تُعد المادة 140 من الدستور العراقي واحدة من أكثر المواد إثارةً للجدل منذ إقرار الدستور عام 2005، نظراً لارتباطها بملف المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، ولا سيما في محافظات كركوك ونينوى وديالى وصلاح الدين.

وجاءت هذه المادة لمعالجة قضايا سياسية وديموغرافية تراكمت على مدى عقود، من خلال وضع آلية لتسوية أوضاع تلك المناطق وتحديد تبعيتها الإدارية، في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف المعنية بشأن مستقبلها.

 

خلفية تاريخية

تعود جذور المادة 140 إلى السياسات التي شهدها العراق خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي تضمنت تغييرات ديموغرافية في عدد من المناطق، لاسيما تلك الغنية بالموارد الطبيعية مثل كركوك، وقد أسهمت تلك السياسات في إحداث تحولات سكانية أثرت على التركيبة الديموغرافية للمناطق المعنية.

وأدت هذه المتغيرات إلى بروز توترات بين المكونات الرئيسة في تلك المناطق، من العرب والكرد والتركمان، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز القضايا الخلافية في العراق الحديث.

وبعد عام 2003، شهدت بعض المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك، تحولات سكانية جديدة مع عودة أعداد من الأسر الكردية التي أكدت أنها كانت من سكان المنطقة قبل مغادرتها خلال فترات سابقة، الأمر الذي انعكس على الواقع الديموغرافي للمدينة وأعاد ملف تبعيتها الإدارية والسياسية إلى واجهة النقاش الوطني.

 

نص المادة 140

تُعنى هذه المادة من الدستور بحل النزاع بشأن المناطق المتنازع عليها عن طريق ثلاث خطوات رئيسية، وهي:

التطبيع: بمعنى إعادة التوازن الديموغرافي إلى هذه المناطق وإلغاء التغييرات التي أجراها النظام السابق.

الإحصاء السكاني: إجراء إحصاء سكاني لتحديد طبيعة التركيبة السكانية الحقيقية بعد التطبيع.

الاستفتاء: إجراء استفتاء لسكان المناطق المتنازع عليها لتحديد ما إذا كانوا يرغبون في البقاء تحت إدارة الحكومة المركزية أو الانضمام إلى إقليم كردستان.

 

الجدول الزمني للتنفيذ

نصّ الدستور العراقي لعام 2005 على استكمال تنفيذ المادة 140 قبل نهاية عام 2007، من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة أوضاع المناطق المتنازع عليها وحسم ملف تبعيتها الإدارية، إلا أن المادة لم تُنفذ بشكل كامل حتى اليوم، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار الخلافات السياسية بين الأطراف المعنية، والتحديات الأمنية التي شهدتها البلاد، فضلاً عن غياب التوافق بشأن آليات التطبيق ومراحله.

 

مواقف الأطراف من المادة 140

موقف العرب والتركمان:

يرى العديد من ممثلي العرب والتركمان أن المادة 140 فقدت قابليتها للتطبيق بعد انتهاء المدة الزمنية المحددة لها دستورياً، كما يعترضون على تنفيذها بسبب التغيرات الديموغرافية التي شهدتها بعض المناطق بعد عام 2003، والتي يعتبرون أنها أثرت على الواقع السكاني وأبعدت المادة عن أهدافها الأصلية.

كما يدعو عدد من السياسيين العرب والتركمان إلى منح محافظة كركوك وضعاً خاصاً، فيما يطالب آخرون بإبقائها تحت إدارة الحكومة الاتحادية أو الإبقاء على الوضع الإداري القائم.

وبعد عملية "فرض القانون" عام 2017، التي انتهت بخروج قوات البيشمركة من المناطق المتنازع عليها، برزت مطالبات عربية وتركمانية باستمرار إدارة الملفين الأمني والإداري من قبل الحكومة الاتحادية وعدم إعادة انتشار قوات البيشمركة في تلك المناطق.

موقف الأكراد:

في المقابل، تواصل الأحزاب الكردية المطالبة بتنفيذ المادة 140، وتعتبرها الإطار الدستوري الوحيد لحسم النزاع القائم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن المناطق المتنازع عليها، ولا سيما المناطق ذات التنوع القومي مثل كركوك.

وبعد أحداث عام 2017 وفقدان السيطرة على عدد من تلك المناطق، تمسكت القوى الكردية بضرورة تطبيق المادة وفق ما نص عليه الدستور، مستندة إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا عام 2019 الذي أكد استمرار سريان المادة 140 وعدم سقوطها بانتهاء المدة الزمنية المحددة لتنفيذها، رغم استمرار الخلافات السياسية التي حالت دون تطبيقها حتى الآن.

 

الوضع الحالي

على الرغم من مرور سنوات على استعادة المناطق المتنازع عليها من سيطرة تنظيم "داعش"، فإن ملف المادة 140 لا يزال دون حسم نهائي، ولم تشهد الفترة الماضية تقدماً ملموساً باتجاه تنفيذ بنودها بشكل كامل.

ورغم طرح عدد من المبادرات والتفاهمات الجزئية بين بغداد وأربيل، بقيت القضية عالقة بفعل استمرار الخلافات السياسية وتباين الرؤى بشأن آليات التنفيذ، ويُنظر إلى المادة 140 على نطاق واسع بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد السياسي العراقي، نظراً لارتباطها بالمناطق المتنازع عليها وتأثرها المستمر بطبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان.