تفتح زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى سوريا أفاق تعاون بين البلدين لطالما اتسمت بالبرود والقلق خلال العامين الماضيين، على خلفية التجذابات السياسية والاختلاف بين البلدين، لا سيما وأن دمشق خرجت من العباءة الإيرانية عقب سقوط نظام بشار الأسد، فيما تزال الأطراف السياسية المتنفذة في العراق تميل بعلاقاتها إلى الجانب الإيراني.

وجاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي لتؤكد حرص بغداد على إعادة ترتيب العلاقات الإيجابية بالمحيط العربي، حيث تبدو خطوات الزيدي أكثر توازنا ممن سبقه، خاصة في ترتيب العلاقات مع إيران من جهة، والغرب والعالم العربي من جهة أخرى.

واختتم الزيدي زيارة رسمية وصفت بالناجحة إلى سوريا، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، وبحثت تعزيز التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة، وغيرها من المجالات.

وأكد الزيدي وفق بيان صدر عن رئاسة الحكومة العراقية، العمل على تطوير الشراكة والتعاون المشترك في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والعمل لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

وأضاف البيان العراقي: أن "اللقاء ناقش عددا من القضايا، من بينها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يوميا، وزيادة حجم التبادل التجاري، وكذلك العمل المشترك لتطوير القطاع الزراعي، لتحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي.

كما شملت زيارة الزيدي مرقد السيدة زينب في العاصمة دمشق، والجامع الأموي التاريخي، حيث أعلن الزيدي عن قرب عودة الزيارات الدينية من العراق إلى المواقع الدينية في دمشق والتبرع بمبلغ 10 ملايين دولار من حسابه الشخصي لدعم استقبال الزوار في مرقد السيدة زينب والجامع الأموي، وهو ما اعتبره الكثير من العراقيين خطوة إيجابية حققتها الدبلوماسية والتفاهمات السياسية بعد أن تسبب تصعيد الفصائل العراقية بقطيعة وتوتر في العلاقة بين الجانبين، وأثبتت برأيهم زيف الإداعات التي سوقتها المجاميع المسلحة الموالية لطهران عن حماية المراقد الدينية في سوريا طيلة السنوات السابقة.

حفاوة استقبال سورية للزيدي

حضي الزيدي باهتمام سوري بالغ واستقبال مهيب في العاصمة دمشق، حيث جرى استقباله على غير العادة من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع في مطار دمشق، في حين أشاد الزيدي بحفاوة استقباله من قبل الجانب السوري، وقال في خطابه مع الشرع: إننا "سعيدون بحفاوة الاستقبال حيث تم استقبالنا بقلوب السوريين قبل عيونهم، وأن الجغرافيا تفرض أن الجار هو الأقرب، ولكن الحكمة تقول إن الأقرب هم أصحاب الدم الواحد، وهو ما ينطبق على العراق وسوريا"، وأضاف: أن "العراقيين والسوريين شعب واحد في دولتين، ونسعى لتطوير علاقتنا بسوريا على مختلف المجالات".

فيما وجه دعوة إلى الرئيس السوري بزيارة بغداد، وقال "ننتظركم في بغداد لنكون نحن الضيوف وأنتم أصحاب الدار".

وسبق للرئيس السوري أحمد الشرع أن أكد في مقابلة بثتها قناة دجلة العراقية أن المصالح التي تجمع البلدين متقدمة على أي سياسات مزاجية.

وقال الشرع: إن "القضايا المشتركة مع العراق كبيرة جدا منها قضايا أمنية واجتماعية واقتصادية"، مبينا أنه "خلال السنة والنصف الماضية تم بناء العديد من الأمور الإيجابية في العلاقة السورية العراقية وخاصة في الأمور الاقتصادية".

وزيارة الزيدي هي أول زيارة لرئيس وزراء عراقي منذ التغيير في سوريا نهاية 2024، وسبقتها زيارات لعدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والقضائيين العراقيين إلى دمشق.

ويسعى العراق لتعزيز علاقته بسوريا بضغط فرضته على بغداد 3 عوامل، الأول الأصوات العراقية المطالبة بإقامة علاقات متميزة ومتينة مع سوريا باعتبارها العمق الجغرافي للعراق والعكس بالنسبة لسوريا، وهو ما طالبت به العديد من القوى العراقية البعيدة عن الخط الإيراني، أما الضغط الثاني وهو الأهم فرضته ظروف وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز الذي دفع العراق إلى البحث عن منافذ جديدة توصله بالعالم، حيث تعد سوريا وسواحلها على البحر المتوسط أقرب وأهم تلك المنافذ بالنسبة للعراق، أما العامل الثالث الضاغط هو اشتراك البلدين بحدود تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، وهو ما يجعل التطورات الأمنية على جانبي الحدود ذات تأثير مباشر في البلدين ولا سيما الجانب العراقي، الذي ظل يترقب بخشية أي تطورات على الحدود عقب الإطاحة بنظام الأسد.

علاقات واعدة بعد تصفير الأزمات

وتركز زيارة الزيدي على الأهداف الاقتصادية، بحسب ما أكدت الباحثة السياسية نوال الموسوي، التي أشارت إلى أن الغرض الأبرز للزيارة يتركز على تطوير التعاون الاقتصادي وتفعيل خط بانياس النفطي.

وقالت الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الزيارة مخطط لها في وقت سابق والطرفان كانا أجريا استعدادات وترتيبات سبقت تلك الزيارة"، وبينت أن "زيارة بعض المسؤولين العراقيين في وقت سابق إلى دمشق واختتام تلك الزيارات بزيارة رئيس مجلس القضاء القاضي فائق زيدان ساهمت في تصفير الأزمات بين بغداد ودمشق وخلقت اجواء أكثر إيجابية بين الجانبين".

وأوضحت أن "وصول الزيدي إلى دمشق جاء تتويجا للجهود السابقة ولكل النجاحات التي تحققت طيلة الفترة الماضية على صعيد التفاهمات السياسية والأمنية بشأن تأمين الحدود"، مشيرة إلى أن "الجانب السوري كان قد أرسل رسائل إيجابية وأثبت حسن النية فيما يخص المخاوف العراقية على الحدود وهو ما أسهم بتقارب الجانبين بشكل سريع".

وأضافت الموسوي: أن "الزيارة ستفتح المزيد من الآفاق على مستويات التبادل التجاري والاقتصاد وفتح الحدود البرية بشكل واسع أمام الزوار من البلدين وتنشيط الخط النفطي العراقي السوري إلى بناياس، فضلا عن التنسيق والتعاون بشكل أكبر في المجال الأمني وتأمين الشريط الحدودي".

ولفتت إلى أن "الجانب الاقتصادي هو الأهم في هذه الزيارة، لا سيما فيما يخص عودة تفعيل خط بانياس، الذي من شأنه أن ينقل مستوى التفاهم بين بغداد ودمشق إلى مراحل متقدمة، خاصة وأن العراق بأمس الحاجة إلى مصادر ومنافذ جديدة لتصدير النفط بعد أزمة مضيق هرمز".

زيارة تؤكد استقلالية القرار العراقي

من جانبه يرى الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي أن البعد الأهم في زيارة الزيدي يتمثل في ترسيخ دور الدولة العراقية بوصفها المرجعية الأساسية لإدارة العلاقات السياسية والأمنية، بعيداً عن منطق التدخلات العسكرية غير النظامية وحسابات القوى من غير الدولة.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "زيارة الزيدي إلى دمشق تحمل أبعاداً استراتيجية مهمة لمستقبل العراق والعلاقات الإقليمية، إذ تمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة العراقية السورية على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة وتعزيز دور المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات المشتركة".

وأضاف: أن "أهمية الزيارة تبرز في تعزيز التنسيق الأمني بين البلدين لضبط الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب فتح آفاق اقتصادية واعدة، ولا سيما بحث إعادة تأهيل خط كركوك بانياس النفطي، وتنويع منافذ تصدير النفط العراقي، وتطوير الممرات التجارية والاستثمارية".

وأكد التميمي أن "البعد الأهم في الزيارة يتمثل في ترسيخ دور الدولة ومؤسساتها الرسمية بوصفها المرجعية الأساسية لإدارة العلاقات السياسية والأمنية، بما يعزز قدرة بغداد على حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن منطق التدخلات العسكرية غير النظامية وحسابات القوى من غير الدولة".

وختم حديثه قائلا: إنه "من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها خطوة باتجاه تعزيز استقلال القرار العراقي وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية لبغداد".

منافع واسعة لكنها مرهونة بالتنفيذ

أما على الصعيد الاقتصادي، فيؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد أن الزيارة تكتسب أهمية اقتصادية واسعة بالنسبة للعراق في وقت يبحث فيه عن منافذ جديدة لصادراته النفطية التي تعطلت في الأشهر الماضية بسبب أزمة هرمز.

وقال عيد في حديث مع "الساعة": إن "زيارة الزيدي ركزت بشكل خاص على الجانب الاقتصادي، حيث من المتوقع أن تحقق أهمية ومكاسب اقتصادية للجانبين على مستوى بناء علاقات تجارية جديدة وتعزز التعاون في مجال النقل والطاقة والاستثمار والتبادل التجاري".

وأضاف أن "الجانب العراقي يمكن أن يحقق مكاسب بشكل أكبر من هذه العلاقات، لأنها ستمنحه فرصة الوصول إلى البحر المتوسط وبالتالي الارتباط بطرق نقل عالمية جديدة بعد اضطراب الطرق القديمة التي كان يعتمد عليها العراق وهي الخليج العربي والمرور بمضيق هرمز".

وأضاف عيد: أن "الاسراع في تفعيل خط بانياس يعد أبرز ثمرات هذه الزيار، إذ وبحسب الإعلان العراقي تسعى بغداد لرفع طاقتها التصديرية من النفط إلى الميناء السوري لنحو 2 مليون برميل يوميا، وهو ما قد يساهم بشكل كبير في تجاوز العراق لأي مطبات مقبلة في حال إغلاق هرمز مجددا"، لكنه رهن النجاح وتحقيق المكاسب الإيجابية من هذه التوافقات واللقاءات بالقدرة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، لاسيما وأن تفعيل خط بانياس وغيرها من التوافقات تتطلب اتفاقات واضحة  بشأن التمويل والتنفيذ وحماية البنية التحتية والاستثمارات وغيرها من الأمور، مبينا أن "بغداد ودمشق ستحققان منافع اقتصادية متبادلة بشكل واسع جدا بشرط أن يضمنان تنفيذ ما تم التواصل بشأنه والاتفاق عليه".