يُعدّ الدكتور فاضل صالح السامرائي من الأسماء البارزة في الدراسات اللغوية والنحوية العربية المعاصرة، وقد ارتبط اسمه بصورة خاصة بدراسة النحو والبلاغة والتعبير القرآني. وتميزت أعماله بمحاولة الكشف عن الدلالات التي تؤديها التراكيب والألفاظ في السياق، ولا سيما في القرآن الكريم، مع الاستناد إلى القواعد النحوية والبلاغية لفهم الفروق الدقيقة بين الأساليب والتعبيرات. وقد أسهم هذا الاتجاه في تقديم الدراسات اللغوية والبيانية إلى جمهور أوسع من المتخصصين والقراء المهتمين باللغة العربية وعلوم القرآن.

النشأة والتعليم والمسيرة الأكاديمية

وُلد فاضل صالح السامرائي في مدينة سامراء عام 1933م، ونشأ فيها وأكمل مراحل دراسته الأولى قبل أن ينتقل إلى بغداد لمتابعة دراسته في مجال اللغة العربية. والتحق بدار المعلمين العالية، التي أصبحت لاحقاً كلية التربية، وتخصص في اللغة العربية، ثم واصل دراساته العليا في كلية الآداب. 

وفي مصر حصل على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس في قسم اللغة العربية عام 1968م، وكانت دراساته العليا مرتبطة بالتراث النحوي واللغوي العربي، بعد إكمال دراسته، اتجه السامرائي إلى العمل الأكاديمي والتدريس الجامعي، وقضى جانباً كبيراً من مسيرته أستاذاً لمادة النحو في جامعة بغداد.

 كما عمل في عدد من الجامعات العربية، ومنها جامعات في الكويت والإمارات، قبل أن ينتقل إلى جامعة الشارقة، حيث درّس النحو والتعبير القرآني في الفترة التي قضاها هناك. وتشير المصادر التعريفية به إلى أنه أصبح عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي عام 1996م، بعد أن عمل في لجنة الأصول فيه.

اهتمامه بالنحو واللغة العربية

احتل النحو موقعاً أساسياً في المشروع العلمي لفاضل السامرائي، ولم يتعامل معه باعتباره مجموعة من القواعد الإعرابية المجردة فحسب، بل اهتم بالعلاقة بين التركيب النحوي والمعنى. ومن هنا جاءت عنايته بدراسة الجملة العربية، ومعاني الأبنية، ودور التقديم والتأخير والحذف والذكر واختلاف الصيغ في أداء المعنى.

ومن أبرز أعماله في هذا المجال كتاب "معاني النحو" الذي صدر في أربعة أجزاء، إلى جانب كتب مثل «الجملة العربية والمعنى» و"الجملة العربية: تأليفها وأقسامها" و"معاني الأبنية في العربية" و"تحقيقات نحوية". وتكشف هذه المؤلفات عن اهتمامه بتفسير الظاهرة النحوية من خلال دلالتها في السياق، وليس من خلال الجانب الإعرابي وحده.

وقد امتد اهتمامه كذلك إلى التراث النحوي القديم، فدرس عدداً من أعلام النحو واللغة، ومن بينهم ابن جني والزمخشري وأبو البركات ابن الأنباري. ومن أعماله في هذا المجال «ابن جني النحوي»، و"الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري"، و"أبو البركات ابن الأنباري ودراساته النحوية"، وهي دراسات تتصل بتاريخ التفكير النحوي العربي ومناهج علمائه.

التعبير القرآني والجانب البياني

ارتبط اسم السامرائي بصورة واسعة بدراساته في التعبير القرآني والبلاغة، إذ اهتم بالبحث في سبب اختيار القرآن الكريم لفظاً أو تركيباً معيناً في موضع، واختلافه عن موضع آخر قد يبدو مشابهاً له. وينطلق في ذلك من دراسة السياق، والبنية النحوية، ودلالة الألفاظ، والعلاقة بين أجزاء النص، للوصول إلى الفروق الدلالية والبيانية بين التعبيرات.

ومن أبرز كتبه في هذا المجال "التعبير القرآني"، الذي تناول فيه موضوعات لغوية وبيانية مثل التقديم والتأخير والذكر والحذف وغيرها من الظواهر الأسلوبية في القرآن الكريم. وقد سجلت المكتبة الوطنية العراقية الكتاب ضمن مؤلفات السامرائي في بلاغة القرآن، وصدر عن جامعة بغداد عام 1987م في إحدى طبعاته.

كما ألّف "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل"، و"بلاغة الكلمة في التعبير القرآني"، و"على طريق التفسير البياني"، و"أسئلة بيانية في القرآن الكريم"، و"مراعاة المقام في التعبير القرآني"، وغيرها من المؤلفات التي ركزت على الجانب البياني والدلالي في النص القرآني. ويظهر في هذه الأعمال منهجه القائم على ربط القاعدة اللغوية بالسياق الذي وردت فيه الآية، ومحاولة تفسير اختلاف الصياغة باختلاف المعنى والمقام.

حضوره العلمي والإعلامي وأبرز مؤلفاته

لم يقتصر حضور فاضل السامرائي على الكتب والدراسات الأكاديمية، بل عُرف أيضاً من خلال مشاركته في البرامج التي تناولت اللغة العربية والبيان القرآني، ومن أشهرها برنامج "لمسات بيانية" الذي تناول فيه أسئلة تتعلق بالفروق اللغوية والتعبيرية في القرآن الكريم. وأسهم هذا الحضور في انتشار موضوعات النحو والبلاغة والتعبير القرآني خارج نطاق الدراسات الجامعية المتخصصة.

وقد ترك السامرائي عدداً كبيراً من المؤلفات في مجالات اللغة والنحو والبيان، من أبرزها: "معاني النحو" بأجزائه الأربعة، "التعبير القرآني"، "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل"، "بلاغة الكلمة في التعبير القرآني"، "الجملة العربية والمعنى"، "الجملة العربية: تأليفها وأقسامها"، "معاني الأبنية في العربية"، "تحقيقات نحوية"، "على طريق التفسير البياني"، "أسئلة بيانية في القرآن الكريم"، و"من أسرار البيان القرآني".

وتشير بعض المصادر إلى أن كتاب "معاني النحو" استغرق منه سنوات طويلة من العمل، وهو ما يعكس المكانة التي احتلها هذا الكتاب في مشروعه اللغوي؛ كما بيّن في حوار منشور الفرق بين "التعبير القرآني" و"لمسات بيانية"، موضحاً أن الأول يتناول قضايا مثل التقديم والتأخير والذكر والحذف، بينما يركز الثاني على تحليل نصوص قرآنية وإظهار جوانبها البيانية.

منهجه وأثره في الدراسات العربية

يقوم جانب مهم من منهج السامرائي على النظر إلى اللغة باعتبارها نظاماً مترابطاً تتفاعل فيه النحو والدلالة والبلاغة والسياق، ولذلك لا يكتفي عند دراسة آية أو تركيب لغوي بتحديد إعرابه، وإنما يبحث في أثر اختيار الصيغة أو اللفظ أو ترتيب الكلمات في المعنى الذي يؤديه السياق، وهذا المنهج جعله من الأسماء المعروفة في الدراسات المتعلقة بالبيان القرآني واللغة العربية في العصر الحديث.

وقد أسهمت كتبه ومحاضراته في تقريب موضوعات النحو والبلاغة من القارئ غير المتخصص، إلى جانب بقائها مرتبطة بالبحث اللغوي والأكاديمي، كما أن تعدد مؤلفاته بين الدراسات النحوية، ودراسة التراث اللغوي، والتعبير القرآني، يدل على اتساع اهتمامه باللغة العربية وعدم اقتصاره على مجال واحد.