من رحم ديالى الذي لا يعقر، ولدت البطلة العراقية، نجلة عماد، ومن مدينة بعقوبة بدأت حكاية ملهمة ﻷجيال العراق القادمة، قصة خطتها فتاة نفضت عن نفسها غبار "المفخخات"، لتتزين بذهب البطولات وترفع اسم العراق عاليا في مختلف المحافل الدولية.

انطلقت رحلة نجلة من طفولة قاسية فرضتها تداعيات العنف في العراق، إلى منصات التتويج التي كان أبرزها في دورة الألعاب البارالمبية في باريس 2024، إذ كتبت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية بإحراز الميدالية الذهبية في تنس الطاولة، لتصبح أول رياضية عراقية تحصد ذهبية بارالمبية.

لم يكن الإنجاز مجرد انتصار رياضي، بل خلاصة سنوات من التدريب والمثابرة، وتجربة إنسانية تحولت فيها محنة مبكرة إلى نقطة انطلاق نحو المنافسة على المستوى العالمي.

نجلة تبدأ قصتها بيد واحدة وأحلام كثيرة

ولدت نجلة عماد في الأول من كانون الأول عام 2004 في مدينة بعقوبة بمحافظة ديالى، وعندما كانت في الثالثة من عمرها، تعرضت لحادث غيّر مجرى حياتها، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارة والدها، وهو عسكري متقاعد، في 19 نيسان 2008.

أدى الحادث إلى بتر ساقيها وذراعها اليمنى، لتواجه منذ طفولتها تحديات جسدية ونفسية كبيرة، في وقت كانت فيه تحاول استعادة قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية.

وتحدثت نجلة في مقابلات صحفية عن صعوبة تلك المرحلة، ولا سيما عندما بدأت تدرك، خلال سنوات الدراسة، اختلاف ظروفها عن أقرانها الذين كانوا يركضون ويلعبون، بينما كانت هي تتمنى أن تتمكن من الحركة مثلهم.

غير أن دعم أسرتها أسهم في مساعدتها على تجاوز جانب من آثار التجربة، ومواصلة البحث عن طريق تستطيع من خلاله إثبات قدراتها وتحقيق طموحاتها.

البداية مع تنس الطاولة

بدأت علاقة نجلة برياضة تنس الطاولة عندما كانت في العاشرة من عمرها، بعد أن شجعها مدرب المنتخب العراقي حسام البياتي على ممارسة اللعبة، وأهداها مضربا وكرة تنس طاولة.

لم تكن البداية سهلة؛ فقد احتاجت إلى تطوير مهاراتها والتكيف مع طبيعة اللعبة باستخدام ذراع واحدة، في ظل التحديات التي فرضتها إعاقتها.

لكنها واصلت التدريب، مستفيدة من تشجيع عائلتها ومشاهدتها لرياضيين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة ويحققون الإنجازات.

وبعد نحو 6 أشهر من التدريب، شاركت في بطولة محلية في بغداد، وتمكنت من إحراز المركز الأول، في نتيجة شكلت نقطة تحول في مسيرتها الرياضية.

وفي عام 2015، بدأت رحلتها في تنس الطاولة البارالمبية، قبل أن تنضم إلى المنافسات الوطنية، وانضمت إلى المنتخب البارالمبي العراقي، ومنذ ذلك الحين، صار التدريب جزءا أساسيا من حياتها وانتقلت تدريجيا من المشاركات المحلية إلى البطولات الدولية.

من البطولات المحلية إلى المحافل الدولية

لم تتوقف مسيرة نجلة عند نجاحها الأول، بل واصلت تطوير مستواها الفني، وشاركت في بطولات خارج العراق، من بينها بطولة دولية في تايلند عام 2018، أحرزت فيها المركز الثالث.

وشهدت تلك المرحلة تطورا في أسلوب ممارستها للعبة، إذ انتقلت إلى اللعب وقوفا باستخدام الأطراف الصناعية، بعد فترة قضتها في اللعب على كرسي متحرك.

وفي عام 2020، أحرزت المركز الثالث في بطولة برشلونة الدولية، قبل أن تخوض في العام التالي أول مشاركة لها في دورة الألعاب البارالمبية بطوكيو 2020، التي أقيمت عام 2021، ممثلة العراق في منافسات تنس الطاولة.

ورغم عدم حصولها على ميدالية في تلك الدورة، شكلت المشاركة تجربة مهمة في مسيرتها، إذ منحتها فرصة الاحتكاك بلاعبات يمتلكن خبرة دولية واسعة، وأسهمت في إعدادها للمنافسات اللاحقة.

وفي دورة الألعاب البارالمبية الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023، بعد تأجيلها من عام 2022، أحرزت نجلة الميدالية الذهبية في منافسات الفردي، لتضيف إنجازا قاريا جديدا إلى سجلها.

كما حققت نتائج متقدمة في منافسات آسيوية أخرى، من بينها بطولة آسيا التي أقيمت في البحرين عام 2022، حيث أحرزت المركز الأول في فئة الشباب والمركز الثاني في فئة المتقدمين.

باريس 2024.. الذهب الذي دخل التاريخ

مثلت دورة الألعاب البارالمبية في باريس عام 2024 المحطة الأبرز في مسيرة نجلة عماد، بعدما دخلت المنافسات بطموح إحراز ميدالية ذهبية، إثر سنوات من التدريب والمشاركات الدولية.

وخلال البطولة، واجهت منافسات من مستويات عالمية، وتمكنت من تجاوز أدوار متقدمة، بينها فوزها على الفرنسية كايلود مورغان بثلاثة أشواط دون مقابل، ثم تغلبها على الروسية ماليك ألييفا بثلاثة أشواط مقابل شوط واحد، لتبلغ المباراة النهائية.

وفي النهائي، واجهت الأوكرانية ماريانا ليتوفشينكو، وتمكنت من الفوز عليها بثلاثة أشواط مقابل شوط واحد، لتحرز الميدالية الذهبية في منافسات تنس الطاولة لفئة السيدات "WS6".

وبهذا الانتصار، أصبحت نجلة عماد أول رياضية عراقية تحرز ميدالية ذهبية في تاريخ المشاركات العراقية بالألعاب البارالمبية، في إنجاز وضعها ضمن أبرز الأسماء الرياضية العراقية على المستوى الدولي.

ولم يقتصر أثر الفوز على سجلها الشخصي، بل مثّل محطة بارزة للرياضة البارالمبية العراقية، وأبرز قدرة الرياضيين العراقيين على المنافسة وتحقيق الإنجازات في المحافل الكبرى.

نجم لا يتوقف عن اللمعان

لم تكتف نجلة بما حققته من إنجازات، وواصلت البطلة العراقية تألقها في دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية "ناغويا 2026"، بإحرازها الميدالية الذهبية في دورة الألعاب، عقب فوزها على الصينية ليو شياوو بثلاثة أشواط مقابل شوط واحد في نهائي منافسات تنس الطاولة لفردي السيدات (الفئة السادسة).

وقدمت نجلة أداء استثنائيا إذ فرضت سيطرتها على منافسات البطولة ولم تخسر سوى شوط واحد طوال مشوارها في البطولة.

نجلة.. المرأة الحديدة

حظيت نجلة عماد باهتمام رسمي ورياضي عقب فوزها في باريس، إذ استقبلها وزير التعليم العالي والبحث العلمي في أيلول 2024، وسلمها أمرا وزاريا بقبولها في كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة بجامعة ديالى، ضمن قناة القبول المباشر المخصصة للأبطال، دعما لاستكمال دراستها الجامعية بالتوازي مع مسيرتها الرياضية.

وفي تشرين الثاني من العام نفسه، اختارتها مجلة "فوربس الشرق الأوسط" ضمن قائمتها لأبرز 30 شخصية رياضية مؤثرة تحت سن الثلاثين لعام 2024، تقديرا لما حققته من إنجازات في تنس الطاولة البارالمبية.

كما كرمتها وزارة الشباب والرياضة في شباط 2025، خلال مهرجان بغداد عاصمة الثقافة الرياضية، واختارتها نموذجا متميزا للمرأة العراقية، تقديرا لإنجازاتها ودورها في إبراز حضور المرأة العراقية في الرياضة الدولية.

من قسوة البيئة إلى ضعف البنية التحتية

على الرغم من النجاحات التي حققتها، واجهت نجلة عماد صعوبات تتعلق بظروف التدريب والإمكانات الرياضية المتاحة، ولا سيما في مركز التدريب بمدينة بعقوبة.

فلم يكن طريق نجاح عماد مفروشا بالورود، فتواضع بعض مرافق التدريب والمعدات التي يستخدمها الرياضيون، يسلط الضوء على التحديات التي تواجه الرياضة البارالمبية في العراق، والحاجة إلى توفير بيئة تدريبية مناسبة تساعد اللاعبين على تطوير مهاراتهم والاستعداد للمنافسات الدولية.

كما تطلبت مسيرتها جهدا إضافيا في التنقل والتدريب، إذ كانت تجمع بين التمارين في ديالى وبغداد، فضلا عن الاستعدادات الخارجية التي احتاجتها قبل بعض البطولات.

وليس الجانب المادي بمعزل عن المعاناة إذ تحصل اللاعبة على دعم مالي محدود من خلال راتب شهري نحو 500 ألف دينار، كانت تصرفه اللجنة البارالمبية، بالإضافة لتغطية تكاليف بعض الرحلات.

وتبرز هذه الظروف أهمية تطوير البنية التحتية الرياضية، وتوفير الدعم الفني والمالي للرياضيين، بما يضمن استمرار الإنجازات وعدم اقتصارها على الجهود الفردية.

نجلة عماد.. نموذج للرياضة العراقية

تمثل تجربة نجلة عماد مسيرة رياضية انتقلت من المشاركة المحلية إلى إحراز الذهب في أكبر المحافل البارالمبية، مستندة إلى التدريب المتواصل والدعم الأسري والإصرار على تطوير القدرات.

وتكتسب قصتها أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه الرياضة العراقية، إذ تقدم مثالا على ما يمكن أن يحققه الرياضي حين تتوافر له الإرادة والفرصة المناسبة، كما تعيد التأكيد على ضرورة الاهتمام بالرياضيين من ذوي الإعاقة، وتوفير الإمكانات التي تساعدهم على المنافسة وتحقيق طموحاتهم.

ومن بعقوبة إلى باريس، لم يكن إنجاز نجلة عماد مجرد ميداليات أضيفت إلى سجل العراق، بل محطة تاريخية في الرياضة البارالمبية العراقية، ارتبطت باسم شابة استطاعت أن تحول طموحها إلى إنجاز عالمي.