شيعت محافظة نينوى أمس الثلاثاء بجنازة رسمية 47 ضحية من ضحايا المقابر الجماعية الذين قتلوا على يد تنظيم "داعش" قبل 10 سنوات.
والضحايا الذين تم تشييعهم عُثر على جثثهم في مقبرة جماعية داخل كلية الزراعة والغابات في ناحية حمام العليل جنوب الموصل، وجميعهم من مناطق القيارة والشورة وحمام العليل وغالبيتهم الساحقة من قبيلة الجبور ومن الذين علموا سابقا كموظفين أو منتسبين في الأجهزة الأمنية.
وخلال سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل، ومع اقتراب انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المدينة في تشرين الأول 2016، نفذ التنظيم عمليات اعتقال طالت نحو 600 شخص من سكان جنوب الموصل، إما بسبب تعاونهم مع الأجهزة الأمنية أو بسبب انتمائهم قبل العام 2014 في صفوف الجيش والشرطة العراقية، وبحسب روايات الأهالي حينها فإن التنظيم اقتاد مئات المعتقلين لديه إلى كلية الزراعة والغابات حيث نفذ هناك مجزرة قتل جماعية بحقهم.
والعام الماضي، سلمت دائرة المقابر الجماعية 21 جثة من ضحايا المقبرة الجماعية في ناحية حمام العليل إلى ذويهم، فيما سلمت أمس الثلاثاء الوجبة الثانية بواقع 47 ضحية، وذلك بعد الانتهاء من إجراءات الفحوصات الطبية والـ DNA.
خنساء الجبور
وخيمت مظاهر الحزن على نينوى واتشحت مناطق جنوب الموصل بالسواد بالتزامن مع تشييع الضحايا ونقلهم إلى مناطقهم وقراهم لتوارى جثمانيهم الثرى، لتنتهي مرحلة مؤملة في حياة عائلاتهم، وهي مرحلة التغييب وضياع حقوق الشهداء لدى السلطات الحكومية.
ومن الصور المؤلمة التي رافقت تشييع ضحايا جنوب الموصل، وجود أكثر من ضحية من عائلة واحدة ضمن المقبرة الجماعية التي جرى فتحها وتسليم رفات الشهداء فيها، ومن بين تلك الصور استقبال الحاجة بيشة حسن الملوح التي لقبت بخنساء الجبوري بعد استقبالها جثامين 7 من أبنائها الذين استشهدوا على يد "داعش"، وهم كل من ثاير حمود الجبوري، وفرحان حمود الجبوري، وغانم حمود الجبوري وابراهيم حمود الجبوري وسالم حمود الجبوري وياسر حمود الجبوري وهاشم حمود الجبوري.
ومع مشاهد التشييع المؤلمة التي شاهدها غالبية العراقيين، كانت الرسالة الواضحة التي لا لبس فيها والتي نقلت عبر المراسيم تؤكد على مظلومية نينوى ومركزها الموصل طيلة السنوات السابقة عبر تحملها تهم الإرهاب الكيدية ضد أهلها، والتي سوق ورج لها جهات سياسية كانت تمسك بزمام السلطة لحظة سقوط الموصل بيد "داعش"، وكانت المتورط الأكبر في ملف سقوط المدينة وسيطرة "داعش" عليها ثم باقي المناطق العراقية، وهي الرسالة التي فندت الإشاعات التي تدعي تعاون أهالي المدينة مع "داعش" وعدم تحركهم للدفاع عن مدينتهم والخلاص من سيطرة التنظيم الإرهابي على المدينة.
براءة الموصل من الإرهاب
وبهذا الخصوص أكد محافظ نينوى عبد القادر الدخيل أن وجود 135 مقبرة جماعية في نينوى تفند كل الادعاءات والتهم التي توجه ظلما وزورا بحق نينوى وأهلها.
وعلى هامش مراسيم التشييع التي انطلقت من ديوان محافظة نينوى قال الدخيل في مؤتمر صحفي حضره مراسل شبكة "الساعة": إن "الحزن يخيم على نينوى من جديد، ومهما حاول أهالي المحافظة نسيان الجراح الأليمة التي تركها تنظيم "داعش" فيهم، فإن اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية وتسليم رفات الشهداء لذويهم يعيد فتح تلك الجراح".
وأضاف: أنه "من الغريب والظلم الكبير أن توجه تهمة الإرهاب إلى أهالي نينوى عامة والموصل خاصة، فهذه المحافظة بكل مناطقها ابتداء من الموصل وجنوب الموصل وسهل نينوى وتلعفر وسنجار وغيرها من المناطق، قدمت الضحايا والشهداء على يد داعش، وكان النصيب الأكبر لإجرام داعش قد طال سكان الموصل الذين فقدوا 20 ألف شخص ما تزال جثثهم موجودة في مقبرة الخسفة التي لم تكتمل إجراءات فتحها لغاية اليوم وهي أكبر المقابر الجماعية في العراق والمنطقة".
وأشار الدخيل إلى "وجود 135 مقبرة جماعية في نينوى ما يزال نحو 40 مقبرة منها لم تفتح لغاية الآن"، مبينا أن "هذه المقابر تضم جثامين الشهداء من أبناء نينوى الذين كانوا ضحايا تنظيم داعش بعد أن قدموا أرواحهم فداء للعراق من خلال العمل على تقديم المعلومات للقوات الأمنية في سبيل انجاح عملية التحرير والخلاص من هيمنة التنظيم".
وشدد الدخيل على أن "هذا العدد الكبير من المقابر الجماعية، إلى جانب وجود مقبرة الخسفة كلها تمثل صك براءة لأهالي الموصل ونينوى من تهم الإرهاب"، مؤكدا أن "هؤلاء الشهداء وهذه المقابر دليل على تكذيب كل التهم التي توجه لنينوى بالتعاون مع الإرهاب ودعمه والترحيب به".
وتعهد الدخيل بالعمل مع السلطات العراقية في بغداد من أجل انصاف ذوي الشهداء الذين تم التعرف على جثثهم وتسليمها لذويهم من خلال منحهم حقوق الشهداء بأقرب وقت.
مقبرة الخسفة
وبالحديث عن مقبرة الخسفة، أكد الدخيل وجود صعوبات بالغة في عملية فتحها، مبينا أن "هذه الحفرة غريبة الأطوار من الناحية الجيولوجية، فعمقها يزيد عن 150 مترا، وعرضها من أسفلها يزيد عن 13 كم، وتضم بداخلها مياه ووديان الأمر الذي يجعل من فتحها أمرا ليس بالسهل واليسير"، مشيرا إلى أن "الجهود متواصلة لإكمال فتحها وذلك لأهمية هذا الأمر، حيث ينتظر أهالي 20 ألف مغيب من الموصل مصير أبنائهم الذين أعدمهم داعش وألقى بجثثهم في هذه الحفرة ومن بينهم 2070 شهيدا من الموصل أعدهم داعش في يوم واحد عام 2015".
ضحايا بدون حقوق
وتنتظر مئات العائلات أبنائها الموجودين في مقبرة كلية الزراعة والغابات بناحية حمام العليل، حيث يؤكد ذوي الضحايا أن أكثر من 500 شخص ممن اعتقلهم "داعش" لم يتم استلام جثامينهم لغاية اليوم.
وقال جاسم محمد الجبوري من سكنة ناحية القيارة في حديث لشبكة "الساعة": إن "تنظيم داعش وقبيل انطلاق عمليات تحرير نينوى في تشرين الأول عام 2016 اعتقل نحو 600 شخص من مناطق جنوب الموصل من بينهم مدنيون كانوا يحاولون الفرار باتجاه مناطق سيطرة القوات العراقية قرب قضاء مخمور".
وأضاف الجبوري: أن "التنظيم اقتاد المعتقلين وغالبيتهم من قبيلة الجبور، إلى كلية الزراعة في ناحية حمام العليل، ثم قام بإعدام المئات منهم في داخل مبنى كلية الزراعة، وأعدم آخرون في مواقع أخرى مجهولة ولكنها في الأرجح جنوب الموصل".
وتابع الجبوري: أن "الكثير من ذوي الشهداء ينتظرون فتح المزيد من المقابر الجماعية، أو استكمال التعرف على جثث الضحايا في مقبرة كلية الزراعة ليتسنى دفنها والبدء بإكمال المعاملات الخاصة بمنحهم صفة الشهداء"، مؤكدا أن هؤلاء الضحايا وطيلة الفترة السابقة ولغاية الآن كانوا في عداد المغيبين الذين لا تعترف بهم مؤسسة الشهداء كشهداء ولم يتم منحهم ذويهم أي مستحقات أو رواتب مالية أسوة بعائلات الشهداء في عموم العراق.
مقابر تكذب شائعات سياسية استهدفت الموصل
وعن الرسائل الأخرى التي بعث بها التشييع الأخير لشهداء جنوب الموصل، يؤكد الناشط المدني محمد السالم أن التشييع بعث برسالتين، الأولى لجمت الأصوات التي كانت سابقا تتهم أهالي الموصل بالدعشنة، وهو ما بات معروفا لغالبية العراقيين.
