صورة الخبر

14:34:47 2026-06-21 : اخر تحديث

14:34:47 2026-06-21 : نشر في

من المطار إلى البنك المركزي.. لماذا أعاد الزيدي ترتيب بوابات العراق؟

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

في أقل من أسبوع واحد، شهد العراق سلسلة قرارات متلاحقة طالت المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية والأجهزة الأمنية وحتى البنك المركزي، في تحركات بدت للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها، لكنها عند جمعها على خط زمني واحد تكشف عن صورة مختلفة.

فبين 14 و19 يونيو الجاري، أُعفي مسؤولون في المطارات والخطوط الجوية العراقية، وأُحيل مدير عام الشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي إلى التقاعد، وأُطلقت عملية تدوير واسعة للعاملين في المنافذ الحدودية، كما شملت التغييرات مواقع أمنية ومالية رفيعة بينها البنك المركزي والأمن الوطني ومستشارية الأمن القومي.

وجاء ذلك كله بالتزامن مع زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توم باراك إلى بغداد، وصدور بيان مشترك أكد التزام الحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الولايات المتحدة.

ورغم اختلاف طبيعة المؤسسات التي شملتها القرارات، فإنها تشترك في نقطة واحدة؛ فجميعها تمثل بوابات عبور للدولة العراقية، سواء لعبور الأموال أو البضائع أو المسافرين أو حتى القرارات الاقتصادية والأمنية.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل كانت تلك القرارات مجرد حملة إدارية لمكافحة الفساد، أم أنها جزء من عملية أوسع لإعادة إحكام السيطرة على بوابات العراق المالية والأمنية؟

البداية كانت في وزارة النقل، حيث أصدر الوزير وهب سلمان الحسني سلسلة تغييرات واسعة شملت إعفاء 8 مسؤولين في المطارات العراقية، ثم إعفاء مدير دائرة إدارة المطارات العراقية المكلف حسين علي حسين وتكليف بديل عنه، قبل أن تتوسع الإجراءات لتشمل 4 من أهم الأقسام في الخطوط الجوية العراقية، وهي الأمن والمالية والقانونية والتدقيق والرقابة الداخلية.

وفي الوقت ذاته تقريباً، كانت الأنظار تتجه إلى الموانئ العراقية، بعدما انتقل ملف مدير عام الشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي من سحب اليد إلى الإحالة على التقاعد خلال فترة قصيرة نسبياً، ما أثار تساؤلات بشأن خلفيات القرار وطبيعته.

لكن التطور الأكثر أهمية جاء في 19 يونيو، عندما أصدر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي توجيهات وصفت بأنها من أوسع الإجراءات التي تستهدف المنافذ الحدودية منذ سنوات.

وشملت التوجيهات تدوير جميع العاملين في المنافذ الحدودية دون استثناء خلال 48 ساعة، وإعادة الضباط والمنتسبين المنسبين إلى هيئة المنافذ إلى وزارة الداخلية، فضلاً عن غلق الطرق السرية البرية والبحرية وتشديد الرقابة على حركة البضائع ومنع مرور المواد الممنوعة والمخدرات.

كما ألزمت التوجيهات موظفي الهيئة العامة للجمارك بإجراء كشف دقيق على البضائع الواردة دون استثناء، في خطوة تعكس وجود قناعة لدى الحكومة بأن المشكلة لا تقتصر على إدارة المنافذ فحسب، بل تمتد إلى آليات الرقابة والسيطرة داخلها.

رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي تحدث عن وجود تراجع ملحوظ في عمليات المراقبة والرقابة، وهو ما وفر تفسيراً رسمياً للإجراءات الحكومية الأخيرة، إلا أن حجم القرارات وسرعة تنفيذها دفعا كثيرين إلى البحث عن دوافع أعمق.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمود داغر أن ما يجري يرتبط باتجاهين رئيسيين.

ويقول داغر في تصريح خاص لشبكة "الساعة" إن "الاتجاه الأول يتمثل في محاولة إحكام السيطرة على الحدود وإنهاء الثغرات المستمرة منذ سنوات، بما يساعد على تعزيز الأمن الداخلي وتحسين العلاقات مع دول الجوار التي اشتكت مراراً من وجود ثغرات في الجدارين الحدودي والجمركي".

ويضيف أن "الاتجاه الثاني يتعلق بتحسين أداء الجمارك وتعظيم الإيرادات"، موضحاً أن "العراق حقق تطورات مهمة عبر نظام (أسيكودا)، لكن ما تزال هناك ثغرات تسمح بمرور بعض البضائع من دون أن تخضع بالكامل للإجراءات الجمركية، الأمر الذي يؤدي إلى خسارة إيرادات مالية ويؤثر في حماية الاقتصاد الوطني".

وبحسب داغر، فإن "إعادة نشر عناصر الأمن الوطني وشرطة الحدود داخل المنافذ تعكس تحول أمن المنافذ وأمن الجمارك إلى أولوية قصوى لدى الدولة، في ظل اعتماد العراق على الاستيراد بشكل واسع وامتلاكه شبكة علاقات تجارية كبيرة مع العالم".

ويؤكد أن "بغداد تسعى إلى منع دخول بضائع غير خاضعة للتعليمات العراقية أو لا تمر عبر الإجراءات الجمركية الرسمية، وهو ما يفسر جانباً مهماً من القرارات الأخيرة".

ويكتسب هذا التفسير أهمية أكبر إذا ما وضع في سياق زيارة توم باراك إلى بغداد.

فزيارة المبعوث الأمريكي لم تركز فقط على الملفات الأمنية، بل تناولت أيضاً قضايا الاستثمار والطاقة والتعاون الاقتصادي، فيما شدد البيان المشترك على حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز السيادة العراقية.

ولا توجد معطيات معلنة تثبت أن واشنطن طلبت بصورة مباشرة هذه التغييرات أو فرضتها على الحكومة العراقية، إلا أن التزامن الزمني بين الزيارة وسلسلة القرارات الواسعة يفتح الباب أمام قراءة تعتبر أن بغداد أرادت توجيه رسالة مفادها أنها ماضية في تعزيز سيطرة الدولة على مفاصلها الحيوية.

ولا تعد ملفات المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية جديدة على الجدل السياسي والرقابي في العراق، إذ سبق أن أثار رئيس سلطة الطيران المدني المستقيل بنكين ريكاني تساؤلات بشأن طبيعة الإدارة داخل مطار بغداد الدولي، متحدثاً عن وجود 5 صالات خاصة تتبع لجهات حكومية مختلفة، بينها رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب وهيئة الحشد الشعبي والأمانة العامة لمجلس الوزراء، في مؤشر على تعدد مراكز النفوذ داخل أحد أهم المرافق السيادية في البلاد.

ولا تبدو ملفات الموانئ والمنافذ الحدودية بعيدة عن موجة التغييرات الأخيرة، إذ تعد من أكثر القطاعات التي أثيرت حولها شبهات الفساد والهدر المالي خلال السنوات الماضية.

ففي ملف الموانئ، أُحيل مدير عام الشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي إلى التقاعد بعد أسابيع من سحب يده من المنصب، وذلك عقب تصاعد الجدل النيابي والإعلامي بشأن إدارته للمؤسسة، وكانت اللجنة الاقتصادية النيابية قد تحركت خلال عام 2025 لجمع تواقيع ومخاطبة الحكومة للتحقيق في مخالفات واتهامات فساد طالت إدارة الموانئ، شملت اتهامات بالتلاعب بالمال العام وصرف أموال خارج الضوابط القانونية.

كما أثير جدل بشأن شراء راية بمبلغ 93 مليون دينار، وجهاز UPS بنحو 303 ملايين دينار، فضلاً عن صرف 200 مليون دينار لإحدى المستشفيات خارج السياقات المعتادة لمجلس إدارة الشركة، فيما تحدث نواب عن أن حجم المخالفات المالية في الملف يقدّر بمليارات الدنانير.

أما المنافذ الحدودية، فتُعد من أكثر الملفات استنزافاً للإيرادات غير النفطية في العراق وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن البلاد خسرت أكثر من 20 تريليون دينار بين عامي 2019 و2024 نتيجة الثغرات الجمركية وضعف الرقابة والتلاعب بالفواتير وعمليات التهريب.

كما أظهرت بيانات اقتصادية أن حجم التحويلات الرسمية للاستيراد بلغ نحو 314 مليار دولار، في حين لم تتجاوز العوائد الجمركية المتحققة 6.4 مليارات دولار فقط، وهو ما دفع خبراء إلى وصف المنافذ الحدودية بأنها واحدة من أبرز بؤر الهدر المالي ومراكز الصراع على النفوذ الاقتصادي في البلاد.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك