في كل مرة تهبط فيها أسعار النفط، يتكرر السؤال نفسه، ماذا لو لم يعد النفط قادراً على تمويل العراق؟
المفارقة أن هذا السؤال يُطرح منذ أكثر من عشرين عاماً، رغم أن البدائل التي يفترض أن تجيب عنه ليست غائبة عن البلاد، بل حاضرة في الزراعة والصناعة والغاز والسياحة والنقل ومع ذلك، ما يزال النفط يمول الغالبية العظمى من إيرادات الدولة، فيما تبقى تلك القطاعات عاجزة عن انتزاع دور حقيقي في الاقتصاد.
فكيف بقي النفط سيد المشهد الاقتصادي العراقي رغم كل البدائل التي جرى الحديث عنها طوال هذه السنوات؟
هل ارتفعت الإيرادات أم ارتفعت الجباية؟
عندما تتحدث الحكومات عن تنويع الاقتصاد، فإن المعيار لا يتعلق بحجم الأموال التي تدخل الخزينة فحسب، بل بمصدر تلك الأموال أيضاً، فالإيرادات الناتجة عن الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة تعني خلق قيمة اقتصادية وفرص عمل وإنتاجاً جديداً، بينما تعتمد الإيرادات المتأتية من الضرائب والرسوم والجمارك على تحصيل الأموال من النشاط الاقتصادي القائم أصلاً.
ومن هذه الزاوية، يواجه العراق مفارقة لافتة، فخلال السنوات الأخيرة ارتفعت الإيرادات غير النفطية إلى ما بين 11 و12% من إجمالي الموازنة، مقارنة بنحو 7% في السنوات السابقة، إلا أن جانباً مهماً من هذه الزيادة جاء من الضرائب والرسوم والجمارك، في وقت ما تزال فيه القطاعات المنتجة تعاني من عقبات تحد من مساهمتها في الاقتصاد.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية أكبر إذا ما قورنت بحجم الأموال التي تغادر البلاد سنوياً، فالعراق ينفق أكثر من 10 مليارات دولار على استيراد الغذاء، فيما يخسر مليارات أخرى في ملف الغاز بين الحرق والاستيراد، ما يثير تساؤلات حول مدى نجاح التنويع الاقتصادي المتحقق فعلياً، وما إذا كان قائماً على تنمية الإنتاج أم على زيادة الجباية.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي نوار السعدي في تصريح خاص لشبكة "الساعة" إنه "إذا أراد العراق خفض اعتماده على النفط من أكثر من 90% من إيرادات الموازنة إلى نحو 50% خلال عشر سنوات، فإن ذلك يتطلب إصلاحات اقتصادية حقيقية وتنويعاً منظماً لمصادر الدخل".
وأضاف السعدي أن "المشكلة لا تتعلق بقطاع واحد، بل بمجموعة قطاعات يمكن أن تضيف عشرات المليارات من الدولارات سنوياً إذا أُديرت بصورة صحيحة"، مشيراً إلى أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الفرص الاقتصادية، بل في تنفيذ الإصلاحات وتحسين الحوكمة ومكافحة الفساد".
وإذا كانت الإيرادات غير النفطية قد ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، فإن السؤال الأهم يتعلق بما إذا كانت القطاعات المنتجة تحقق تقدماً مماثلاً ويظهر ذلك بوضوح في ملف الغذاء، إذ ما يزال العراق ينفق أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً على استيراد منتجات يمكن إنتاج جزء كبير منها محلياً، رغم أن تقليص هذه الفاتورة يمثل أحد أكثر المسارات المباشرة لتقوية الاقتصاد غير النفطي.
10 مليارات دولار تخرج سنوياً لاستيراد الغذاء
إذا كان النفط يمثل مصدر الدخل الرئيسي للعراق، فإن الغذاء يمثل واحداً من أكبر أبواب الإنفاق المستمر.
فبحسب بيانات التجارة الدولية، ما تزال الأسواق العراقية تعتمد على استيراد كميات كبيرة من المواد الغذائية، رغم الإمكانات الزراعية التي تمتلكها البلاد.
وقال الخبير الزراعي والأستاذ في كلية الزراعة بجامعة تكريت خطاب الضامن في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "حجم استيرادات العراق من المواد الغذائية يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً".
وأوضح أن "هذه الاستيرادات لا تقتصر على سلعة أو اثنتين، بل تشمل الدواجن واللحوم والأسماك المجمدة والفواكه والزيوت النباتية والمواد الغذائية المصنعة وحليب الأطفال وسلعاً أخرى متنوعة تشغل مساحة واسعة من السوق العراقية".
ويرى الضامن أن "جزءاً كبيراً من هذه السلع يمكن إنتاجه محلياً إذا توفرت بيئة استثمارية مناسبة"، لافتاً إلى أن "تجربة الحنطة قدمت نموذجاً واضحاً على إمكانية تقليص الاعتماد على الخارج، بعدما تمكن العراق خلال السنوات الماضية من تحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي والتوقف عن استيراد كميات كانت تكلف البلاد مليارات الدولارات".
وأشار إلى أن الطريق نحو توسيع هذا النموذج ما يزال يواجه تحديات عديدة، في مقدمتها المنافسة مع المنتجات المستوردة منخفضة الأسعار، وصعوبة التمويل، وضعف الخدمات التسويقية، فضلاً عن البيروقراطية التي تواجه المستثمرين والمنتجين.
ولفت إلى أن التحديات لا تتوقف عند الإجراءات الإدارية فقط، إذ قد يواجه بعض المستثمرين حالات ابتزاز أو طلب حصص وعمولات وتأخيراً في إنجاز المعاملات، وهي ممارسات تدفع البعض إلى التراجع عن تنفيذ مشاريعهم أو تأجيلها.
25موافقة قبل إنشاء مصنع واحد
وإذا كان ملف الزراعة يكشف حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة على أرض الواقع، فإن الصناعة تواجه تحديات لا تقل تعقيداً، فالمشكلة بحسب مختصين، لا تكمن في نقص الفرص الاستثمارية أو ضعف السوق المحلية، بل في البيئة التي تعمل فيها تلك الاستثمارات.
إذ ما تزال البيروقراطية وتعدد جهات الموافقة وضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج تشكل عوائق أمام المشاريع الصناعية، يضاف إليها ما يتحدث عنه مستثمرون وخبراء من ممارسات مرتبطة بالفساد الإداري والمحسوبية والابتزاز وطلب الحصص والعمولات، وهي عوامل تؤدي إلى تأخير كثير من الاستثمارات أو تعثرها قبل أن تتحول إلى مشاريع منتجة قادرة على خلق فرص عمل أو رفد الاقتصاد بإيرادات جديدة.
وقال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد الجنابي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "أي شخص يحاول فتح مصنع أو شركة يحتاج إلى ما يقارب 25 إلى 30 موافقة، فضلاً عن صعوبة الحصول عليها بسبب البيروقراطية والفساد الإداري والمحسوبية".
وأوضح أن "جانباً من المشكلة يرتبط بالإطار القانوني المنظم للاستثمار، إذ ما تزال بعض القوانين المعمول بها قديمة ولا تنسجم مع متطلبات المرحلة الحالية، ما يستدعي تحديثها بما يسهم في تسهيل الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص على التوسع".
ويؤكد الجنابي أن "ضعف البنية التحتية، وخصوصاً في قطاعي الكهرباء والمياه، يرفع كلفة الإنتاج المحلي ويقلل قدرته على منافسة السلع المستوردة التي تغزو الأسواق العراقية بأسعار أقل".
ولا تتوقف المشكلة عند حدود التكاليف فقط، بل تمتد إلى طبيعة القوانين الناظمة للقطاع الخاص، إذ يرى الجنابي أن "غياب الضمانات الاجتماعية والتقاعدية للعاملين يدفع شريحة واسعة من العراقيين إلى تفضيل الوظائف الحكومية على العمل في القطاع الخاص، ما يضعف قدرة هذا القطاع على التحول إلى محرك حقيقي للاقتصاد".
وإذا كانت البيروقراطية وضعف البيئة الاستثمارية يفسران جانباً من تعثر الصناعة، فإن ملف الغاز يكشف مفارقة أكثر وضوحاً فالعراق لا يواجه نقصاً في الموارد، بل يمتلك بالفعل ثروة طاقية تكلفه مليارات الدولارات سنوياً بين الحرق والاستيراد.
12مليار دولار بين الحرق والاستيراد
إذا كان العراق يستورد جزءاً من غذائه رغم قدراته الزراعية، فإنه يواجه مفارقة مشابهة في قطاع الطاقة.
فالعراق يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات الغازية في المنطقة، لكنه ما يزال يعتمد على استيراد الغاز لتشغيل جزء من محطات الكهرباء.
ورغم التقدم الذي تحقق في خفض معدلات حرق الغاز خلال السنوات الأخيرة، فإن التقديرات الرسمية تشير إلى أن خسائر حرق الغاز واستيراده تصل إلى نحو 12 مليار دولار سنوياً.
وتكشف هذه الأرقام عن واحدة من أكثر المفارقات وضوحاً في الاقتصاد العراقي؛ إذ تخسر البلاد مليارات الدولارات في ملف الطاقة، في وقت يمكن أن يتحول فيه الغاز إلى مصدر لتقليل الإنفاق وتعزيز الإيرادات ودعم الصناعة المحلية.
ولا يتعلق الأمر بالموارد المتاحة بقدر ما يتعلق بسرعة استثمارها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية فعلية.
من أين يمكن أن تأتي الـ50 مليار دولار؟
بعد استعراض أبرز العقبات التي تواجه القطاعات غير النفطية، يبقى السؤال الأهم: هل يملك العراق فعلاً بديلاً مالياً قادراً على تقليص هيمنة النفط على الموازنة؟
يرى الخبير الاقتصادي جليل اللامي أن تحقيق هذا الهدف ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب استثمار القطاعات المعطلة التي ما تزال تعمل بأقل من إمكاناتها، ويقول في تصريح خاص لشبكة "الساعة" إن "خفض الاعتماد على النفط من أكثر من 90% من إيرادات الموازنة إلى نحو 50% خلال السنوات العشر المقبلة يتطلب توفير ما لا يقل عن 50 مليار دولار سنوياً من الموارد غير النفطية".
وبحسب اللامي، فإن "جزءاً مهماً من هذه الإيرادات يمكن أن يأتي من إصلاح النظام الضريبي والجمركي ورفع كفاءة الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، ما قد يرفع الإيرادات السنوية إلى نحو 15 مليار دولار، فضلاً عن زيادة إيرادات المنافذ الحدودية والجمارك إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً عبر السيطرة الكاملة على المنافذ ومكافحة التهريب".
أما في قطاع الطاقة، فيرى أن "استثمار الغاز المصاحب بدلاً من حرقه واستيراد الغاز من الخارج يمكن أن يحول مليارات الدولارات المهدورة سنوياً إلى مورد مباشر للخزينة في حين يمتلك القطاع الزراعي فرصة لتقليص فاتورة الاستيراد وإضافة ما بين 5 و6 مليارات دولار سنوياً إذا جرى تطوير الإنتاج المحلي وتحديث تقنيات الري".
ولا تختلف الصورة كثيراً في القطاع الصناعي، إذ يشير اللامي إلى أن "إعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتطوير الصناعات التحويلية والبتروكيمياوية يمكن أن تضيف ما بين 5 و7 مليارات دولار سنوياً، فيما تمتلك السياحة الدينية القدرة على تحقيق ما بين 5 و8 مليارات دولار من الإيرادات المباشرة وغير المباشرة إذا جرى تطوير البنية التحتية والخدمات المرتبطة بها".
ويضيف أن "مشروع طريق التنمية قد يحول العراق إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية بإيرادات تتراوح بين 4 و10 مليارات دولار سنوياً عند اكتماله، فضلاً عن فرص أخرى في الاقتصاد الرقمي والاتصالات والتعدين يمكن أن تضيف مليارات الدولارات".
ويخلص اللامي إلى أن "مجموع هذه القطاعات قادر نظرياً على توفير ما بين 50 و70 مليار دولار سنوياً خلال عقد واحد، وهو ما يكفي لتقليص هيمنة النفط على الموازنة بصورة كبيرة. إلا أن تحقيق هذه الأرقام، بحسب خبراء، يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على معالجة المشكلات نفسها التي واجهت القطاعات غير النفطية طوال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الفساد والبيروقراطية وضعف البنية التحتية والبيئة الاستثمارية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام