صورة الخبر

21:20:53 2026-09-24 : اخر تحديث

21:20:53 2026-09-24 : نشر في

من يوغوسلافيا إلى السودان.. هل يسلك العراق طريق الدول التي تفككت؟

لم تبدأ تجارب تقسيم الدول في يوغوسلافيا والسودان وشبه القارة الهندية برسم حدود جديدة على الخرائط، بل سبقتها أزمات سياسية وصراعات داخلية وتراجع في سلطة الدولة، قبل أن تتحول الانقسامات القومية والدينية والعرقية في مراحل لاحقة إلى حروب انتهى بعضها بولادة دول جديدة.

وأعاد تحذير وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من خطر "بلقنة العراق" النقاش بشأن وحدة البلاد إلى الواجهة، خصوصاً مع استمرار الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة ووجود قوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً.

وكان روبيو قد حذر، خلال وجوده في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم من بقاء قوى مسلحة مستقلة عن الدولة، وربط معالجة هذا الملف بمنع ما وصفه بـ"بلقنة العراق".

ولا يعني التحذير الأمريكي أن العراق مقبل بالضرورة على سيناريو تقسيم مشابه لدول أخرى، إذ تختلف الظروف السياسية والتاريخية لكل تجربة، لكن العودة إلى نماذج الدول التي تفككت تكشف عن عوامل تكررت بأشكال مختلفة، من بينها ضعف السلطة المركزية، والصراع على هوية الدولة، ووجود قوى مسلحة متنافسة، والتدخل الخارجي، وفشل القوى السياسية في إدارة الخلافات داخل مؤسسات الدولة.

يوغوسلافيا.. من خلافات الجمهوريات إلى حرب البلقان

تعد يوغوسلافيا التجربة الأكثر ارتباطاً بمصطلح "البلقنة"، الذي أصبح يستخدم لوصف تفكك دولة أو منطقة إلى كيانات أصغر قد تدخل لاحقاً في صراعات فيما بينها.

كانت يوغوسلافيا دولة اتحادية تضم جمهوريات وقوميات وأدياناً مختلفة، لكن وفاة الرئيس جوزيف بروز تيتو عام 1980 تزامنت مع دخول البلاد مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، وتصاعد نفوذ الحركات القومية داخل الجمهوريات المكونة للاتحاد.

وكان دستور عام 1974 قد منح الجمهوريات والأقاليم صلاحيات واسعة على حساب الحكومة الاتحادية، ومع نهاية الحرب الباردة والأزمة الاقتصادية المتصاعدة، أصبحت الحكومة المركزية أضعف في مواجهة النزعات القومية المتنامية، بحسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية.

لكن الخلاف لم يبق سياسياً.

فمع بداية التسعينيات ظهرت تشكيلات مسلحة وشبه عسكرية مرتبطة بأطراف وقوميات مختلفة، وتحول الصراع على السلطة إلى صراع على الأرض والحدود، لتدخل يوغوسلافيا سلسلة حروب رافقتها عمليات قتل وتهجير واسعة على أساس قومي وديني.

وبين عامي 1991 و2008، ظهرت على أراضي يوغوسلافيا السابقة سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية وصربيا والجبل الأسود، فيما أعلنت كوسوفو استقلالها عام 2008، رغم أن صربيا وعدداً من الدول لا تزال لا تعترف باستقلالها.

وتظهر التجربة اليوغوسلافية أن التنوع القومي والديني لم يكن وحده سبب التفكك، بل جاء الانهيار بعد تداخل الخلافات السياسية مع ضعف المركز وتصاعد القومية وانتشار القوى المسلحة والصراع على الأرض والسلطة.

الهند وباكستان.. الخلاف السياسي يتحول إلى حدود

أما تجربة شبه القارة الهندية، فقد اتخذت مساراً مختلفاً، فمع اقتراب انتهاء الحكم البريطاني تصاعد الخلاف بين حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية بشأن شكل الدولة الجديدة وموقع المسلمين فيها والضمانات السياسية التي سيحصلون عليها.

وكان المسلمون يمثلون نحو ربع سكان الهند البريطانية مع تركزهم في مناطق محددة، ومع تعثر محاولات التوصل إلى صيغة سياسية مقبولة للطرفين، تصاعدت المطالب بإنشاء دولة مستقلة للمسلمين.

وفي آب/أغسطس 1947، انتهى الحكم البريطاني بقيام الهند وباكستان، لكن التقسيم فتح الباب أمام واحدة من أكبر موجات النزوح في القرن العشرين.

وتشير تقديرات الأرشيف الوطني البريطاني إلى انتقال أكثر من 15 مليون شخص عبر الحدود الجديدة، بالتزامن مع أعمال عنف طائفية واسعة رافقت عملية التقسيم.

وبذلك لم يكن الدين وحده وراء التقسيم، بل لعب الخلاف على شكل الحكم وتقاسم السلطة والتمثيل السياسي ومستقبل المكونات داخل الدولة الجديدة دوراً رئيسياً في الوصول إليه.

باكستان وبنغلاديش.. الدين الواحد لم يحفظ الدولة

لم تمضِ سوى 24 عاماً على تأسيس باكستان حتى تعرضت الدولة نفسها إلى الانقسام، فباكستان عند تأسيسها كانت تتكون من جناحين منفصلين جغرافياً، هما باكستان الغربية وباكستان الشرقية، يفصل بينهما أكثر من ألف ميل من الأراضي الهندية.

ورغم أن غالبية سكان الجناحين كانوا مسلمين، إلا أن الهوية الدينية المشتركة لم تمنع تصاعد الخلافات اللغوية والقومية والاقتصادية والسياسية.

وتراكمت في باكستان الشرقية شكاوى بشأن توزيع الثروة والتمثيل السياسي، فضلاً عن الخلاف بشأن اللغة، بعدما قررت الحكومة المركزية اعتماد الأوردية لغة رسمية وحيدة رغم أن البنغالية كانت لغة غالبية سكان الشرق.

ووصلت الأزمة إلى ذروتها بعد انتخابات عام 1970، عندما حققت رابطة عوامي، التي تستند بصورة رئيسية إلى باكستان الشرقية، أغلبية برلمانية، لكن أزمة انتقال السلطة دفعت البلاد إلى مواجهة مفتوحة.

وفي عام 1971 اندلعت الحرب، قبل أن تتدخل الهند عسكرياً وتنتهي المواجهة بهزيمة القوات الباكستانية وقيام دولة بنغلاديش المستقلة.

وتبرز هذه التجربة أن وحدة الدين لم تكن كافية للحفاظ على الدولة عندما ترافقت الخلافات السياسية مع شعور واسع بالتهميش الاقتصادي واختلال التمثيل في السلطة.

السودان.. عقود من الحرب انتهت بدولتين

وفي السودان، احتاج الوصول إلى التقسيم عقوداً من الحروب والصراعات بين الحكومة المركزية والقوى المسلحة في الجنوب.

وتداخلت في الصراع عوامل سياسية ودينية وإثنية واقتصادية، واستمرت الحرب الأهلية الثانية لأكثر من عقدين، قبل توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.

ومنح الاتفاق جنوب السودان حق تقرير المصير عبر استفتاء شعبي، لتصوت أغلبية كاسحة من المشاركين في كانون الثاني/يناير 2011 لصالح الانفصال.

وبحسب الأمم المتحدة، بلغت نسبة التصويت لصالح الاستقلال 98.83%، ليعلن جنوب السودان دولة مستقلة في تموز/يوليو من العام نفسه.

لكن التقسيم لم ينهِ أزمات الطرفين، إذ شهد جنوب السودان لاحقاً حرباً داخلية، فيما دخل السودان نفسه في صراعات جديدة، وصولاً إلى الحرب الحالية.

وتوضح التجربة السودانية أن الانفصال قد ينهي شكلاً من أشكال الصراع، لكنه لا يعالج بالضرورة أسباب ضعف الدولة والصراع على السلطة والسلاح.

العراق.. أين تبدأ المقارنة؟

لا يعيش العراق اليوم الظروف نفسها التي سبقت تفكك يوغوسلافيا أو السودان أو باكستان، ولا توجد قاعدة تاريخية تجعل تكرار هذه السيناريوهات نتيجة حتمية.

لكن استخدام روبيو مصطلح "البلقنة" أعاد طرح سؤال مختلف: هل تبدأ مخاطر التفكك من تقسيم الحدود، أم من تراجع قدرة الدولة على احتكار القرار والقوة داخل حدودها؟

ويحظر الدستور العراقي في المادة التاسعة تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، في وقت لا يزال ملف حصر السلاح وارتباط بعض الفصائل المسلحة بمراكز قرار سياسية وأمنية خارج التسلسل التقليدي للدولة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في البلاد.

ولا تتوقف المشكلة، بحسب دراسات تناولت الجماعات المسلحة العراقية، عند امتلاك السلاح، بل تمتد إلى الجهة التي تمتلك قرار استخدامه وسلسلة القيادة التي تخضع لها التشكيلات المسلحة.

ويرى "تشاتام هاوس" أن دمج الجماعات المسلحة أو أفرادها داخل المؤسسات الرسمية لا يعني بالضرورة انتقال السيطرة الفعلية عليها إلى الدولة، في ظل امتلاك بعض الجماعات شبكات سياسية واقتصادية وأمنية تتداخل مع المؤسسات الحكومية.

كما يرى مركز "ستيمسون" أن جوهر ملف حصر السلاح في العراق لا يتعلق بجمع الأسلحة فقط، وإنما بانتقال السيطرة على قرار استخدام القوة وسلاسل القيادة إلى الحكومة المركزية.

وهنا يختلف الملف العراقي عن فكرة التقسيم التقليدية إلى دولة سنية وأخرى شيعية وثالثة كردية، إذ يمكن أن تبدأ مشكلة الدولة قبل ظهور أي حدود جديدة عندما يصبح قرارها موزعاً بين أكثر من مركز للقوة.

دولة واحدة وقرارات متعددة

سبق للعراق أن مر بمراحل كانت فيها مخاطر التفكك الجغرافي أكثر وضوحاً، خصوصاً خلال الحرب الطائفية عامي 2006 و2007، ثم انهيار مساحات واسعة من البلاد أمام تنظيم "داعش" عام 2014، وصولاً إلى استفتاء استقلال إقليم كردستان عام 2017.

لكن الدولة تجاوزت تلك المراحل من دون أن تتحول حدودها الداخلية إلى حدود دولية جديدة.

أما النقاش الحالي، فيرتبط بصورة أكبر بقدرة الحكومة على فرض سلطة واحدة على السلاح والأمن وقرارات الحرب والسلم.

وسبق لمركز "كارنيغي" أن تناول تعدد القوى الموجودة في بعض المناطق الحدودية العراقية، مشيراً إلى وجود تشكيلات حكومية ومحلية مسلحة تتقاطع مصالحها ونفوذها داخل المساحة الجغرافية نفسها، وهو ما يعكس تعقيد السيطرة الفعلية للدولة على بعض مناطقها.

ومن هنا لا تقدم تجارب يوغوسلافيا والهند وباكستان والسودان دليلاً على أن العراق سيتجه إلى المصير نفسه، لكنها تكشف أن تفكك الدول لم يبدأ في معظم هذه الحالات بإعلان التقسيم.

ففي كل تجربة كانت هناك أسباب وظروف مختلفة، لكن الأزمات سبقت الحدود الجديدة بسنوات، وبدأت من خلافات بشأن السلطة والهوية والموارد، ثم ازدادت خطورتها عندما دخل السلاح على خط الصراع السياسي وضعفت قدرة الدولة على إدارة الخلاف داخل مؤسساتها.

وبالنسبة للعراق، فإن السؤال الذي أثاره تحذير "البلقنة" لا يتعلق فقط بإمكانية ظهور ثلاث دول على الخريطة، بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة الحالية على الاحتفاظ بقرار واحد داخل حدودها.

فالتجارب التاريخية تظهر أن الخريطة غالباً ما تكون آخر ما يتغير، بعدما يكون الصراع على السلطة والقرار والسلاح قد بدأ قبل ذلك بسنوات.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك