على الرغم من تصويت مجلس محافظة نينوى على حل مشكلة الأراضي الممنوعة من البناء والواقعة شرقي مدينة الموصل، إلا أن تلك المشكلة لم تحل لغاية الآن، ويبدو أنها لن تحسم قريبا بسبب رفض الجهات المانعة المتمثلة بقوات اللواء 30 في الحشد الشعبي "لواء الشبك" البناء على تلك الأراضي وتطبيق قرار الحكومة المحلية القاضي بالسماح لأصحاب الأراضي البناء عليها فوراً، شرط أن يكون يمتلك سنداً رسمياً من دائرة التسجيل العقاري.
وصوت مجلس محافظة نينوى في الـ 30 من حزيران الماضي بالأغلبية على قرار بالسماح لأصحاب الأراضي الممنوعين من البناء في أحياء قزة فخرة وجليوخان والعباسية الواقعة شرقي الموصل، وذلك بعد منعهم من قبل اللواء 30، بذريعة أن البناء سيؤدي إلى تغيير ديموغرافية مناطق سهل نينوى التي يسكنها خليط من المكونات أبرزها العرب والكرد والشبك والمسيحيين والإيزيدية.
وتضمن تصويت مجلس نينوى تكليف شرطة المحافظة بتنفيذ القرار، وتوجيه بلدية الموصل بتنفيذ أعمال التسوية الترابية، ثم تشكيل لجنة لتدقيق سندات الأراضي والسماح فورا لأصحابها بالبناء عليها، وشدد القرار على أن أي جهة تمنع البناء وتعرض السلم المجتمعي للخطر فيتم توجيه شكوى مباشرة عليها لدى القضاء العراقي.
وأكد رئيس لجنة الأراضي في مجلس نينوى عبدالله النجيفي أن التصويت على السماح بالبناء ووقف المنع الذي كان يفرض من قبل فصائل مسلحة، يمثل انتصارا لإرادة المظلومين والخطوة الأهم في عمر المجلس في معالجة أصعب وأعقد المشاكل التي واجهت نينوى في السنوات الأخيرة.
ومنذ العام 2017 تخضع مناطق سهل نينوى إلى سيطرة اللواء 30 "حشد الشبك" واللواء 50 "حشد بابليون"، فيما امتدت سيطرة الفصيلين لتشمل أطراف الموصل ومناطق داخلها، الأمر الذي أفضى إلى منع أهالي الموصل من بناء أراضيهم الواقعة ضمن حدود بلدية الموصل.
ويؤكد شهود عيان من الموصل أن حشد الشبك يرفض بشكل قاطع وبقوة السلاح منذ العام 2017 البناء على مناطق واسعة في أطراف الموصل، وهي مناطق جليوخان وقزة فخرة والعباسية وزيونة، في حين يمنع حشد بابليون الأهالي من البناء في أحياء الكندي الثانية والثالثة والتعليم والتربية، ولكنه يسمح لهم بالبناء في حال دفع مبالغ مالية تقدر بـ 2000 دولار عن كل 100 متر.
وترتكز القوى المانعة للبناء على أمرين، الأول السلاح الذي تمتلكه الحشود التابعة لهم، والثاني قرار المحكمة الاتحادية الذي صدر عام 2013، رغم أنه لا يشمل هذه المناطق الممنوعة من البناء في أطراف الموصل، ولكنه عندما صدر كان يستهدف قضاء الحمدانية ويتضمن وقف البناء في تلك المناطق لعدم إحداث تغيير ديمغرافي وذلك عقب شكوى تقدم بها ممثلون عن المكون المسيحي لدى المحكمة الاتحادية جراء توسع القرى الشبكية ووصولها لمناطق المسيحيين في مركز قضاء الحمدانية.
تصويت المجلس لصالح السماح بالبناء، أثار غضب الجهات السياسية الممثلة للمكون الشبكي والتي في ذات الوقت تمثل واجهة للفصائل المسلحة التي كانت تمنع البناء، فعضو مجلس نينوى محمد عارف والذي يتبع سياسيا كتلة بدر في سهل نينوى أكد رفضه لقرار مجلس المحافظة، فيما اتهم ضمنا أهالي الموصل، وقال إن "السماح لأصحاب الأراضي بالبناء يعني تعريض أبناء المكون الشبكي إلى الخطر وهدم الاستقرار الديمغرافي".
وأعلن عارف عزمه الطعن أمام القضاء بقرار مجلس المحافظة وقال إنه "سيلجأ إلى المحكمتين الإدارية والاتحادية للطعن في القرار"، محذراً من "تداعيات تطبيقه على مناطق سهل نينوى"، التي أكد أنها "تتمتع بحماية دستورية تمنع أي تغيير ديموغرافي، استناداً إلى المادة (23/ثالثاً/ب) من الدستور العراقي".
وفي رد آخر، أعلن عضو مجلس النواب عن المكون الشبكي والمنتمي سياسيا لمنظمة بدر والمسؤول عن قوات حشد الشبك وعد القدو التوجه لاستحداث محافظة في منطقة سهل نينوى لمنع محاولات التغيير الديمغرافي الذي يستهدف المكون الشبكي، حسب قوله.
ودعا القدو إلى استحداث محافظة سهل نينوى وعزلها عن نينوى وتضم مناطق الحمدانية وتكليف وأجزاء من الموصل، معتبراً ذلك استحقاقاً دستورياً وإدارياً يهدف إلى حماية حقوق المكونات ومنع أي محاولات للتغيير الديموغرافي في المنطقة.
وأكد القدو رفضه لقرار مجلس نينوى بشأن السماح لأصحاب الأراضي بالبناء عليها، بدعوى أن هذه الأراضي كانت في السابق قرى يسكنها المكون الشبكي.
وقال القدو: إن "أراضي السهل ليست مكاناً للمساومات، ونذكر الشخصيات والقوى التي ما زالت تتعامل بعقلية الوصاية والاستحواذ، لا سيما ممن تسببت مواقفهم السابقة بتهديد أمن المحافظة وإلحاق الضرر بأبنائها، بأن زمن فرض الإرادات قد انتهى، وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم مهما بلغت مواقع النفوذ".
ويثير تصويت المجلس بشأن الأراضي الممنوعة من البناء ورفض القوى الشبكية في طياته خلافا إداريا على الحدود بين مدينة الموصل وناحية برطلة التابعة لقضاء الحمدانية، فالقوى الشبكية ترى في مناطق جليوخان وقزة فخرة والعباسية وزيونة وكوكجلي مناطق تابعة لناحية برطلة وكانت مناطق للمكون الشبكي، بينما تؤكد القوى العربية في نينوى أن تلك المناطق تتبع إداريا لمدينة الموصل، كما أنها تقع ضمن الحدود الإدارية لبلدية الموصل وليس لناحية برطلة.
وفي رد على التحذيرات الشبكية من السماح لأهالي الموصل من أصحاب السندات البناء على أراضيهم في أطراف الموصل باتجاه مناطق سهل نينوى، أكدت كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلس نينوى رفضها لأسلوب الإساءة لأهالي الموصل أو استهدافهم والانتقاص منهم.
وقال رئيس الكتلة أحمد الكيكي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "العودة إلى خطاب التحشيد والكراهية أو توجيه الاتهامات الجماعية لأي مكوّن تمثل خطراً على السلم المجتمعي وعلى مستقبل الأجيال القادمة، فلا يجوز أن يُحاسب مجتمع بأكمله بسبب أخطاء أفراد، ولا أن تُستغل الجراح القديمة لتحقيق مكاسب سياسية آنية".
وشدد الكيكي على أن "الحزب الديمقراطي يرى أن حل المشاكل ومنها مشكلة الأراضي في المناطق الخاضعة للمادة 140 يجب أن يكون حلا دستوريا وقانونيا، بعيداً عن الإقصاء أو فرض الإرادات أو التجاوز على حقوق الآخرين".
وأضاف: أنه "كما نرفض الإساءة إلى أي مكوّن، ونرفض أيضاً محاولات وصم أي مكوّن أو غيره بتهم جماعية أو إعادته إلى دائرة الاتهام بسبب أحداث تجاوزتها الإرادة الوطنية، فهذه اللغة لا تنتمي إلى دولة المؤسسات والقانون، ولا تنسجم مع قيم التعايش".
وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس نينوى مهند الجبوري رفضه لتوجيه التهم لسكان الموصل من أي جهة كانت، وشدد على أن القانون والقضاء هو الفيصل في حسم ملف الأراضي الممنوعة من البناء.
وقال الجبوري في حديث لشبكة "الساعة": إن "مجلس نينوى صوت على قرار بالسماح لأصحاب الأراضي بالبناء عليها، ومن يخالف هذا القرار يخالف القانون"، مبينا أن "الفيصل والحسم مع الجهات التي ترفض البناء على الأراضي بذريعة التغيير الديمغرافي هو القضاء العراقي".
وأشار الجبوري إلى أن "الحديث عن وجود تغيير ديمغرافي أو مخاطر تهدد المكون الشبكي حديث لا أساس له من الصحة"، مشيرا إلى أن "الأراضي التي صوت عليها المجلس بالسماح بالبناء عليها لا تقع ضمن مناطق التغيير الديمغرافي في مركز قضاء الحمدانية، وإنما تقع في مدينة الموصل وضمن الحدود الإدارية لها".
من جهة أخرى، حذر ناشطون من الموصل من خطاب الكراهية والتصعيد الطائفي وتوجيه التهم لأبناء الموصل ووصفهم بالإرهاب من قبل بعض ممثلي المكون الشبكي.
وقال الناشط يونس النعيمي إن "حديث بعض الممثلين السياسيين للمكون الشبكي على خلفية تصويت المجلس بشأن الأراضي مثير للاشمئزاز، فحديثهم يتضمن تخوين سكان الموصل ووصفهم بالإرهاب وكأن وجودهم بالقرب من مناطق يسكنها الشبك يشكل خطرا عليهم، في حين أن تلك الإداعات باطلة وعارية عن الصحة".
وأضاف النعيمي: أن "سكان نينوى بما فيهم سكان الموصل ذات الأغلبية العربية وسكان سهل نينوى بمختلف المكونات بما فيهم الشبك، كانوا لمئات السنين متعايشين فيما بينهم بسلام ووئام دون وجود تفريق بين جهة وأخرى"، مبينا أن "شعارات التغيير الديمغرافي يشكل في الحقيقة خطابا طائفيا الغرض منه الكسب السياسي".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام