07:36:35 2026-01-13 : اخر تحديث
07:36:35 2026-01-13 : نشر في
فريق التحرير- شبكة الساعة
تمثل دار الحكمة، أو ما تعارف عليه المؤرخون بـ "بيت الحكمة"، النواة التأسيسية التي غيرت وجه التاريخ العلمي العالمي، حيث انطلقت ملامحها الأولى مع بداية القرن الثالث الهجري على يد الخليفة العباسي المأمون.
ولم تكن هذه الدار مجرد خزانة للكتب، بل كانت تجسيداً لرؤية سياسية وحضارية هدفت إلى تحويل بغداد إلى قطب أوحد للعلم والفكر في قلب العالم الإسلامي، مستندة إلى دعم لا محدود من السلطة العباسية التي آمنت بأن المعرفة هي مفتاح السيادة.
وفي أروقة هذه الدار، اجتمعت آلاف المخطوطات والكتب النادرة، وتوافدت إليها عقول المترجمين والعلماء الذين انكبوا على نقل كنوز الحضارات اليونانية، والفارسية، والسنسكريتية إلى اللسان العربي، في واحدة من أضخم عمليات المثاقفة التاريخية.
وفي سياق هذا الحراك الفكري، برزت أسماء لامعة شكلت العمود الفقري لبيت الحكمة، وفي مقدمتهم حنين بن إسحاق الذي أحدث ثورة في الترجمة الطبية والفلسفية عبر نقله لأعمال كبار فلاسفة اليونان.
وبذات الزخم وضع الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي بصمته كأول فيلسوف عربي إسلامي استطاع فك شفرات الفلسفة اليونانية وتقريبها للذهن العربي، مما أرسى قواعد صلبة قامت عليها مدارس فلسفية لاحقة ولم يقتصر دور الدار على استيراد المعرفة فحسب، بل تحولت إلى مختبر حي للبحث العلمي الأصيل، حيث شهدت أروقتها تجارب رائدة في مجالات الطب، والرياضيات، والفلك، مما جعل منها مركزاً للابتكار يتجاوز مفهوم الجمع والحفظ التقليدي.
وبالانتقال إلى الأبعاد الاستراتيجية لهذا الصرح، فإن أهمية بيت الحكمة تكمن في قدرته على دمج المواريث الحضارية للأمم السابقة وصهرها في بوتقة الفكر العربي الإسلامي، وهو ما أنتج ما يعرف بـ "العصر الذهبي"، هذا التلاقح المعرفي لم يتوقف عند أسوار بغداد، بل امتد تأثيره العابر للقارات ليصل إلى الأندلس والمغرب العربي، ومنهما تسللت العلوم المترجمة والمطورة إلى أوروبا التي كانت تعيش عصورها المظلمة.
ويرى مؤرخون معاصرون أن هذه الترجمات العربية كانت هي الشرارة الحقيقية التي أوقدت نيران النهضة الأوروبية، حيث شكلت الجسر المعرفي الذي عبرت من خلاله علوم القدماء إلى العقل الغربي الحديث.
وعلى الرغم من النهاية المأساوية التي واجهتها دار الحكمة إبان الغزو المغولي لبغداد عام 656 هـ / 1258م، وما خلفه من دمار وإحراق لآلاف المجلدات الثمينة، إلا أن إرثها لم يندثر بزوال جدرانها، فقد استمرت الأبحاث والترجمات التي أنجزت في بيت الحكمة في تغذية العقول لقرون طويلة، وانتقلت شعلتها إلى مراكز علمية ناشئة في القاهرة ودمشق ومدن العالم الإسلامي الكبرى.
وفي هذا الصدد، يؤكد المؤرخ جوناثان ليونز في كتابه "بيت الحكمة" أن هذه الجهود لم تكن مجرد حفظ للتراث القديم، بل كانت الأساس الجوهري الذي قامت عليه النهضة الفكرية في أوروبا، وبدون هذا الجسر الثقافي بين الشرق والغرب، لربما تعطل مسار التطور العلمي والفكري الغربي لقرون أخرى.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام: كلمات مفتاحية
2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم