صورة الخبر

17:17:22 2026-08-17 : اخر تحديث

17:17:22 2026-08-17 : نشر في

بعد حديث حذف الأصفار.. لماذا ارتفع الدولار في العراق؟

وصل سعر صرف 100 دولار في بورصتي الكفاح والحارثية إلى 154,800 دينار، بعد أن كان عند حدود 151,000 دينار قبل يومين وجاء هذا التحرك بعد حديث وزير الاتصالات مصطفى سند عن حسم قرار تغيير العملة العراقية وحذف أصفارها.

وقال سند، في حديث متلفز تابعته شبكة "الساعة"، إن "عملية استبدال العملة ستدفع حائزي الأموال المكتنزة إلى الكشف عنها، فيما ستبقى مبالغ أخرى خارج عملية الاستبدال، ولا سيما الأموال التي لا يستطيع أصحابها إظهارها"، مقدرًا حجم الأموال التي قد لا تعود إلى الاستبدال بنحو 8 تريليونات دينار.

ارتفاع الدولار لا يثبت أن أصحاب هذه الأموال اتجهوا إليه فعلًا، لكنه يلفت الانتباه إلى أثر أي حديث عن الاستبدال قبل إعلان موعده وقواعده، وحتى وقت إعداد التقرير، لم يصدر عن البنك المركزي أو مجلس الوزراء جدول يوضح فترة تداول العملتين، أو ضوابط التدقيق، أو آليات حماية السوق من المضاربات.

ولا يبدأ النقاش من شكل الورقة الجديدة، بل من حجم النقد المتداول خارج قدرة الدولة على المتابعة.

كتلة لا تراها الدولة

وقال عضو اللجنة المالية في البرلمان، النائب جمال كوجر إن المسألة ليست قضية أموال مسروقة أو نقد مخزن في البيوت فقط، مضيفًا: "ليست هناك دولة لديها كتلة نقدية تقدر بـ113 تريليون دينار، وما هو تحت يدها لا يتجاوز 20 تريليونًا، ولا تدري أين هي الكتلة الأخرى"، مبيناً أن "هذه كارثة من الناحية الأمنية والاقتصادية والمالية والمصرفية".

ويعني هذا الفارق أن الدولة لا تواجه ملفًا محدودًا يتعلق بفئة بعينها، بل اقتصادًا نقديًا واسعًا يعمل خارج المصارف وبين هذه الأموال تجارة مشروعة ومدخرات عائلية إلى جانب أموال قد لا يستطيع أصحابها تفسير مصادرها، لذلك تبدو عملية الاستبدال، في ظاهرها، فرصة لإعادة جزء من النقد إلى القنوات الرسمية.

لكن هذه الفرصة ترتبط بما إذا كانت المصارف والجهات الرقابية قادرة على متابعة المال عند دخوله، لا بمجرد استبدال أوراقه.

رهان على الدينار الجديد

ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الخطة يمكن أن تمنح الدولة مساحة أوسع لمتابعة الأموال غير المشروعة، موضحاً أنه "رغم الملاحظات على هذا الإجراء، إلا أنه في النهاية سيساعد بدرجة كبيرة في حصر المال بيد البنك المركزي والحكومة وسيحرم أموال الفساد من الدوران داخل الاقتصاد من أبوابه الخلفية وسيترك المساحة فقط أمام الدينار الشرعي للحركة".

وأضاف الهاشمي أن "أصحاب الأموال الكبيرة قد يحاولون شراء أصول خلال فترة الانتقال، لكنه يربط أثر ذلك بجدية التدقيق"، مشيراً إلى أن "أصحاب المال الفاسد قد يحاولون تبييض ما يمكن تبييضه عبر شراء الأصول، لكن هذه المحاولة ستبقى محدودة الأثر طالما أن هناك تدقيقًا لمصادر الأموال المعروضة لشراء الممتلكات العينية كالعقار".

ولا يستبعد الخبير محاولة اللجوء إلى الدولار أو الذهب، لكنه يرى أن "هذا المسار لا يكون مفتوحًا بلا حدود لأن شراء الدولار والذهب سيبقى محدودًا أيضًا بسبب متطلبات التدقيق من جهة ومحدودية المعروض من تلك الأصول من جهة أخرى مقابل حجم أموال الفساد الضخمة".

وتضع هذه القراءة مسؤولية ثقيلة على الدولة فنجاح الاستبدال بحسب هذا الطرح لا يأتي من العملة الجديدة وحدها، بل من وجود تدقيق في المصارف ومتابعة للصفقات الكبيرة وقواعد تمنع استخدام الوسطاء لإخراج النقد من مسار الرقابة.

لكن هذه الشروط هي ذاتها التي يثير غيابها مخاوف خبراء آخرين من توقيت الخطوة.

اقتصاد لم يتهيأ بعد

وأكد الخبير الاقتصادي أحمد الهذال أن "حذف الأصفار لا يقدم علاجًا اقتصاديًا بذاته؛ لأن دوافعه نفسية وتنظيمية في الأساس، أما الاعتقاد بأن هذه الخطوة ستجبر الفاسدين على إظهار أموالهم والكشف عن مصادرها فليس صحيحًا".

وأشار الهذال إلى أن "جزءًا واسعًا من العمل التجاري قائم خارج المصارف، لكنه ليس بالضرورة غير مشروع"، مضيفًا أنه "نحو 50% من النشاط التجاري في السوق لا تملك الحكومة معلومات كافية عنه، ومع ذلك فهو نشاط مشروع يمارسه تجار وقطاع خاص يملكون أموالًا وعقارات؛ فهل يُطلب من الجميع إثبات مصادر أموالهم؟".

ويطرح الخبير ترتيبًا مختلفًا للخطوات المطلوبة، قائلًا: "ينبغي أولًا إنشاء قاعدة بيانات، وإجراء إصلاح هيكلي للاقتصاد، وترسيخ الحوكمة، وتطوير النظام النقدي والجهاز المصرفي، ثم الانتقال إلى تعديل العملة؛ فهذه هي الطريقة التي تعمل بها دول العالم".

ولا يقتصر تحذير الهذال على إجراءات التدقيق، إذ يخشى أن يؤدي تطبيقها من دون تهيئة مصرفية كافية إلى إرباك القطاع الخاص المعتاد على التعامل النقدي ودفع جزء منه بعيدًا عن المصارف، بما يفتح الباب أمام تقلبات في السوق والأسعار مع اقتراب الاستبدال.

فترة انتقال حساسة

وحذر الخبير المالي والمصرفي عبد الله البندر من حساسية المرحلة الانتقالية، قائلًا إن "فترة استبدال العملة ستكون شديدة الدقة، لأن أصحاب الثروات الكبيرة هم الأكثر خبرة في التعامل مع مثل هذه التحولات، في وقت لا بد فيه من منح فترة زمنية لإتمام عملية الاستبدال".

وربط البندر المرحلة الانتقالية باحتمال انتقال جزء من السيولة النقدية إلى الأصول، مضيفًا: "قد تتجه الأموال الموجودة لدى الناس إلى العقارات والسيارات والاستثمارات، ما يرفع الطلب عليها ويدفع أسعارها إلى الارتفاع بصورة كبيرة".

وشدد البندر على أن "هذا الاحتمال يستدعي تهيئة مسبقة للقرار ودراسات معمقة"، موضحًا أن "ارتفاع سعر الدولار أو تزايد الطلب على العقارات والذهب ليسا نتيجة حتمية للاستبدال، لكنهما احتمال قائم إذا دخلت السوق مرحلة انتظار من دون معرفة توقيت التنفيذ وآلياته وضوابطه".

ولا يظهر أثر ذلك في حسابات التجار وكبار حائزي السيولة وحدهم، لأن المواطن لا يحصل على فائدة مباشرة من حذف الأصفار ما لم تستقر الأسعار وتتحسن أدوات الرقابة.

ما الذي يتغير للمواطن؟

بدوره، أوضح النائب أحمد الشرماني أن "حذف الأصفار لن يقوي الاقتصاد أو ينعش المواطن تلقائيًا؛ فمن يتقاضى 5 ملايين دينار سيتقاضى بعد الحذف 5 آلاف دينار جديد، من دون أن تتغير قدرته الشرائية أو واقعه المعيشي".

لكنه يرى أن الفائدة المحتملة تكمن في متابعة حركة المال، مبيناً أنه "قد تسهم العملية في تتبع الأموال المسروقة والمخفية، إذ قد يلجأ أصحابها إلى استخدام وسطاء أو أقارب وتقسيم المبالغ لشراء عقارات أو سيارات أو ذهب، وهو ما يفترض أن تتابعه الجهات المختصة".

ويؤكد هذا الطرح أن تغيير العملة لا يكشف مصادر الأموال بمفرده، لكنه قد يمنح الجهات المختصة فرصة لمتابعة حركتها، شرط أن تكون مستعدة للرقابة قبل بدء الاستبدال وخلاله.

وتوضح تجارب دول أخرى أن تغيير العملة ينجح عندما يكون جزءًا من إصلاح أوسع، لا بديلًا عنه.

تجربة لا وصفة

حذفت تركيا 6 أصفار من الليرة في 1 كانون الثاني/يناير 2005، بعد مسار لخفض التضخم وتحسين الاستقرار النقدي وتعزيز قابلية التنبؤ بالسياسات.

أما زيمبابوي فحذفت 3 أصفار في 2006، ثم 10 أصفار في 2008، و12 صفرًا في 2009، قبل أن تنتقل إلى نظام متعدد العملات، وفي فنزويلا، جرى حذف 6 أصفار في تشرين الأول/أكتوبر 2021، باستبدال مليون بوليفار سيادي ببوليفار رقمي واحد.

ولا تجعل هذه التجارب العراق نسخة من أي بلد، لكنها تؤكد أن حذف الأصفار لا يغيّر الاقتصاد أو يحد من الفساد بمفرده، فنجاحه يرتبط بثقة الناس بالمصارف وقدرة الدولة على تتبع الأموال غير المشروعة ووضوح التعليمات قبل دخول السوق في مرحلة الترقب والمضاربة.

ومع غياب تفاصيل الاستبدال عن البيانات الرسمية يبقى نجاح القرار مرهونًا بإعلان قواعده الرقابية وآلياته بوضوح، قبل أن تتحرك الأموال المكتنزة نحو الدولار أو الذهب أو الأصول الأخرى بعيدًا عن أنظار الدولة.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك