شهد العراق في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1936 حدثاً تاريخياً بارزاً تمثل بانقلاب عسكري قاده الفريق الركن بكر صدقي ضد حكومة رئيس الوزراء ياسين الهاشمي، في أول انقلاب عسكري ناجح في العالم العربي والإسلامي.

ويُعد هذا الانقلاب نقطة تحول في تاريخ العراق الحديث، إذ مهّد لمرحلة من التدخل العسكري في الحياة السياسية، بعدما دخلت القوات المسلحة لأول مرة بشكل مباشر على خط تغيير الحكومات المدنية، ما فتح الباب أمام سلسلة من الانقلابات في العقود اللاحقة.

 

الخلفية والدوافع

تعود أسباب انقلاب بكر صدقي إلى تراكم مجموعة من التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العراق في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أسهمت مجتمعة في تهيئة الظروف لوقوعه.

ومن أبرز هذه الأسباب تصاعد الاستياء من سياسات حكومة ياسين الهاشمي، التي وُجهت إليها انتقادات تتعلق بالاستحواذ على السلطة وتشديد القبضة السياسية، ما خلق حالة من الغضب الشعبي تجاه أسلوب إدارتها لشؤون الدولة.

كما ساهم انتشار الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات الحكم في تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتزايد معاناة المواطنين، في حين تأثر بكر صدقي بالتيارات والأفكار السياسية السائدة آنذاك، ولا سيما تجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، ما جعله يرى في الانقلاب وسيلة للتغيير السياسي وإصلاح أوضاع البلاد.

 

تنفيذ الانقلاب

قاد بكر صدقي، قائد الفرقة الثانية في الجيش العراقي، قواته نحو بغداد في تحرك سريع ومفاجئ بهدف الإطاحة بحكومة ياسين الهاشمي.

وقد حرص صدقي على استخدام القوة العسكرية كوسيلة للتغيير دون إراقة الدماء، حيث وجّه تهديداً مباشراً للحكومة دعاها فيه إلى تقديم استقالتها، في وقت تلقى فيه دعماً من الملك غازي الذي كانت تربطه خلافات مع رئيس الوزراء.

وأمام تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، اضطر ياسين الهاشمي إلى تقديم استقالته ومغادرة البلاد، لتنتهي بذلك حكومته وتبدأ مرحلة سياسية جديدة في تاريخ العراق.

 

مرحلة ما بعد التغيير

عُيّن حكمت سليمان رئيساً للوزراء عقب استقالة ياسين الهاشمي، حيث شكّل حكومة جديدة بدعم من بكر صدقي، الذي أصبح شخصية مؤثرة في إدارة شؤون البلاد.

ويمثل هذا التطور بداية مرحلة سياسية جديدة في تاريخ العراق، اتسمت بتعاظم دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، بعدما بات الجيش لاعباً رئيسياً في صنع القرار وتوجيه مسار الحكم، ما أسهم في ترسيخ نفوذ القيادات العسكرية خلال تلك المرحلة.

 

الاغتيال والتداعيات اللاحقة

في عام 1937، تعرض بكر صدقي للاغتيال في مدينة الموصل خلال إحدى زياراته، ما أدى إلى إنهاء دوره السياسي والعسكري بشكل مفاجئ.

وقد أسهم هذا الحدث في تراجع نفوذ الجيش مؤقتاً في الحياة السياسية العراقية، إلا أنه لم يوقف ظاهرة التدخل العسكري في الشأن السياسي، بل على العكس، عزز الفكرة التي رسخها بكر صدقي حول إمكانية تغيير النظام السياسي عبر الانقلابات، لتبقى حاضرة في المشهد العراقي خلال العقود اللاحقة.

 

الآثار والتداعيات العامة

ترك انقلاب بكر صدقي آثاراً عميقة على مسار التاريخ السياسي في العراق، إذ شكّل بداية مرحلة جديدة اتسمت بتدخل الجيش في الشؤون السياسية، وكرّس فكرة عدم استقرار الحكومات المدنية أمام القوة العسكرية.

وقد أصبحت الانقلابات العسكرية لاحقاً جزءاً من المشهد السياسي العراقي، حيث توالت أحداث مماثلة مثل انقلاب عام 1941 وانقلاب عام 1958 الذي أدى إلى إسقاط النظام الملكي، ما جعل الانقلاب العسكري أحد أبرز سمات الحياة السياسية في تلك المرحلة.

 

الصورة أدناه لقائد أول انقلاب عربي: