صورة الخبر

11:38:56 2025-05-20 : اخر تحديث

11:38:56 2025-05-20 : نشر في

"المدخلية" في العراق من التمكين إلى الملاحقة

حجم الخط

فريق التحرير- شبكة الساعة

منذ عام 2003 ومع التحولات التي رافقت سقوط النظام السابق وما تبعها من فراغ أمني وسياسي، برز في الساحة السنية العراقية تيار سلفي يُعرف بـ"المدخلية"، تأثر بخطاب ديني قادم من السعودية ويرتكز على مبدأ الطاعة المطلقة للحاكم.

شهد التيار انتشارًا ملحوظًا داخل عدد من المساجد والمراكز الدينية، إلى أن صنّفته الدولة في 27 أيار/مايو 2025 كتيار "يهدد السلم المجتمعي"، ووجّهت باتخاذ إجراءات في عدد من المحافظات في خطوة قد تعيد ترتيب المشهد الديني السني.

الجذور الفكرية: النشأة السعودية وفكرة الطاعة المطلقة

يُعرف "التيار المدخلي" أو "الجامية" نسبةً للشيخ محمد أمان الجامي بأنه تيار سلفي برز في السعودية، ويُعد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي (مواليد 1931 أو 1933) مرجعيته الأبرز، واكتسب التيار زخمًا ملحوظًا إبان حرب الخليج الثانية (1991) بدعمه موقف الحكومة السعودية بالاستعانة بالقوات الأمريكية، مقابل معارضة تيار "الصحوة".

ويُنظر إلى أن الحكومة السعودية عززت دور المدخلية لموازنة التيارات الإسلامية الأخرى المنتقدة لسياساتها، ويعد المرتكز الأساسي "للمدخلية" هو التأكيد المطلق على "طاعة ولي الأمر"، استنادًا إلى تفسيرهم لنصوص يرون أنها توجب السمع والطاعة للحاكم المسلم، حتى لو كان فاسقًا ما لم يُظهر "كفرًا بواحًا"، وذلك لتجنب الفتنة.

انتقال "الفكر المدخلي" إلى العراق وتحوّله إلى بنية منظمة

بعد سقوط نظام صدام حسين ظهرت "المدخلية" في العراق كتيّار منظّم للمرة الأولى؛ فقبل 2003 لم تتجاوز وجودَ خلايا فرديّة متفرّقة بلا إطار مؤسَّس، الفراغ الأمني وسيولة المشهد الديني بعد الغزو وفّرا لهم أرضيةً خصبة، فتوسّعوا سريعاً في مساجد حزام بغداد ومدن سنّية أخرى.

عام 2007 ألقى زعيمهم المحلي أبو منار العلمي محاضرةً شهيرة حرّم فيها قتال القوات الأميركية بدعوى "انتفاء شروط الجهاد" وواجب طاعة "المتغلب" درءاً للفتنة؛ ورأى أنّ إطلاق النار على الجنود داخل المدن يُعرّض المدنيين للخطر ولا يُعدّ جهاداً مشروعاً.

هذا الخطاب يطابق مبدأ المدخلية العالمي الذي يوجب السمع والطاعة للحاكم القائم ولو كان غير مسلم ويرفض العمل المسلّح أو السياسي ضده.

موقفهم "الهادئ" جعلهم تياراً سنّياً مفضَّلاً لدى الحكومات العراقية المتعاقبة؛ فدخلوا في ديوان الوقف السُني، وأصبحت لهم القدرة على عزل أئمّة منافسين وتعيين موالين، ما مكّنهم من التمدّد على حساب تيارات سنّية أخرى أكثر تصادماً مع السلطة في حينها.

أبو منار العلمي: الشخصية المحورية في النسخة العراقية

يُعد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي من أبرز مشايخ السلفية في السعودية، وهو المرجع الأعلى لما يُعرف بـ"التيار المدخلي" أو "السلفية الجامية"، وله أتباع في عدد من الدول، من بينها العراق ويتبنّى أتباعه منهجه القائم على الطاعة المطلقة للحاكم كما تقدم، ورفض العمل السياسي، وتبديع خصومهم من التيارات الإسلامية الأخرى.

عراقيًا، برز بعد عام 2003 اسم أبو منار العلمي وهي كنيته ولا يُعرف اسمه حقيقي، كأحد أبرز منظّري هذا التيار داخل العراق، ويُنسب إليه كتاب بعنوان "دحر المثلب على جواز تولية المسلم على المسلم من كافر متغلب"، وهو نص فقهي محدود النشر يناقش فيه مشروعية تولي الكافر أو من ينوب عنه المسلمين، مثل "الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر"، شؤون المسلمين، ويُقر وجوب طاعته باعتباره "متغلبًا"، وذلك تجنّبًا للفتنة والفوضى.

هذا الطرح شكّل تمايزًا صريحًا عن موقف معظم حركات المقاومة السنيّة في العراق، التي رأت في الاحتلال الأميركي عدوًا مباشرًا يجب مقاومته، لكنه منسجم مع الموقف الذي تبنّاه رموز "التيار المدخلي" في السعودية، وعلى رأسهم ربيع المدخلي وعدد من المشايخ المداخلة، حيث دافعوا عن الطاعة المطلقة للمتغلب، حتى لو كان غير مسلم.

ورغم التوافق الفكري بين العلمي والمدخلي في هذه المسائل، إلا أن العلاقة بين الرجلين لم تكن سلسة تمامًا؛ فقد وجّه الشيخ ربيع في وقت لاحق انتقادات حادّة للعلمي ولعلي حسن الحلبي، واصفًا إياهما بـ"أهل فتن ومشاكل"، وهو ما أضعف مكانته لاحقًا رغم دوره في بدايات ترسيخ التيار المدخلي داخل العراق.

مواجهة "التيار المدخلي"

بعد سنواتٍ من الجدل الداخلي، خطت الدولة العراقيّة خطوةً حاسمة في 27 أيّار/مايو 2025 بتصنيف "الحركة المدخليّة" حركةً "عالية الخطورة تهدّد السِّلم المجتمعي والأمن القومي"، وذلك بموجب كتابٍ سرّي صادر عن مستشاريّة الأمن القومي ومُوقَّعٍ بموافقة رئيس الوزراء، أُلزم فيه محافظي بغداد وكركوك وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى بتفعيل الإجراءات القانونية والبرامج المجتمعيّة لمكافحة هذا التيار، بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات والدفاع والداخلية والحشد الشعبي.

من المتوقَّع أن ينعكس هذا القرار على حضور "المدخليّة" في مؤسّسات الوقف السني والمساجد التي يسيطرون عليها؛ فبينما يمنح التصنيف الدولةَ مظلّةً قانونيّة للحدّ من نفوذ التيار، يبقى حجم التغيير مرهوناً بمدى التزام الأجهزة المحليّة بالتعليمات المركزيّة، ويعد اختبار للقواعد الشعبيّة السنّية. 

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك