انتهى الجمود الذي ضرب برلمان إقليم كردستان العراق والذي استمر لأكثر من عامين، لكن إزالة هذا فجر أزمة سياسية بين الاتحاد الوطني المعترض على ما حصل في جلسة البرلمان مؤخرا، وبين الحزب الديمقراطي الذي انتقلت له إدارة برلمان الإقليم على عكس العرف السائد المتضمن تولي الاتحاد الوطني للمنصب.

وعلى الرغم من أن الخلاف بين الديمقراطي والاتحاد ليس جديدا، لكنه هذه المرة قد يدخل الإقليم بتطورات غير مسبوقة، لا سيما مع تلويح الاتحاد بخيار الإدارتين في كردستان، ما يعني ضرب وحدة إقليم كردستان الذي حافظ على كيانه ووحدته لأكثر من عقدين.

ونجح الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني وحلفاؤه في إعادة الحياة لبرلمان الإقليم الأربعاء الماضي، واختار في جلسة البرلمان مرشحته فالا فريد إبراهيم رئيسة للبرلمان، وممثل المكون المسيحي رامي نوري عوديش نائباً لرئيس البرلمان، وممثلة المكون التركماني منى نبي نادر سكرتيرة للهيئة الرئاسية، وسط مقاطعة الاتحاد الوطني الكردستاني، وحليفه الأبرز الجيل الجديد، وعدد من القوى الكردية الصغيرة الأخرى.

وقبيل يوم من الجلسة التي عقدت الأربعاء الماضي، دعت كتلة الحزب الديمقراطي والكتلة المسيحية وكتلة حزب الإصلاح التركماني، الكتل البرلمانية الأخرى إلى عقد جلسة لتفعيل برلمان إقليم كردستان العراق.

طالباني يلوح باختيار رئيس وحكومة في السليمانية

لكن تفعيل برلمان الإقليم بالطريقة التي لا ترضي الاتحاد الوطني دفع الأخير إلى عدم الاعتراف بنتائج الجلسة وأي مخرجات لها لاحقا، وإعلان الانسحاب من حكومة الإقليم.

وقال رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني في كلمة مصورة تابعتها "الساعة": إن "الاتحاد الوطني قرر الانسحاب من حكومة إقليم كردستان الفاشلة".

وأضاف أن "الاتحاد كان يطمح إلى تشكيل حكومة تختلف عن الحكومات السابقة، وإقامة علاقات أفضل مع بغداد"، لافتا إلى أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يحترم الديمقراطية ولا إرادة الشعب"، حسب تعبيره، متهما أياه "بعرقلة الجهود للتقارب بذرائع مختلفة".

وأكد طالباني أن الاتحاد الوطني لا يعترف ببرلمان إقليم كردستان ولا بالجلسة البرلمانية، وختم رسالته مخطابا الحزب الديمقراطي الكردستاني بالقول: إن "أي خطوة ستقومون بها سنرد عليها، إذا عينتم رئيساً للاقليم سنعين رئيسا للاقليم نحن أيضا، وإذا عينتم رئيسا للحكومة سنعين نحن أيضا رئيسا للحكومة وحتى إن عينتم أي وزير سنقوم نحن أيضا بتعيين وزير فإي خطوة منكم ستقابل بالرد مثلها".

هل أطلقت رصاصة الرحمة على التوافق الكردي؟

وفي هذا الصدد، يؤكد عضو الاتحاد الوطني أحمد الهركي أن ما جرى خطوة خاطئة وقد تكون رصاسة الرحمة على ما تبقى من التوافق السياسي الذي تعتمد عليه العملية السياسية في إقليم كردستان.

وقال الهركي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تفرد جهات معينة بعقد جلسة واختيار هيئة رئاسة البرلمان يمثل خطوة خاطئة وقد تكون رصاسة الرحمة على ما تبقى من التوافق السياسي الذي يعتمد عليه الإقليم".

وأضاف أن "التوافق السياسي بين الاتحاد والديمقراطي كان الأساس الذي اعتمدت عليه عملية توحيد الإدارتين في الإقليم عام 2006، وكذلك كان الأساس في تشكيل الحكومات في كردستان، لكن ما حصل الأربعاء في البرلمان كان خاطئا ومرتكز على سوء تقدير من الحزب الديمقراطي وستكون لهذا الإجراء تداعيات سلبية على وحدة الصف الكردي والتي هي غائبة منذ العام 2018 وكانت واضحة منذ وفاة الزعيم الكردي جلال طالباني".

وأشار الهركي إلى أن "المجلس القيادي للاتحاد ورئيس الحزب بافل طالاني قررا عدم التعامل مع ما حصل في جلسة البرلمان الأخيرة، كما قررا الانحساب من الحكومة الحالية في الإقليم، وعن أي خطوات تصعيدية لاحقا شدد الهركي على أن الخيارات مطروحة ولكن من المبكر لأوانه الحديث عنها".

الديمقراطي يدعو الاتحاد لتشكيل الحكومة

لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني يرى ما جرى بأنه خطوة لا تستهدف غريمه الاتحاد، وإنما عودة الحياة لبرلمان كردستان نحو تعزيز مؤسسات الإقليم.

وهنأ رئيس الحزب مسعود بارزاني في بيان شعب كردستان وهيئة رئاسة البرلمان وجميع الأطراف السياسية بهذه المناسبة، معرباً عن تقديره للبرلمانيين الذين أسهموا في إعادة تفعيل المؤسسة الدستورية، واضطلعوا بمسؤولياتهم القانونية والوطنية.

وقال بارزاني: إن "استئناف عمل البرلمان يمثل خطوة في اتجاه حماية إقليم كردستان وتعزيز مؤسساته"، مؤكداً أن "هذه الخطوة لا تستهدف أي شخص أو طرف سياسي، وإنما تصب في خدمة المصالح العليا لشعب كردستان والعملية السياسية في الإقليم".

ودعا الأطراف السياسية التي لم تشارك في جلسة البرلمان إلى "الانضمام إلى أعماله والمشاركة في جلساته المقبلة، والعمل بصورة مشتركة من أجل خدمة شعب كردستان ودعم العملية السياسية والمساهمة في إنجاز خطواتها اللاحقة"، وشدد على أن "المرحلة المقبلة تتطلب تعاون مختلف القوى السياسية وتضافر جهودها بما يخدم المصالح العامة للإقليم".

كما رحب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني بإعادة تفعيل عمل برلمان الإقليم، داعياً جميع القوى السياسية إلى المشاركة الفاعلة في أعماله، وحل خلافاتها تحت قبته.

واكد في بيان على أن "الحوار والتوافق والشراكة بين جميع القوى السياسية تمثل الأساس لتجاوز الخلافات ومواجهة التحديات"، مشدداً على أن "تحقيق الاستقرار السياسي وحماية مؤسسات إقليم كردستان مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع".

كيف سيتعامل الديمقراطي مع تصعيد الاتحاد؟

في هذا السياق، يؤكد عضو الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة أن أي خطوات تصعيدية يلجأ إليها الاتحاد ويهدد بها سيتم الرد عليها من الحزب الديمقراطي وبما يضمن المصلحة العليا للإقليم.

وقال زنكة في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخطوات التصعيدية التي يهدد بها الاتحاد ربما ستكون بداية لحفر قبر الاتحاد بيده خاصة وأنها تهدد استقرار الإقليم".

وأضاف: أن "الاتحاد ومنذ جلسة الأربعاء يتعامل بشكل غير لائق وغير قانوني، ويهدد وحدة إقليم كردستان بفصل السليمانية عن إقليم كردستان"، مبينا أن "الحزب الديمقراطي سيتعامل كعادته بعقلانية مع أي ردود أفعال ولكنه بما لا يقبل الشك سيرد على أي خطوات تصعيدية أو أي هجمات سياسية وغير سياسية بالشكل المطلوب".

وأشار زنكنة إلى أن "جلسة برلمان الإقليم كانت قانونية بشكل واضح، وحقق النصاب المطلوب وأنهت الحالة اللا قانونية التي كان البرلمان يعاني منها بسبب تعطيله".

وأكد عضو الديمقراطي أن "الحزب سينتظر الاتحاد الوطني للمشاركة في تشكيل حكومة الإقليم وانتخاب رئيسه، ولكن وقت الانتظار لن يكون مفتوحا"، منوها إلى أن "الاتحاد هو عادة ما يخلق الأزمات ويروج لجمهوره الشعور بالغبن والظلم بينما هو في الحقيقة يسعى للحصول على مناصب كبيرة لا تدخل ضمن استحقاقه وثقله السياسي والانتخابي".

وتسببت حالة الجمود السياسي بشلل تام في برلمان الإقليم منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في 20 تشرين الأول 2024، والتي أسفرت عن تصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ39 مقعداً، يليه الاتحاد الوطني الكردستاني بـ23 مقعداً، وحراك الجيل الجديد بـ15 مقعداً، من أصل 100 مقعد.