وقال السالم في حديث لشبكة "الساعة": إن "الرسالة الثانية التي أرسلها التشييع هي أن شباب الموصل ورجالها كانوا رغم عدم امتلاكهم السلاح أو انخراطهم في صفوف القوات الأمنية المدرعة والمدعومة بالجو والطائرات كانوا عناصر أساسية في عملية التحرير، فالكثير منهم هرب وجازف بحياته إلى خارج مناطق سيطرة التنظيم من أجل الالتحاق في صفوف القوات المحررة، ومن لم يفلح في الخروج كان مصدرا وعينا للقوات العراقية في الحصول على المعلومات وتحديد الأهداف وغيرها، بينما وقع الكثير من شباب الموصل ونينوى بيد التنظيم بعد إخفاقهم في الهروب تارة، أو بسبب القبض عليهم من قبل داعش بسبب تواصلهم مع الأجهزة الأمنية".
وشدد على أن "الرسالة الثانية تكذب شائعات أطلقتها بعض الأحزاب والقوى الخبيثة بخصوص ترك رجال نينوى لمحافظتهم وأرضهم ونسائهم وأموالهم بيد داعش وجلوسهم بانتظار القوات المحررة التي تأتيهم من مناطق وسط وجنوب العراق من أجل إضفاء صفة الطائفية على المشهد"، ومنوها في ذات الوقت إلى أن "هذه الرسالة لا يراد منها التقليل من تضحيات القوات الأمنية العراقية التي كانت صاحبة الفضل والسبق في تحرير الموصل وغيرها من مدن العراق من سيطرة داعش، ولكن المقصود بها الأجندة السياسية التي كانت تستغل ما حصل بخبث من أجل منح عملية التحرير بعدا طائفيا ينتقص فيه من سكان الموصل تارة ومن العرب السنة تارة أخرى".
من أشاع تهمة الإرهاب على المجتمع السني؟
أما رئيس مؤسسة الميثاق للتنمية والديمقراطية سعد عامر فأكد أن بعض الجهات المحلية والإقليمية عملت طيلة السنوات السابقة على إضفاء صورة الإرهاب على المجتمع العربي السني في العراق بشكل عام ونينوى بشكل خاص من أجل استبعاد هذا المجتمع عن المشاركة الفعلية في القرار وإدارة مؤسسات الدولة.
وقال عامر في حديث لشبكة "الساعة": إن "نينوى سجلت بشكل رسمي وجود أكثر من 135 مقبرة جماعية بعضها تم فتحها وبعض لم يفتتح والآخرى تم اكتشافها دون افتتاحها"، مبينا أن "هذه المقابر دليل دامغ على وحشية داعش بحق سكان نينوى من جميع المكونات والطوائف"، ولافتا إلى أن "داعش كان قد وزع ظلمة بعدالة على جميع الجهات سواء العرب والكرد والتركمان والإيزيدية والسنة والشيعة دون تمييز".
وأضاف عامر: أن "ملف المقابر الجماعية في نينوى بات من الملفات المهمة والحساسة التي يجب حسمها بشكل عاجل بعد 10 سنوات من التحرير"، مشيدا بـ"دور رئاسة محكمة استئناف نينوى بالإسراع في إجراءات بعض المقابر ومنها مقبرة الخسفة التي أغلب ضحاياها من العرب السنة ومن مدينة الموصل وجنوبها تحديدا".
وأكد أن "فتح المقابر وتسليم الرفات لذويها من شأنه أن يعالج الكثير من المشاكل الاجتماعية الحاصلة، وأن ينصف قليلا ذوي الشهداء ويمنحهم حقوق الشهداء كأقرانهم الآخرين، كما من شأنه توفير قرائن وشهادات أصولية على ما حصل بحق نينوى والموصل في تلك الحقبة".
وتابع عامر: أن "بعض الجهات المحلية والإقليمية كانت تعمل على طمس الحقائق، من خلال الترويج لإشاعات أن المجتمع العربي السني والمجتمع في نينوى كان متعاونا مع الإرهاب، لكن الوقائع تثبت عكس ذلك، فأهالي نينوى كان في طليعة العراقيين الذين قدموا التضحيات والخسائر، وأبرزها الخسائر في الأرواح، حيث خسرت نينوى أكثر من 30 ألف شهيد على يد الإرهاب والعمليات العسكرية، وكذلك خسرت الكثير من البنى التحتية والمواقع الأثرية والمساجد والمزارات الدينية، حيث طالت الحصة الأكبر لوحشية داعش مواقع العبادة الخاصة بالمسلمين السنة في نينوى".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغراماخترنا لك
اعتقال عالم آثار بسبب تعليق.. هل عاد العراق إلى الدكتاتورية وتكميم الأفواه؟
بغداد تبدأ بحصر سلاح الفصائل الإيزيدية.. هل اقتربت مشكلة سنجار من الحل؟
أراضي نينوى الممنوعة من البناء تفجر نزاعا إدارياً وقانونياً.. هل يكون الحسم لحملة السلاح؟
مجلس نينوى حسم الملف.. فلماذا ما تزال الأراضي ممنوعة من البناء؟