يُعد التيار الصدري أحد أبرز التيارات السياسية والدينية في العراق بعد عام 2003، إذ استطاع خلال فترة وجيزة أن يتحول من حركة دينية شعبية إلى قوة سياسية تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وحضورًا مؤثرًا في البرلمان والحكومات المتعاقبة، ويستند التيار إلى الإرث الديني والاجتماعي لعائلة الصدر، إحدى أبرز العائلات الدينية الشيعية في العراق.

ومنذ تأسيسه، مرّ التيار بمحطات سياسية وأمنية عديدة، جمع خلالها بين العمل الجماهيري والسياسي، وخاض تجارب انتخابية متعاقبة، كما لعب دورًا بارزًا في عدد من الأحداث المفصلية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين.

الجذور التاريخية لعائلة الصدر

تنتمي عائلة الصدر إلى السلالة الموسوية المنحدرة من الإمام موسى بن جعفر الكاظم، وتعود أصولها إلى جبل عامل في جنوب لبنان، قبل أن تستقر فروع منها في العراق وإيران منذ قرون.

وقدمت العائلة عددًا من كبار المراجع والعلماء الذين كان لهم تأثير واسع في الفكر الإسلامي الشيعي، من أبرزهم المرجع إسماعيل الصدر، والمرجع محمد باقر الصدر، مؤسس حزب الدعوة الإسلامية، الذي أعدمه النظام العراقي عام 1980، إضافة إلى المرجع محمد محمد صادق الصدر، الذي اكتسب شعبية واسعة خلال تسعينيات القرن الماضي من خلال خطبه الجماهيرية وصلوات الجمعة التي كان يقيمها في مدينة الكوفة.

نشأة التيار الصدري

لا يوجد تاريخ رسمي لإعلان تأسيس التيار الصدري كحزب سياسي، إلا أن نشأته الفعلية ارتبطت باغتيال المرجع محمد محمد صادق الصدر ونجليه مصطفى ومؤمل في 19 شباط/فبراير 1999 بمدينة النجف، وهي الحادثة التي شكّلت نقطة تحول في تاريخ الحركة الصدرية.

وبعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان/أبريل 2003، برز مقتدى الصدر بوصفه الوريث السياسي والديني لنهج والده، مستندًا إلى شبكة واسعة من أتباع المرجع الراحل، ولا سيما في مدينة الصدر ببغداد، إضافة إلى النجف وكربلاء والبصرة وميسان وذي قار والديوانية.

واعتمد التيار منذ بداياته على خطاب ديني وطني ركّز على مقاومة الاحتلال الأجنبي، والدفاع عن الفئات الفقيرة، والإصلاح السياسي، ورفض الفساد، الأمر الذي أكسبه قاعدة جماهيرية واسعة، خصوصًا بين أبناء الطبقات الشعبية.

الأيديولوجية والتنظيم

يرتكز التيار الصدري على المرجعية الدينية لآل الصدر، ويجمع بين الفكر الإسلامي الشيعي والخطاب الوطني العراقي، مع التركيز على مبادئ العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، والحفاظ على وحدة العراق وسيادته.

ولا يُعد التيار حزبًا سياسيًا بالمعنى التنظيمي التقليدي، وإنما هو حركة دينية وسياسية واجتماعية تضم مؤسسات دينية وثقافية وخيرية وإعلامية، إضافة إلى جناحه السياسي الذي يشارك في الانتخابات، وجناحه العسكري المعروف باسم "سرايا السلام".

التيار الصدري بعد عام 2003

مع دخول القوات الأمريكية إلى العراق عام 2003، أصبح التيار الصدري أحد أبرز القوى المعارضة للاحتلال، وأعلن مقتدى الصدر تأسيس "جيش المهدي" الذي خاض مواجهات مع القوات الأمريكية في النجف والكوفة ومدينة الصدر وعدد من المحافظات بين عامي 2004 و2008.

كما برز "جيش المهدي" لاعبًا مهمًا خلال سنوات العنف الطائفي، وواجه اتهامات من الحكومة ومنظمات دولية بالتورط في أعمال عنف طائفية ضد المكون السني.

وفي عام 2008 أعلن مقتدى الصدر تجميد نشاط "جيش المهدي"، قبل أن يعلن حله لاحقًا واستبداله بتشكيلات جديدة ذات طابع اجتماعي وديني.

ومع اجتياح تنظيم "داعش" لعدد من المحافظات العراقية عام 2014، أعلن تشكيل "سرايا السلام" للمشاركة في الدفاع عن المراقد الدينية ومساندة القوات الأمنية العراقية.

الدور السياسي

بالتزامن مع نشاطه الجماهيري، شارك التيار الصدري في العملية السياسية بعد عام 2003، وأصبح أحد أبرز القوى المؤثرة في تشكيل الحكومات العراقية.

كما لعب دورًا بارزًا في الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح، ولا سيما خلال عامي 2015 و2016، عندما نظم اعتصامات وتظاهرات واسعة للمطالبة بمكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتشكيل حكومة تكنوقراط.

المشاركة في الانتخابات

شارك التيار الصدري في معظم الانتخابات البرلمانية التي أُجريت بعد عام 2003، سواء ضمن تحالفات انتخابية أو عبر قوائم مستقلة، وحقق نتائج جعلته أحد أبرز القوى السياسية في البلاد، إلا أنه قاطع الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، معلنًا عدم المشاركة في العملية الانتخابية.

انتخابات 2005

شارك التيار الصدري ضمن الائتلاف العراقي الموحد، الذي ضم معظم الأحزاب الشيعية، وحصل الائتلاف على 128 مقعدًا من أصل 275 مقعدًا، فيما قُدرت حصة التيار الصدري بنحو 30 مقعدًا، ما جعله أحد أبرز مكونات الائتلاف.

انتخابات 2010

شارك ضمن التحالف الوطني العراقي الذي حصل على 70 مقعدًا في مجلس النواب، وواصل التيار تعزيز حضوره السياسي من خلال كتلة نيابية مؤثرة.

انتخابات 2014

خاض الانتخابات عبر كتلة الأحرار، التي حصلت على 34 مقعدًا، لتصبح ثالث أكبر كتلة في البرلمان بعد ائتلاف دولة القانون وائتلاف المواطن.

انتخابات 2018

دخل التيار الانتخابات ضمن تحالف سائرون الذي ضم الحزب الشيوعي العراقي وقوى مدنية أخرى، وحقق التحالف 54 مقعدًا، ليصبح الكتلة الفائزة بالمركز الأول في مجلس النواب.

وشكّل هذا التحالف سابقة في الحياة السياسية العراقية، إذ جمع بين تيار إسلامي وقوى مدنية ويسارية ضمن برنامج ركز على مكافحة الفساد والإصلاح الإداري.

انتخابات 2021

حقق التيار الصدري أكبر انتصار انتخابي في تاريخه بحصوله على 73 مقعدًا من أصل 329، متصدرًا نتائج الانتخابات.

ودعا مقتدى الصدر إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية، إلا أن الخلافات مع قوى الإطار التنسيقي المقربة من إيران حالت دون ذلك، لتدخل البلاد في أزمة سياسية استمرت عدة أشهر.

الانسحاب من البرلمان وأحداث 2022

في حزيران/يونيو 2022، وجّه مقتدى الصدر نواب التيار الصدري إلى تقديم استقالاتهم من مجلس النواب، فاستقال جميع النواب البالغ عددهم 73 نائبًا، وشغلت القوى المنافسة مقاعدهم وفق قانون الانتخابات.

وفي تموز وآب من العام نفسه، نظم أنصار التيار اعتصامات داخل المنطقة الخضراء واقتحموا مبنى مجلس النواب احتجاجًا على ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء.

وتطورت الأزمة إلى اشتباكات مسلحة في بغداد في آب 2022، قبل أن يدعو مقتدى الصدر أنصاره إلى الانسحاب، لتنتهي الأزمة خلال ساعات.

التيار الصدري اليوم

رغم غيابه عن مجلس النواب منذ عام 2022، ما يزال التيار الصدري أحد أكثر القوى السياسية تأثيرًا في العراق، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية واسعة، وحضور ديني واجتماعي يمتد إلى معظم المحافظات ذات الغالبية الشيعية.

ويتبنى التيار خطابًا يركز على الإصلاح السياسي، ومحاربة الفساد، وتعزيز سيادة الدولة، مع تأكيده على استقلال القرار العراقي ورفض التدخلات الخارجية.

ويرى مراقبون أن مستقبل التيار سيظل مرتبطًا بقرارات زعيمه مقتدى الصدر، ومدى مشاركته في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فضلًا عن قدرته على الحفاظ على قاعدته الشعبية والتكيف مع التحولات التي يشهدها المشهد السياسي العراقي، الأمر الذي يجعله أحد أبرز الفاعلين في معادلة السياسة العراقية.