09:56:39 2026-10-02 : اخر تحديث
09:56:39 2026-10-02 : نشر في
فريق التحرير - شبكة الساعة
بدأت السلطات العراقية مراجعة عقود حكومية قائمة في وزارات النفط والكهرباء والصحة، ضمن تحرك يستهدف كشف الشركات والواجهات الاقتصادية التي يُشتبه بارتباطها بفصائل مسلحة، في مؤشر على انتقال جانب من المواجهة مع تلك الجماعات من ملف السلاح إلى مصادر التمويل والنفوذ الاقتصادي.
وتأتي المراجعة بعد طلب أمريكي من بغداد بتشديد الرقابة على وصول الشبكات المرتبطة بالفصائل إلى أموال المشاريع الحكومية، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي ومغادرة القوات الأمريكية العراق، في وقت ما تزال فيه واشنطن تمتلك أدوات مالية واقتصادية مؤثرة، في مقدمتها العقوبات والنظام المالي المرتبط بالدولار.
وقال مصدر عراقي مطلع، في تصريحات أوردها موقع "إرم نيوز"، إن "المطلوب لا يقتصر على منع شركات مرتبطة بالفصائل من الحصول على عقود جديدة، وإنما يشمل مراجعة عقود قائمة والتدقيق في المقاولين من الباطن والمستفيدين الفعليين منها، وصولاً إلى الحسابات والتحويلات المالية المرتبطة بها".
وبحسب المصدر، تتولى هيئة النزاهة الاتحادية، بالتنسيق مع البنك المركزي العراقي ووزارة التخطيط، جانباً من عمليات التدقيق وملاحقة شبهات غسل الأموال والواجهات التجارية.
من يختبئ خلف الشركة؟
لا تتوقف المراجعة، وفق المعلومات المتاحة، عند اسم الشركة المسجل رسمياً، وإنما تتجه نحو معرفة المستفيد الحقيقي من العقود، ومراجعة المقاولين الثانويين وسلاسل التوريد والحسابات والتحويلات المالية المرتبطة بالمشاريع.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في ظل إمكانية انتقال الأموال عبر أكثر من شركة أو مقاول قبل وصولها إلى المستفيد النهائي، ما يجعل مجرد التحقق من اسم الشركة المتعاقدة غير كافٍ للكشف عن الشبكات المالية التي تقف خلفها.
وقال المصدر العراقي إن "الجانب الأمريكي حذر أيضاً من إمكانية توسيع العقوبات لتشمل شركات ومصارف ومسؤولين يثبت تورطهم في تسهيل وصول الأموال إلى شبكات مرتبطة بفصائل خاضعة للعقوبات".
ولا تبدو هذه التحذيرات منفصلة عن الإجراءات الأمريكية الأخيرة ففي 10 أيلول الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على شبكات قالت إنها مرتبطة بكتائب حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ضمن عملية أطلقت عليها اسم "المنبوذ الاقتصادي".
وقالت وزارة الخزانة إن "كتائب حزب الله تستغل نفوذها داخل هيئة الحشد الشعبي لتحقيق مكاسب مالية"، مشيرة إلى أن "الحكومة العراقية تخصص أكثر من 2.6 مليار دولار سنوياً لهيئة الحشد، وإن الجماعة تستفيد، بحسب الاتهامات الأمريكية، من موقعها ونفوذها داخل المؤسسة".
العقود الحكومية تحت المجهر
التركيز على العقود الحكومية ليس جديداً في استراتيجية العقوبات الأمريكية، لكنه بات أكثر وضوحاً مع انتقال الاستهداف من قادة الجماعات المسلحة إلى الشركات والوسطاء والمصارف والأنشطة التجارية المرتبطة بهم.
وفي تشرين الأول 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة المهندس العامة، وهي شركة مرتبطة بهيئة الحشد الشعبي، ضمن إجراءات استهدفت شبكة من الأشخاص والكيانات العراقية.
وبحسب الموقف الأمريكي، فإن الخطر لا يكمن في العقود المباشرة فقط، وإنما في إمكانية استخدام المقاولات من الباطن والشركات الوسيطة لنقل جزء من أموال المشاريع إلى شبكات مرتبطة بفصائل مسلحة.
وهذه تحديداً هي الحلقة التي تستهدفها المراجعة الحالية، إذ يجري البحث خلف المقاول الرئيسي لمعرفة الجهات التي تحصل فعلياً على الأموال في المراحل اللاحقة من تنفيذ العقد.
كما سبق أن تناولت تقارير صحفية إعادة ترتيب ملكيات شركات واستخدام واجهات تجارية ومقاولين أقل ظهوراً تحت ضغط العقوبات وملاحقات الفساد، وهو ما يزيد صعوبة تحديد المستفيد النهائي من العقود الحكومية.
النفط يدخل دائرة الاستهداف
ويظهر قطاع النفط بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط بسبب حجم الأموال المتداولة فيه، وإنما بسبب الإجراءات الأمريكية التي طالت خلال الأشهر الماضية مسؤولين وشركات وشبكات عراقية مرتبطة بالقطاع.
وفي 7 أيار الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على نائب وزير النفط العراقي علي معارج البهادلي وشخصيات مرتبطة بكتائب سيد الشهداء وعصائب أهل الحق، إلى جانب شركات تعمل في القطاع النفطي.
واتهمت الخزانة الأمريكية البهادلي باستغلال موقعه لـ"تمكين إيران ووكلائها من تحقيق إيرادات غير مشروعة"، كما تحدثت عن شبكات تستخدم قطاع النفط العراقي في عمليات مرتبطة بتجاوز العقوبات المفروضة على إيران.
ونفت وزارة النفط العراقية حينها جانباً من الاتهامات المتعلقة بصلاحيات المسؤول العراقي، مؤكدة استعدادها للتعاون مع أي تحقيق عادل، ما يجعل الاتهامات الأمريكية منفصلة عن أي إدانة قضائية عراقية ما لم تثبت أمام الجهات المختصة.
وتكشف هذه الإجراءات عن توسع واضح في نطاق الاستهداف الأمريكي؛ فمن العقوبات على قادة الفصائل إلى المسؤولين والشركات والوسطاء والعقود والقطاع النفطي نفسه.
الجيش غادر.. لكن الدولار بقي
تكتسب هذه التحركات بعداً أكبر مع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، إذ لا يعني خروج القوات انتهاء قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على بغداد أو الجماعات المسلحة.
وكشفت وكالة "رويترز"، في 30 أيلول، أن عائدات صادرات النفط العراقية بالدولار تمر عبر ترتيبات مصرفية مرتبطة بحساب البنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو نظام يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مهماً على تدفقات الدولار إلى العراق.
وبحسب الوكالة فإن أصل هذا الترتيب إلى ما بعد عام 2003، واستمر بأشكال مختلفة حتى اليوم، إذ تودع عائدات النفط العراقية في حسابات مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قبل انتقال الأموال إلى النظام المالي العراقي.
وهنا تظهر مفارقة المرحلة الجديدة: القوات الأمريكية غادرت قواعدها، لكن أهم مورد مالي للعراق، وهو النفط، ما يزال مرتبطاً بمنظومة مالية دولية تمر عبر نيويورك.
وهذا يمنح العقوبات الأمريكية وزناً يتجاوز تجميد ممتلكات شخص أو شركة داخل الولايات المتحدة، لأن الخشية من فقدان الوصول إلى الدولار والنظام المصرفي الدولي تدفع المصارف والشركات إلى تجنب التعامل مع الجهات المدرجة على قوائم العقوبات.
هل تتسع دائرة العقوبات؟
ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني تراجع أدوات الضغط التي تمتلكها واشنطن، مرجحاً أن تصبح أكثر جدية في استخدام العقوبات إذا لم يحقق العراق تقدماً في ملف حصر السلاح بيد الدولة.
وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة" إن "الحكومة العراقية ترغب بحصر السلاح، لكن الضغوط كبيرة عليها في هذا المجال، فالفصائل ترفض وتتمسك بسلاحها، كما أن القوى السياسية الكبيرة في الإطار بدأت بالاستدارة على مشروع الزيدي عندما تخلت عن الموعد المحدد لحصر السلاح".
وأضاف أن "موقف واشنطن من غياب الإجراءات الفاعلة لحصر السلاح دفعها إلى إرسال رسائل صلبة من أجل إخضاع القوى السياسية والفصائل لمشروع نزع السلاح".
وحذر الفيلي من أن تداعيات أي تصعيد اقتصادي أميركي قد تتجاوز الجماعات المستهدفة بالعقوبات إلى بنية النظام السياسي والاقتصادي، قائلاً إن "العقوبات الأميركية الاقتصادية ستؤدي إلى تقويض النظام السياسي في العراق وليس حكومة الزيدي فقط، وإن القوى السياسية يجب أن تدرك أن الولايات المتحدة ربما ستكون جادة في العقوبات ويمكن أن تؤدي إلى انهيار النظام السياسي الحالي".
ولم يستبعد الفيلي أن يتدرج الضغط الأمريكي من الأدوات الاقتصادية إلى ممارسة ضغوط سياسية أوسع، قائلاً إن "واشنطن قد تلجأ إلى استخدام ورقة تحريك الشارع العراقي، وقبل ذلك ممارسة الضغط الاقتصادي، وبالتالي الوصول إلى مرحلة التغيير الواضح في استراتيجية المنظومة السياسية عبر إبعاد القوى والجهات القريبة من إيران من المشهد السياسي".
وربط الفيلي تشدد واشنطن المحتمل بالتطورات الإقليمية وتهديد طرق وأسواق الطاقة، معتبراً أن "هجمات الحوثيين والتوتر المرتبط بباب المندب، إلى جانب المواجهة مع إيران وحلفائها، قد تدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التشدد تجاه الجماعات المرتبطة بطهران داخل العراق وخارجه".
الفصائل تبحث عن الداخل
في المقابل، يرى الباحث العراقي علي حسين الخفاجي أن العقوبات الأمريكية المتزايدة على المصارف والأفراد والشركات المرتبطة بالفصائل لم تنه اقتصاد تلك الجماعات، وإنما دفعتها إلى إعادة تشكيله والاعتماد بصورة أكبر على مصادر الإيرادات المحلية وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وقال الخفاجي إن "الفصائل وسعت حضورها في قطاعات اقتصادية ذات إيرادات مرتفعة، فيما وصلت حملة مكافحة الفساد الحكومية إلى شبكات مالية وملفات داخل قطاعات كبيرة، من بينها النفط والكهرباء".
ويعتقد الخفاجي أن "التعامل مع اقتصاد الفصائل لا يمكن أن يتحقق عبر قطع مصدر مالي منفرد، وإنما يتطلب تفكيك البنية التي تسمح بتحويل النفوذ السياسي والأمني إلى موارد اقتصادية".
وتعزز العقوبات الأمريكية الأخيرة هذا الاتجاه؛ فهي لم تعد تستهدف السلاح أو القيادة العسكرية فقط، وإنما تبحث بصورة متزايدة عن الشركات والمصارف والعقود والأشخاص الذين يسمحون بتحويل النفوذ المسلح إلى تدفقات مالية.
معركة ما بعد الانسحاب
تضع مراجعة العقود الحكومية بغداد أمام ملف شديد الحساسية، لأن التدقيق إذا انتقل فعلاً من أسماء الشركات إلى المستفيدين الحقيقيين سيعني تتبع مسار الأموال داخل قطاعات حكومية تدير مشاريع وعقوداً بمليارات الدولارات.
كما أن العملية لا تتعلق بعقود جديدة فقط، بل تمتد، بحسب المصدر العراقي، إلى عقود قائمة بالفعل، وهو ما قد يفتح ملفات شركات ومقاولين حصلوا على أعمال حكومية قبل بدء المراجعة الحالية.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود طلب أمريكي وراء تشديد التدقيق يضع الحكومة أمام معادلة أخرى: حماية النظام المالي العراقي من العقوبات من جهة، وإثبات أن مكافحة غسل الأموال والفساد وإدارة العقود الحكومية تتم وفق القانون والمؤسسات العراقية من جهة أخرى.
وبعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، تبدو ملامح مرحلة مختلفة آخذة بالتشكل؛ فبدلاً من ملاحقة الفصائل في ساحات المواجهة العسكرية، يتحرك الضغط نحو المكان الذي قد يكون أكثر حساسية بالنسبة إلى قدرتها على الاستمرار: الشركات والعقود الحكومية والمصارف ومسارات الدولار.
وإذا أثبت التدقيق وجود شركات تعمل واجهات اقتصادية لجماعات خاضعة للعقوبات، فلن يكون السؤال متعلقاً بحجم اقتصاد الفصائل فقط، بل بمدى تغلغله داخل الإنفاق الحكومي العراقي، ومن يدفع ثمن ذلك عندما تتحول العقوبات من استهداف الأشخاص إلى استهداف الشبكات التي تمولهم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 18:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 18:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 18:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 18:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم