يُعد شارع أبو نواس أحد أشهر شوارع العاصمة بغداد وأكثرها ارتباطاً بذاكرة العراقيين، إذ يمتد على الضفة الشرقية لنهر دجلة، من جسر الجمهورية في منطقة الباب الشرقي حتى الجسر المعلق في منطقة الكرادة الشرقية، وعلى مدى عقود، شكّل الشارع متنفساً للعائلات البغدادية، ووجهةً للسياح والزائرين، واشتهر بمطاعمه الشعبية وأكشاك السمك المسكوف التي أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية للعاصمة.
كما يحتضن الشارع تمثال الشاعر العباسي أبي نواس الحسن بن هانئ، الذي صممه النحات العراقي إسماعيل فتاح الترك عام 1972، تخليداً لأحد أبرز شعراء العصر العباسي الذي حمل الشارع اسمه.
التسمية والبدايات
افتُتح شارع أبو نواس عام 1934، وسُمّي تيمناً بالشاعر العباسي أبي نواس، أحد أشهر شعراء الأدب العربي، وقبل اعتماد هذه التسمية، كان يُعرف باسم شارع الشيخ جواد الشبيبي، نسبةً إلى الشاعر العراقي المعروف.
وتعود جذور المنطقة إلى العهد العثماني، إذ كان موقع الشارع عبارة عن تل ترابي يمتد بمحاذاة نهر دجلة، وكانت مهمته حماية ضفة النهر والمساعدة في إيصال المياه إلى بساتين بغداد، ومع توسع المدينة وتطورها العمراني، تحول المكان تدريجياً إلى شارع حيوي يجمع بين النشاط الاجتماعي والثقافي والترفيهي.
السمك المسكوف... هوية شارع أبو نواس
ارتبط اسم شارع أبو نواس بالسمك المسكوف أكثر من أي مكان آخر في العراق، حتى أصبح ذكر الشارع يقترن مباشرةً بهذا الطبق الشعبي.
وتنتشر على امتداد الشارع مطاعم وأكشاك متخصصة بشواء الأسماك على الحطب بالطريقة العراقية التقليدية، وهي طريقة تعود جذورها إلى الحضارات العراقية القديمة، وتحديداً إلى الحضارة السومرية، وتمنح السمك نكهته المميزة التي جعلت شارع أبو نواس مقصداً لعشاق المطبخ العراقي.
العصر الذهبي للشارع
شهد شارع أبو نواس ذروة ازدهاره خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما أصبح أحد أهم المراكز السياحية والترفيهية في بغداد، بالأخص بعد بناء فنادق شهيرة مثل فندق بغداد وفنادق أخرى في الثمانينيات، ما عزز مكانته كرمز حضاري وسياحي.
وكان الشارع يشتهر بأجوائه الليلية الهادئة، وحدائقه الممتدة بمحاذاة النهر، فضلاً عن احتضانه فعاليات ثقافية واجتماعية متنوعة.
الإغلاق بعد عام 2003
تعرض شارع أبو نواس لتراجع كبير بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بسبب قربه من المنطقة الخضراء والمقرات الحكومية، وهو ما أدى إلى إغلاق الشارع لفترة طويلة.
وخلال تلك السنوات، غطّت الكتل الخرسانية والأسلاك الشائكة أجزاءً واسعةً من الشارع، ما أفقده الكثير من ملامحه المعروفة، وأدى إلى تراجع الحركة السياحية والتجارية فيه.
وفي عام 2008، أُعيد افتتاح الشارع بعد إزالة عدد من الحواجز الأمنية، وانطلقت حملات لإعادة إعمار المنطقة وتأهيلها بهدف استعادة مكانتها السابقة.
أبرز معالم شارع أبو نواس
يضم شارع أبو نواس مجموعةً من المعالم التي تعكس تاريخه الثقافي والعمراني، من أبرزها:
- تمثال أبي نواس، الذي أنجزه النحات العراقي إسماعيل فتاح الترك عام 1972.
- نصب شهرزاد وشهريار، من تصميم النحات محمد غني حكمت، ويجسد شخصيات ألف ليلة وليلة.
- مبنى البنك المركزي العراقي، الذي صممته المعمارية العراقية العالمية زها حديد، ويُعد من أبرز الصروح المعمارية الحديثة في بغداد، وأصبح، بعد اكتمال هيكله عام 2021، أعلى مبنى في العاصمة.
شارع أبو نواس اليوم
شهد شارع أبو نواس خلال السنوات الأخيرة مشاريع لإعادة التأهيل والتطوير، أسهمت في إعادة افتتاح عدد من المطاعم والكازينوهات ذات الطابع العصري، مثل مطعم ورق العنب ومطعم الجادرية العائم، إلى جانب مطاعم ومقاهٍ أخرى أعادت جزءاً من الحيوية إلى المنطقة.
ورغم ذلك، لا يزال الشارع يواجه تحديات تتعلق بنقص بعض الخدمات السياحية والإهمال في أجزاء منه، ما يستدعي مزيداً من أعمال التطوير للحفاظ على مكانته التاريخية والسياحية.
رمز لا يغيب عن ذاكرة بغداد
يبقى شارع أبو نواس أكثر من مجرد شارع يطل على نهر دجلة، فهو أحد أبرز رموز بغداد الحديثة، ومرآة لتحولات المدينة عبر العقود، فمنذ افتتاحه في ثلاثينيات القرن الماضي، مروراً بعصره الذهبي، ثم سنوات الإغلاق والتراجع، وصولاً إلى محاولات إحيائه من جديد، ظل الشارع يحتفظ بمكانته في الذاكرة العراقية، فيما يبقى السمك المسكوف وعلاقته بنهر دجلة أبرز ما يميز هذا المكان، الذي لا يزال يستقطب آلاف الزائرين سنوياً.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام