دخل موضوع الأراضي الممنوعة من البناء في محافظة نينوى مرحلة جديدة من الخلاف والنزاع الإداري والقانوني، بعد أن كانت المشكلة في السابق تتلخص باستخدام جهات مسلحة قوتها لمنع البناء على آلاف الأراضي رغم امتلاك أصحابها سندات رسمية صادرة من دائرة التسجيل العقاري.
بدأت مشكلة الأراضي الممنوعة من البناء قبل عشر سنوات، بعد سيطرة القوات العراقية على الموصل، حيث منعت قوات تابعة للحشد الشعبي (اللواء 30 المعروف باسم حشد الشبك) أصحاب أكثر من 30 ألف أرض سكنية من البناء عليها بقوة السلاح، واستمرت الجهات المسلحة بمنع البناء على تلك الأراضي لغاية اليوم.
وشهد ملف الأراضي محاولات للحل، لكن تلك المحاولات انتهت بالفشل، ولم تصمد وعود المسؤولين المحليين والنواب ورؤساء الوزراء أمام نفوذ الجهات المسلحة المسيطرة على تلك الأراضي الممتدة في مناطق جليوخان وقزة فخرة والعباسية وزيونة.
آخر التطورات بهذا الملف ما حصل نهاية شهر حزيران الماضي، عندما صوت مجلس محافظة نينوى على قرار بالسماح لأصحاب الأراضي بالبناء عليها، وإكمال كافة الإجراءات للمباشرة بالبناء في مدة أقصاها 30 يوما، مع التعهد بملاحقة الجهات التي تمنع البناء عبر القضاء العراقي.
لكن هذا القرار اصطدم مرة أخرى برفض اللواء 30 في الحشد الشعبي، والجهات السياسية القريبة منه والتي تمثل المكون الشبكي في مجلس المحافظة والبرلمان العراقي (تابعة لقوى الإطار التنسيقي)، فرض أعضاء مجلس نينوى الشبك (محمد عارف) و (معاذ عباس) والنائبين (وعد القدو، قصي عباس) القرار، وأكدوا اللجوء إلى القضاء والمحكمة الاتحادية لإبطاله، مؤكدين أن البناء على تلك الأراضي من شأنه إحداث تغيير ديمغرافي في مناطق سهل نينوى التي تسكنها الأقليات من المكونين الشبكي والمسيحي.
وعقب ذلك، أصدرت لجنة المادة 140 (المثيرة للجدل) والخاصة بتصفية وضع المناطق المتنازع عليها، قرارا يقضي بعدم تطبيق قرار مجلس نينوى، لأنه يتضمن التصرف بأراضي سكنية من شأن البناء عليها إحداث تغيير ديمغرافي يستهدف الأقليات في تلك المنطقة، وعدت اللجنة التي يرأسها هادي العامري زعيم منظمة بدر أن أراضي قزة فخرة وجليوخان تقعان ضمن المناطق المتنازع عليها التي تشملها إجراءات المادة 140 الدستورية.
تزامن مع ذلك رفض آخر للبناء بذريعة التغيير الديمغرافي والمساس بالمناطق المتنازع عليها، إذ دعا نائب رئيس البرلمان فرهاد الأتروشي (المنتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني) بكتاب رسمي محافظ نينوى لوقف تنفيذ قرار مجلس نينوى ووقف البناء في أراضي جليوخان وقزة فخرة وغيرها لأنها تخالف أحكام المادة 140 و 23 ب من الدستور العراقي.
ويظهر من خلال متابعة طبيعة الجهات الرافضة وانتمائها أن القوى الشيعية والكردية (بدر والديمقراطي الكردستاني) تسعى لمنع البناء على الأراضي داخل مدينة الموصل، تارة بحجة أنها ضمن المناطق المتنازع عليها وتارة باسم التغيير الديمغرافي.
غير أن رئيس مجلس نينوى أحمد الحاصود أكد رفضه لإداعات شمول مناطق مدينة الموصل ضمن المناطق المتنازع عليها، مؤكدا أن قرار المجلس القاضي بالسماح بالبناء على الأراضي يشمل الأراضي التي تقع ضمن حدود مدينة الموصل.
وقال الحاصود في بيان تلقته شبكة "الساعة": إن "الساحل الأيسر لمدينة الموصل غير مشمول بأحكام المادة (140) من الدستور"، وشدد على رفض أي محاولة للمساس بوحدة المحافظة أو تجزئة أراضيها تحت أي عنوان.
وأكد رئيس المجلس على عدم السماح بتجزئة أراضي نينوى أو المساس بوحدة الموصل أو فرض محاولات لتغيير الحقائق القانونية والإدارية أو تعطيل حقوق المواطنين، مشيرا إلى أن قرارات مجلس محافظة نينوى نافذة وسيتم تنفيذها بالكامل من قبل الجهات المختصة، داعياً إلى الالتزام بالسياقات القانونية وعدم الانجرار وراء التفسيرات غير الدقيقة.
وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس محافظة نينوى محمد هريس أن قرار المجلس الصادر بخصوص السماح بالبناء على الأراضي هو قرار قانوني وأن محاولات تعطيل القرار تعد مخالفة قانونية واضحة.
وقال هريس في حديث لشبكة "الساعة": إن "أراضي قزة فخرة وجليوخان وغيرها من الأراضي التي صوت مجلس نينوى للسماح بالبناء عليها، هي أراضي تقع ضمن الحدود الإدارية لمدينة الموصل وضمن حدود بلدية الموصل أيضا، والحديث عن أن هذه الأراضي تتبع مناطق سهل نينوى أو الوحدات الإدارية فيها لا يمت للواقع والحقيقة بصلة"، مشددا على أن "هذه الأراضي تتبع مدينة الموصل ولا تخضع لإجراءات المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، كما أنه تلك الأراضي لا علاقة لها بإدعاءات التغيير الديمغرافي التي تثيرها بعض الجهات".
وتمكن الخطورة في هذا الخلاف، ليس لأنه خلاف على الأراضي السكنية داخل مدينة الموصل ،إنما لأنه خلاف وتنازع بين طرفين يمتلك أحدهما النفوذ والسلطة على مختلف المؤسسات، وقوة السلاح على الأرض لتمنع أي قرار يمكن أن يمر عبر المؤسسات الرسمية، كما تكمن خطورته في تقسيم مناطق الموصل ونينوى وفقا للانتماء المكوناتي القومي تارة والديني تارة أخرى وفق ما يناسب رؤية الجهة المتنفذة، كما يرى ناشطون من مدينة الموصل.
وقال الناشط السياسي محمد السالم لـشبكة "الساعة": إن "جميع الجهات لجأت إلى القضاء والقانون في هذه القضية وكان موقف القضاء واضحا بأن الأراضي الممنوعة من البناء داخل الموصل لا تتضمن أي تغيير ديمغرافي يستهدف مناطق الأقليات"، وأضاف أن "الحقائق القانونية والإدارية تؤكد أن هذه المناطق تقع ضمن حدود مدينة الموصل وليست ضمن مناطق الحمدانية في سهل نينوى، والدستور العراقي اعتبر الحدود الإدارية للمحافظات هي ذاتها الحدود المعتمدة لغاية الغزو الأمريكي عام 2003".
وشدد على أن "أي محاولة لزج هذه المناطق ضمن مناطق التغيير والديمغرافي والمناطق المتنازع عليها هي مجرد افتراء على الحقائق لكن خطورتها تكمن في استخدام الجهات التي تحاول الدفع بهذا الموضوع لنفوذ القوى السياسية في مركز القرار"، مبينا أن "القوى الرافضة للبناء هي تملتك القرار السياسي في بغداد باعتبارها تنتمي للإطار التنسيقي وتمتلك السلاح باعتبارها تمتلك اللواء 30 في الحشد الشعبي، وهو ما يعني أن أي خلاف بهذا الخصوص سيتم حسمه لصالح أصحاب النفوذ والسلاح".
من جهته يرى الباحث القانوني والسياسي همام السليم أن القرارات الصادرة عن مجلس محافظة نينوى بخصوص ملف البناء والسماح به على الأراضي التي كانت ممنوعة سابقا من البناء، قرار سليم من الناحية القانونية وأن القرارات المخالفة والتي تطلب تعطيل قرار المجلس هي مخالفة للقانون العراقي النافذ.
وقال السليم في توضيح نشره بشأن ملابسات الخلاف الإداري والقانوني الحاصل: إنه "من الناحية القانونية والإجرائية، حدد قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 المعدل آلية واضحة وحصرية للاعتراض على قرارات مجالس المحافظات، فقد منح هذا الحق للمحافظ حصراً إذا وجد أن قرار المجلس يخالف الدستور أو القوانين النافذة، وفي حال تمسك المجلس بقراره، فإن الطريق القانوني الوحيد هو لجوء المحافظ إلى المحكمة الاتحادية العليا للطعن بالقرار، وبناءً على ذلك، فإن الاعتراض على قرارات مجلس المحافظة أو المطالبة بإيقافها لا يدخل ضمن الاختصاص الوظيفي للسلطة التشريعية متمثله بنائب رئيس مجلس النواب أو لجانها او لجنة تنفيذ المادة 140 من الدستور ، لأن القانون رسم طريقاً محدداً لا يجوز تجاوزه"، وعليه، فإن الكتب أو المخاطبات الصادرة من جهات أخرى تبقى في إطار إبداء الرأي، ولا ترتب بذاتها أثراً قانونياً ملزماً على مجلس المحافظة والجهات التنفيذية الاخرى".
وأضاف السليم: أنه "بخصوص حرمة الملكية الخاصة والتفسير الصحيح لمفهوم التغيير الديمغرافي، فإن ربط قرار مجلس محافظة نينوى بملف التغيير الديمغرافي لا يستند إلى أساس قانوني، فالأراضي المشمولة بالقرار تقع ضمن حدود بلدية الموصل، وهي أراضٍ مملوكة ملكاً صرفاً لأصحابها بموجب سندات طابو أصولية، والملكية الخاصة مصونة بموجب الدستور العراقي، ولا يجوز تقييد حق المالك في الانتفاع بملكه أو البناء عليه إلا وفق القانون ولغرض المنفعة العامة وبمقابل تعويض عادل، كما أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا المتعلقة بمنع بعض حالات التمليك جاءت لمعالجة أوضاع قانونية وجغرافية محددة، بهدف حماية خصوصية بعض المناطق ومنع إحداث تغيير ديمغرافي فيها ( مثل مناطق المكون المسيحي في سهل نينوى لمنع التمدد السكاني الخارجي عليها وتغيير هويتها) ، ولم تصدر لحرمان أصحاب الحقوق الثابتة من استغلال أملاكهم الواقعة داخل التصميم الأساسي للمدن أو المساس بالملكية الخاصة القائمة قانوناً (كبلدية الموصل).
أما عن علاقة الموضوع بالمادة 140 من الدستور، فأوضح السليم أن "الأراضي لا علاقة بها بالمناطق المتنازع عليها، لأنه من الناحية القانونية والجغرافية، لا يوجد ارتباط بين الأراضي محل القرار وأحكام المادة (140) من الدستور، فهذه الأراضي تقع ضمن التصميم الأساسي لمدينة الموصل، وهي مملوكة للمواطنين بسندات رسمية، ولا تندرج ضمن مفهوم المناطق المتنازع عليها أو الأراضي التي تخضع للإجراءات الخاصة بالمادة (140)، وعليه فإن إقحام المادة (140) في هذا الملف لا يجد له سنداً قانونياً أو واقعياً".
وبين الرأي الذي يحاول تعطيل البناء، والآخر الذي يدافع عنه، رجح مصدر مسؤول في محافظة نينوى أن الأمور في الأراضي الممنوعة من البناء سيبقى كما هو دون أي تغيير.
وقال المصدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "تدخل الأطراف صاحبة النفوذ كقوى الإطار التنسيقي ومنظمة بدر من جهة والحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى سيدفع إلى تأجيل تطبيق قرار مجلس المحافظة وإبقاء الأمور كما كانت عليه دون حلول أو تحرك من الأطراف المختلفة للتصرف بتلك الأراضي"، وهذا يعني استمرار حرمان نحو 35 ألف من أصحاب الأراضي من حقهم في البناء على أراضيهم التي يمتلكونها بشكل رسمي".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام