يُعد الحزب الشيوعي العراقي من أقدم الأحزاب السياسية في العراق والمنطقة العربية، إذ تأسس عام 1934، وشكّل منذ ذلك الحين أحد أبرز التيارات اليسارية في البلاد، وعلى امتداد أكثر من تسعة عقود، لعب الحزب دورًا مؤثرًا في الحياة السياسية والاجتماعية، بدءًا من تنظيم الحركة العمالية والنقابية، مرورًا بالمشاركة في الانتفاضات الشعبية والثورات، ووصولًا إلى العمل ضمن العملية السياسية بعد عام 2003.

تبنى الحزب منذ تأسيسه الفكر الماركسي، ورفع شعارات العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفلاحين، ومناهضة الاستعمار، والدفاع عن الحريات العامة، وبين فترات العمل السري والمشاركة العلنية، تعرض الحزب لموجات متعاقبة من الملاحقة والاعتقالات والإعدامات، إلا أنه حافظ على وجوده كأحد أبرز الأحزاب اليسارية في العراق.

نشأة الحزب وأيديولوجيته

ترجع جذور الفكر الشيوعي في العراق إلى عام 1924، عندما أسس المثقف حسين الرحال أول حلقة ماركسية في بغداد، وضمت عدداً من المثقفين والطلبة الذين ناقشوا الأفكار الاشتراكية والماركسية، وأصدروا صحيفة حملت اسم "الصحيفة"، تناولت قضايا الإصلاح الاجتماعي وحقوق المرأة ومناهضة الإقطاع.

وخلال السنوات اللاحقة، بدأت الأفكار اليسارية تنتشر بين الأوساط الطلابية والعمالية، ولاسيما في بغداد والبصرة والناصرية، قبل أن تتوحد عدة خلايا ماركسية ليُعلن رسميًا عن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار/مارس 1934.

ومنذ انطلاقته، تبنى الحزب الفكر الماركسي اللينيني، داعيًا إلى بناء دولة تقوم على العدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، ومناهضة الاستعمار البريطاني، وإلغاء الامتيازات الإقطاعية، فضلاً عن المطالبة بالحريات السياسية والنقابية.

كما تميز الحزب بتنوع قاعدته الاجتماعية، إذ ضم أعضاء من مختلف القوميات والأديان، بينهم عرب وأكراد وتركمان وآشوريون، إضافة إلى مسلمين ومسيحيين ويهود عراقيين، الأمر الذي جعله من أوائل الأحزاب ذات الطابع الوطني العابر للهويات الطائفية والقومية.

وبسبب نشاطه المعارض، تعرض الحزب منذ سنواته الأولى للملاحقة من قبل السلطات الملكية، ما اضطره إلى العمل السري لفترات طويلة.

دوره في السياسة العراقية عبر العقود

شهدت أربعينيات القرن الماضي اتساع نفوذ الحزب بصورة ملحوظة، ولاسيما بعد تولي يوسف سلمان يوسف (فهد) منصب الأمين العام، إذ أعاد تنظيم صفوف الحزب ووسع نشاطه بين العمال والنقابات والطلبة.

وقاد الحزب خلال تلك الفترة عدداً من الإضرابات العمالية، خاصة في قطاعات النفط والسكك الحديدية والموانئ، كما لعب دورًا رئيسيًا في وثبة كانون 1948 التي اندلعت احتجاجًا على معاهدة بورتسموث مع بريطانيا، وأسهمت في إسقاطها.

لكن السلطات الملكية شنت حملة واسعة ضد الحزب، انتهت بإعدام الأمين العام فهد ورفيقيه حسين الشبيبي (صارم) وزكي بسيم (حازم) في شباط 1949، وهي من أبرز المحطات في تاريخ الحزب.

ثورة 14 تموز 1958

مع تصاعد المعارضة للنظام الملكي، دعم الحزب حركة الضباط الأحرار التي أطاحت بالنظام الملكي في 14 تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم.

وخلال السنوات الأولى من حكم قاسم، شهد الحزب فترة من النشاط العلني، وازدادت عضويته بصورة كبيرة، كما حصلت القيادية نزيهة الدليمي على منصب وزيرة البلديات، لتصبح أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العراق والعالم العربي.

كما لعب الحزب دورًا بارزًا في تأسيس المنظمات الجماهيرية، وفي مقدمتها رابطة المرأة العراقية واتحاد الطلبة العام ونقابات العمال، وهي منظمات كان لها تأثير واسع في الحياة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

العلاقة مع عبد الكريم قاسم

اتسمت العلاقة بين الحزب وعبد الكريم قاسم بالتعاون خلال السنوات الأولى للجمهورية، إذ منح الحزب مساحة واسعة للعمل السياسي، بينما وفر الحزب دعماً جماهيرياً لحكومة قاسم في مواجهة خصومها.

إلا أن العلاقة شهدت توترات لاحقة، خاصة بعد مطالبة الحزب بالمشاركة بصورة أكبر في إدارة الدولة، في حين سعى قاسم إلى الحفاظ على توازن القوى السياسية، ما أدى إلى تراجع مستوى التعاون بين الجانبين، دون أن يصل إلى حد القطيعة قبل انقلاب شباط 1963.

الحزب في عهد حزب البعث

مثّل انقلاب 8 شباط 1963 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحزب، إذ تعرض أعضاؤه وأنصاره لحملة واسعة شملت الاعتقالات والإعدامات والتعذيب، واضطر إلى العودة مجددًا للعمل السري.

وفي عام 1973 دخل الحزب في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية إلى جانب حزب البعث، بموجب اتفاق أتاح له العمل بصورة قانونية، والمشاركة في بعض مؤسسات الدولة، إلا أن الخلافات السياسية سرعان ما عادت إلى الواجهة.

وبدءًا من عام 1978، شن النظام العراقي حملة جديدة ضد الحزب، شملت اعتقال المئات من أعضائه وإعدام عدد منهم، خصوصًا العسكريين المنتمين للحزب، بعد اتهامهم بممارسة نشاط سياسي داخل القوات المسلحة، وهو ما أدى إلى انهيار التحالف مع حزب البعث وعودة الحزب إلى المعارضة والعمل السري حتى عام 2003.

التحديات والانقسامات الداخلية

إلى جانب الضغوط الأمنية، واجه الحزب عدة انقسامات تنظيمية، كان أبرزها انشقاق الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية عام 1967، الذي تبنى خيار الكفاح المسلح، في حين تمسك الحزب الأم بالعمل السياسي والتنظيم الجماهيري.

كما تأثر الحزب بالتحولات الدولية، خاصة انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي دفعه إلى مراجعة العديد من أطروحاته الفكرية والتنظيمية، مع الحفاظ على توجهه اليساري والديمقراطي.

مشاركات الحزب في الانتخابات بعد عام 2003

مع سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، عاد الحزب الشيوعي العراقي إلى العمل السياسي العلني بعد عقود من الحظر، وشارك في العملية السياسية الجديدة عبر تحالفات انتخابية مختلفة، مع احتفاظه بخطابه الداعي إلى بناء الدولة المدنية وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

انتخابات 2005

في انتخابات 2005، انضم الحزب إلى "القائمة الوطنية" بقيادة إياد علاوي، التي ضمت أحزابًا علمانية واشتراكية أخرى، حصلت القائمة على 25 مقعدًا من أصل 275، إلى أن الحزب حصل على مقعدين، وكانا من نصيب هناء إدوارد وكريم البكري.

انتخابات 2010

لم يشارك الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2010، وقرر المقاطعة قرار المقاطعة كان بمثابة احتجاج رمزي ضد الحكومة التي يقودها حزب الدعوة تحت رئاسة نوري المالكي، والذي كان يُنظر إليه على أنه يسعى لتعزيز سلطته، الحزب استخدم المقاطعة كوسيلة للتعبير عن رفضه للممارسات غير الديمقراطية.

انتخابات 2014

في الانتخابات البرلمانية لعام 2014، انضم الحزب إلى "التحالف الديمقراطي المدني"، وهو تحالف ضم أحزابًا علمانية ومدنية أخرى، وحصل التحالف على مقعدين من أصل 328، وحصل الحزب على مقعد واحد، وكان من نصيب سارجون يوحنا ضمن المقاعد المسيحية.

انتخابات 2018

في انتخابات 2018، انضم الحزب إلى "تحالف سائرون" بقيادة مقتدى الصدر، الذي حقق نجاحًا كبيرًا بحصوله على 54 مقعدًا من أصل 329، وحصل الحزب على مقعدين.

انتخابات 2021

قرر الحزب مقاطعة الانتخابات البرلمانية في 2021، معتبرًا أن الظروف لم تكن مناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، مشيرًا إلى الفساد والأزمات السياسية كأسباب رئيسية لمقاطعته.

موقف الحزب من احتجاجات تشرين

كان الحزب الشيوعي العراقي من أوائل القوى السياسية التي أعلنت تأييدها لاحتجاجات تشرين التي انطلقت في الأول من تشرين الأول 2019، وشارك العديد من أعضائه وأنصاره في ساحات الاحتجاج في بغداد وعدد من المحافظات.

ودعا الحزب إلى الاستجابة لمطالب المحتجين، وفي مقدمتها مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإجراء إصلاحات دستورية وانتخابية، وتوفير فرص العمل، وإنهاء نظام المحاصصة السياسية.

كما طالب بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، وعدّ أن التغيير الحقيقي يتطلب إصلاحاً شاملاً لبنية النظام السياسي.

أبرز الأمناء العامين للحزب

تعاقب على قيادة الحزب عدد من الشخصيات التي لعبت أدواراً بارزة في مسيرته السياسية.


الحزب اليوم

يواصل الحزب الشيوعي العراقي نشاطه السياسي من خلال الدفاع عن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، والإصلاح السياسي، والعدالة الاجتماعية، وحقوق العمال والنساء والشباب، إلى جانب رفض المحاصصة الطائفية والفساد.

ورغم تراجع حضوره الانتخابي مقارنة بما كان عليه خلال منتصف القرن الماضي، فإنه ما يزال يُعد أحد أبرز الأحزاب اليسارية في العراق، مستنداً إلى إرث سياسي يمتد لأكثر من تسعين عاماً.

ويواجه الحزب تحديات تتعلق بتراجع القاعدة الجماهيرية للأحزاب الأيديولوجية، وصعود قوى سياسية جديدة، فضلاً عن صعوبة المنافسة في نظام انتخابي يقوم على التحالفات الكبرى، إلا أنه يواصل نشاطه السياسي والتنظيمي، ويؤكد في أدبياته أن مشروعه يقوم على بناء دولة المواطنة، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.