية جهودها لحصر السلاح ونزعه من الفصائل، ما تزال المكاتب الاقتصادية التابعة لتلك الفصائل تمارس أنشطتها من خلال الاستحواذ على المشاريع والمناقصات والاستثمارات في عموم المحافظات العراقية، ومنها نينوى، التي شهدت خلال الساعات الماضية توجيها حكوميا بإلغاء عقود شركات تابعة للميليشيات في مطار الموصل الدولي.
وأفادت مصادر حكومية بأن رئيس الوزراء علي الزيدي وجه بالغاء عقود 3 شركات في مطار الموصل، بسبب ارتباطها بالفصائل المسلحة.
وقالت المصادر: إن "الزيدي وخلال لقائه بمحافظ نينوى عبد القادر الدخيل ورئيس محكمة استئناف نينوى رائد المصلح وجه بإلغاء عقد شركة (سكاي بلس) لتأجير كاونترات مطار الموصل وإحالته إلى شركات عالمية".
وأضافت: أن "توجيه الزيدي شمل أيضا إلغاء عقد تأجير المرآب الداخلي غير المسقف في المطار المبرم مع شركة (سما المطار) وإحالته إلى شركات عالمية، وكذلك إلغاء عقد تأجير مكتب التاكسي في مطار الموصل المبرم مع شركة (الفيصل الشامخ)"، وبينت أن إلغاء العقود معها جاء على خلفية ارتباط هذه الشركات بجهات مسلحة.
ولم تشر المصادر إلى اسم الجهات المسلحة التي ترتبط بها تلك الشركات، لكنها رجحت أن تكون مرتبطة بالفصائل التي ترفض تسليم السلاح للدولة وتمتلك علاقات وثيقة بالحرس الثوري الإيراني، وأبرزها كتائب حزب الله العراقي.
وفي بيان منفصل، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أن الزيدي وجّه بـالإسراع في تشغيل مطار الموصل الدولي، عبر التعاقد مع شركات عالمية متخصصة تتولى تشغيل المطار وإدارته بصورة مشتركة.
ويأتي هذا التوجيه في وقت لم يستأنف فيه مطار الموصل الدولي تشغيل رحلاته بصورة منتظمة، رغم افتتاحه رسميا منتصف تموز عام 2025 من قبل رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
وتؤكد خطوة الزيدي بشأن إلغاء عقود شركات تابعة للفصائل المسلحة سعي الحكومة العراقية إلى تطويق الفصائل وتضييق الخناق عليها بهدف الوصول إلى نزع سلاحها قبل منتصف العام المقبل 2027، وهو التاريخ الذي وضعته بغداد كموعد نهائي لإغلاق ملف السلاح خارج سلطة الدولة.
ويؤكد مصدر حكومي في نينوى خضوع غالبية المشاريع والعقود والاستثمارات في المحافظة للمكاتب الاقتصادية المرتبطة بالفصائل المسلحة أو الأحزاب السياسية.
وقال المصدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "العقود التي تعلنها مختلف الدوائر الحكومية تحال إلى شركات تابعة لمكاتب اقتصادية فصائلية أو حزبية"، مبينا أن المحافظة أصبحت منذ العام 2017 مصدرا رئيسيا لتمويل الفصائل المسلحة بعد أن كانت قبل العام 2014 مصدرا رئيسيا لتمويل تنظيم داعش.
وشدد المصدر على أن هيمنة الفصائل على تشمل قطاعات النفط وسرقته وتهريبه ونقله سواء الخام أو المشتقات النفطية، وكذلك المقالع الخاصة بالرمل والحصى التي تقع على امتداد نهر دجلة في نينوى، المشاريع الكبيرة العامة والخاصة، مبينا أن المكاتب الاقتصادية باتت شريكا لأغلب المطاعم والفنادق الكبيرة التي توجد في نينوى، كاشفا عن تورط تلك المكاتب بعمليات تهريب وبيع المخدرات وشبكات الدعارة وإدارة بعض الملاهي ومراكز بيع الخمور في المحافظة.
وتكشف خطوة إلغاء العقود في مطار الموصل عن أمرين خطيرين، الأول: استفحال مرض المكاتب الاقتصادية للفصائل واتساع رقعة انتشارها ونشاطها، ووصولها لجميع المشاريع والاستثمارات والعقود سواء مع الدولة والقطاع العام أو على مستوى أنشطة القطاع الخاص، والثاني اخفاق الجهات الحكومية في معالجة مشكلة تغول المكاتب الاقتصادية للفصائل، وإعلانها خلافا للحقائق بأنها أغلقت تلك المكاتب التي نشطت بشكل لافت بعد تحرير الموصل من سيطرة تنظيم داعش.
وفي هذا الصدد، يؤكد الناشط السياسي محمد عباس الطائي أن قرار رئيس الوزراء بإلغاء عقود الشركات المرتبطة بالفصائل المسلحة يمثل اعترافاً حكومياً صريحاً بالتوغل المباشر للمكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل في عصب المشاريع الحيوية.
وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "قرار الزيدي الخاص بإلغاء عقود ثلاث شركات تشغيلية وعقد تاكسي الموصل لارتباطها بجهات مسلحة في مطار الموصل لم يكن مفاجئاً لأبناء المدينة بقدر ما كان تثبيتاً واقعياً لما حذرنا منه طوال السنوات الماضية، لكن هذا الإلغاء يمثل اعترافاً حكومياً صريحاً بالتوغل المباشر للمكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل في عصب المشاريع الحيوية".
وأضاف: أن "أبناء نينوى لا ينتظرون إلى توجيه وقرار الزيدي بوصفه إجراء إداري عابر، بل دليل على تفشي النفوذ الاقتصادي لهذه الجماعات التي أحكمت هيمنتها على مقدرات الاستثمار والمزايدات والعقود الاستثمارية في المحافظة عبر شركات وواجهات متعددة".
وأشار إلى أن التساؤل الميداني الحاضر في الشارع الموصلي يركز على دور الحكومة المحلية ونواب نينوى الذين يتصدرون المشهد السياسي طيلة الفترة الماضية من تلك التعاقدات.
وتابع الطائي: أن "الصمت والتعامي عن الصفقات والواجهات التي صيغت على حساب المصلحة العامة يضع ممثلي المحافظة أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية مباشرة. "، لافتا إلى أن المكاتب الاقتصادية لم تكن مخفية، بل طالما وُعد الشارع بحلها وإنهاء وجودها منذ سنوات دون خطوات عملية وملموسة على أرض الواقع، وظلت السلطات المركزية والمحلية تتبع سياسة المداراة حتى اصطدم الاستثمار المحلي بجدار الهيمنة المسلحة.
ونوه إلى أن التوجه نحو الإحالة إلى شركات عالمية متخصصة هي مسار صحيح لإعادة قطاع الطيران إلى نطاقه المهني، لكن ذلك يظل ناقصاً ما لم يترافق مع مراجعة شاملة وكاملة لكافة عقود ومزايدات نينوى لتفكيك منظومة المكاتب الاقتصادية وتجريدها من تغولها المالي على حساب أهالي المحافظة واستحقاقهم التنموي.
وتتصاعد الأصوات في الموصل إلى ملاحقة المكاتب الاقتصادية وإغلاقها، كما يؤكد الناشط والإعلامي مصطفى المولى، الذي أشار إلى أن نينوى ومنذ استعادة السيطرة عليها ولغاية الآن تقع تحت نفوذ وسيطرة المكاتب المرتبطة بالفصائل.
وقال المولى في حديث لشبكة "الساعة": إن "المكاتب الاقتصادية تستحوذ على أغلب المشاريع والاستثمارات التي تشهدها محافظة نينوى منذ العام 2017، وهذا النفوذ لم ينقطع أو يتوقف طيلة السنوات العشر الماضية لكنه أخذ أشكالا مختلفة، تارة باسم شركات عراقية قادمة من العاصمة بغداد وتارة باسم شركات محلية تعمل واجهات لتلك الفصائل، وهي في مختلف الأحوال شركات غير رصينة وغير كفوءة وتسبب استحوائها على الاستثمارات والمشاريع بتلكؤ تنفيذ الكثير من المشاريع التي ما تزال غير منجزة لغاية اليوم".
وأضاف المولى: أن "خطوة تغلغل المكاتب الاقتصادية يتمثل في وصولها إلى المشاريع الحيوية والاستراتيجية ومنها مطار الموصل" لافتا إلى أن بعض المشاريع احيلت لفصائل مسلحة بمبالغ طائلة ولم تنجز إلى اليوم.
وبالتزامن مع موجة الأمطار التي تشهدها الموصل ومدن عراقية أخرى، يعاني سكان المدينة من غرق وفيضانات الشوارع بسبب تلكؤ مشروع مجاري الجانب الأيمن المحال إلى شركة شمس البناء التابعة لزعيم حركة بدر هادي العامري بمبلغ يزيد عن 640 تريليون دينار عراقي، لكن نسب الانجاز فيه لم تصل إلى النصف حتى الآن.
ونوه المولى إلى أن تحرك الحكومة العراقية لإلغاء عقود شركات المكاتب الاقتصادية في المطار قوبل بردود إيجابية من قبل الشارع الموصلي، ولكن ذلك غير كاف، على اعتبار أن نينوى بحاجة إلى حملة كبرى تنهي نفوذ وسيطرة المكاتب الاقتصادية على المشاريع الذي استحوذت عليها في مختلف المجالات، فيما حمل المولى المسؤولية في تفاقم نفوذ المكاتب الاقتصادية إلى غياب الدور الرقابي لمجلس محافظة نينوى ونواب المحافظة الذين تحولا إلى معقبي للمعاملات في دوائر الدولة لانجاز معاملات فردية وشخصية لمقربين منهم.
وتشهد العلاقة بين الزيدي وكتائب حزب الله توترا كبيرا، بعد وصول المفاوضات بشأن تفكيك سلاح الفصائل المسلحة إلى طريق شبه مغلق، ومنذ أيام حذرت مصادر سياسية من احتمال انتقال التصعيد بين الحكومة والكتائب إلى مراحل متقدمة قد تصل إلى هجمات إعلامية متبادلة وصولا إلى الاستهداف العسكري.
وتعرض الزيدي إلى هجوم جديد من كتائب حزب الله، بعد إنهاء عقود شركات تابعة لها في مطار الموصل، فيما نفت الكتائب وجود أي شركات تابعة لها مستحوذة على عقود في المطارات العراقية، مهددة الزيدي بما وصفته نشر الغسيل، في إشارة إلى فضائح تطال الزيدي وشقيقه حسن تتعلق بفساد مالي بقيثمة 13 مليار دولار خلال أقل من عشرة سنوات.
والأسبوع الماضي، وجه الناشط والإعلامي سلام عادل الذي كان أحد المدافعين عن الفصائل المسلحة ومنها الكتائب اتهامات لزعيم كتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي (أحمد محسن فرج الحيمداوي) بمساومة الدولة من أجل الحصول على مناصب عليا في الدولة، وأكد أن الحيمداوي هو رجل مقاول ومساوم وتاجر ورجل أعمال لكنه يتحدث باسم المقاومة، وأشار إلى أن أمين عام الكتائب وأبنائه وأشقائه وأبناء أشقائه يمتلكون شركات واستثمارات في مختلف المجالات والقطاعات.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام