لطالما تغنى العالم بالأصوات العراقية سواء في تلاوة القرآن أو الإنشاد والغناء، وقد لمع نجم الكثيرين منهم على المستويين المحلي والعربي، لكن صوتا وحيدا ذاع وأطرب وغرد خارج السرب بأسلوب عراقي عرفه العالم به وعرّفه للعالم هو، فمن هو محمد العزاوي؟
ارتبط اسم القارئ والمنشد العراقي محمد العزاوي بمرحلة بارزة من تاريخ النشيد الإسلامي المعاصر، إذ جمع بين تلاوة القرآن الكريم والأداء الإنشادي، مستثمرا علمه بالمقامات العراقية في تقديم لون فني تميز به عن كثير من أبناء جيله.
ومن خلال صوته وأعماله وبرامجه الإعلامية، امتد حضوره من العراق إلى دول الخليج والعالم العربي، ليُعرف بألقاب عدة، أبرزها "منشد الرافدين" و"أستاذ المقامات العراقية" و"أستاذ المنشدين".
النشأة والتكوين
ولد محمد ناصر العزاوي عام 1970 في محافظة ديالى، ونشأ في بيئة ارتبطت بالقرآن الكريم والخطابة، إذ كان والده إماما في أحد مساجد المحافظة، وهو ما أسهم في توجيه اهتمامه المبكر نحو التلاوة والعلوم الإسلامية.
واتجه العزاوي إلى الدراسة الأكاديمية، فالتحق بكلية العلوم الإسلامية في جامعة بغداد، وتخرج فيها عام 1997، ثم واصل دراسته العليا حتى حصل على درجة الماجستير في التخصص نفسه.
وجمع في تكوينه بين الدراسة الشرعية والاهتمام بالأداء الصوتي، وهو ما انعكس على تجربته في تلاوة القرآن والإنشاد.
وعمل العزاوي إماما وخطيبا في عدد من المساجد داخل العراق وخارجه في إمارة عجمان الإماراتية، وظل القرآن الكريم حاضرا في مسيرته، إلى جانب نشاطه في مجال النشيد الإسلامي.
الانتقال إلى الإمارات وبداية الانتشار
في عام 1998، انتقل محمد العزاوي للإقامة في دولة الإمارات، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته.
وقد أتاحت له إقامته هناك توسيع دائرة حضوره، والمشاركة في أنشطة ومهرجانات إنشادية، والتواصل مع جمهور في منطقة الخليج العربي.
وشارك في مهرجانات أقيمت في جدة والشارقة ومدن أخرى حيث قدم أعماله أمام جمهور متنوع.
وخلال تلك المرحلة، أخذ اسمه يتردد بين محبي النشيد الإسلامي، ولا سيما مع تميز أدائه واعتماده على المقامات العراقية، التي منحته بصمة خاصة في التعامل مع النصوص الدينية والوجدانية.
غير أن إقامته خارج العراق لم تكن خالية من الصعوبات؛ فقد تحدث في أحد حواراته عن القيود التي واجهته في التنقل والمشاركة في بعض المهرجانات الدولية بسبب صعوبات السفر المرتبطة بجواز السفر العراقي، رغم تلقيه دعوات من دول عربية وأوروبية.
المقامات العراقية في النشيد الإسلامي
شكّلت المقامات العراقية ركنا أساسيا في تجربة محمد العزاوي، فقد حافظ على هويته العراقية شكلا ومضمونا، بل أنه اكتسب جمهورا واسعا من محبي الصوت وطريقة الأداء العراقية.
وقد أسهمت هذه التجربة في ارتباط اسمه بالمقامات العراقية، حتى أصبح لقبه "أستاذ المقامات العراقية" من الألقاب التي اشتهر بها في الأوساط المهتمة بالإنشاد.
كما كان يرى أن النشيد الإسلامي العراقي تراجع حضوره في مراحل مختلفة بفعل الظروف السياسية التي شهدها العراق بعد عام 2003، وكان يطمح إلى استعادة مكانته وتقديم تجربة عراقية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع.
تجربة إعلامية في قنوات متخصصة
عمل محمد العزاوي في قناة "المجد" الفضائية، وقدم برامج متخصصة في النشيد الإسلامي، مستفيدا من خبرته في الأداء والمقامات ومعرفته بمجال الإنشاد.
كما شغل منصب مساعد المدير العام في قناة "شدا" الإنشادية، وأسهم في العمل الإعلامي المتصل بهذا المجال، في مرحلة شهدت توسع حضور القنوات المتخصصة في الأناشيد والبرامج ذات الطابع الإسلامي.
وأتاح له هذا العمل الجمع بين الأداء والتقديم الإعلامي، والمشاركة في التعريف بفن النشيد ومدارسه، فضلا عن نقل خبرته إلى المنشدين والمهتمين بهذا اللون الفني.
أعمال أيقظت قلوب الشباب
أصدر محمد العزاوي ثلاثة ألبومات إنشادية هي "أمنية العمر" و"الارتقاء" و"مع الله"، وقدم مجموعة من الأعمال التي ارتبطت باسمه، وتداولها جمهور النشيد الإسلامي في العراق وعدد من الدول العربية.
ومن أبرز أعماله، "مع الله" وهي من أشهر أناشيده، من كلمات الشاعر السوري عبد المعطي الدالاتي، وقد ارتبطت بمعاني الصلة بالله والتوجه إليه، و "يا قارئ القرآن" وهو عمل إنشادي يتصل بالقرآن الكريم ومكانته في حياة المسلم.
وله أعمال فنية أخرى منها "حار فكري" و "دمانا فداك وأبناؤنا" وهي نشيد للدفاع عن النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" بعد واقعة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لحضرة النبي.
ولم يعتمد العزاوي في تجربته على كثرة الإصدارات بقدر اهتمامه بتقديم أعمال تحمل مضمونا واضحا ورسالة هادفة.
أثره في المنشدين
امتد أثر محمد العزاوي إلى عدد من المنشدين الذين عاصروه أو تعلموا منه، وكان شقيقه مصطفى العزاوي، المنشد المعروف بمشاركته السابقة في قناة "طيور الجنة"، من أبرز من تحدثوا عن تأثيره في مسيرتهم.
فقد أشار مصطفى إلى أن شقيقه كان يصطحبه إلى المهرجانات الدينية، ويعلمه التجويد والمقامات، ويساعده على التعرف إلى أساليب الأداء الإنشادي، حتى وصفه بأنه بمنزلة الأب له.
وتعكس هذه التجربة جانبا من دور العزاوي الذي تجاوز تقديم الأناشيد إلى نقل المعرفة والخبرة، ومساعدة الأصوات الجديدة على اكتساب أدوات الأداء والتعامل مع المقامات.
العودة إلى بغداد والوفاة
بعد سنوات من الإقامة والعمل في الإمارات، عاد محمد العزاوي إلى بغداد، حيث واصل حضوره في الأوساط المهتمة بالقرآن الكريم والنشيد الإسلامي.
وقد كان كثير الحنين إلى وطنه العراق وعاصمته بغداد فهو الذي أنشد "حنينٌ إلى بغداد" وأنشد مع أخيه مصطفى العزاوي "غربة وطن" وكان شديد الاعتزاز بلقب "منشد الرافدين" لارتباطه ببلده الأم.
وفي 27 تشرين الأول عام 2023، توفي في العاصمة العراقية إثر إصابته بنوبة قلبية، عن عمر ناهز 53 عاما.
وأثار خبر وفاته تفاعلا بين محبيه ومستمعي أعماله، الذين استعادوا أناشيده ومشاركاته، وما ارتبط بصوته من أعمال انتشرت على نطاق واسع في العالم العربي.
إرث صوتي يتجاوز حدود العراق
تمثل تجربة محمد العزاوي مسارا جمع بين التكوين الشرعي والتلاوة والإنشاد والعمل الإعلامي، متخذا من المقامات العراقية وأبرزها "الكرد" أساسا في مشواره وشامة تميزه عن أقرانه.
فقد انتقل بصوته من المساجد إلى المهرجانات والقنوات الفضائية، وقدم أعمالا وجدت طريقها إلى جمهور واسع خارج العراق.
وتبرز أهمية تجربته في سعيه إلى تقديم النشيد الإسلامي بلون عراقي، يجمع بين خصوصية المقام ووضوح الكلمة ومضمونها.
وبوفاته، فقدت الساحة الإنشادية العراقية والعربية صوتا ارتبط اسمه بالمقامات العراقية والنشيد الإسلامي، فيما بقيت أعماله شاهدا على مرحلة من تطور هذا الفن، وعلى تجربة سعت إلى الجمع بين الهوية الصوتية العراقية والرسالة الدينية للنشيد.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام