كشف الهجوم الصاروخي الأخير الذي استهدف قاعدة كالسو في ناحية جرف الصخر جنوب العاصمة العراقية بغداد والتي يشغلها الحشد الشعبي كمقر عسكري عن الثغرة التي يعاني منها العراق في منظومة الدفاع الجوي والخلل الكبير في تأمين الأجواء العراقية.

وأخفقت الجهات العراقية طيلة السنوات السابقة في بناء منظومة للدفاع الجوي بسبب اعتماد العراق على الجانب الأمريكي في مجال التسليح وبناء القدرات العسكرية من جهة، وعدم جدية الجانب الأمريكي في دعم العراق في مجال بناء منظومته الدفاعية الجوي بسبب تقارب السلطات الحاكمة في العراق مع الجانب الإيراني.

فجر السبت الماضي، تعرضت قاعدة كالسو العسكرية للحشد الشعبي شمالي بابل إلى هجوم جوي أسفر عن مقتل وإصابة 9 منتسبين في الجيش والحشد بحسب الرواية الرسمية، فيما لم تحدد القيادة العسكرية الجهة وراء الحادث، حتى الآن.

 

نفي أمريكي وغموض في المواقف

ونشرت القيادة المركزية للقوات الأمريكية، بعد الانفجار، بيانًا أكدت فيه علمها بالتقارير التي تتهمها بقصف قاعدة الحشد، لكنها قالت إن "التقارير غير صحيحة. ولم تقم الولايات المتحدة بشن غارات جوية في العراق اليوم".

كما أعلن التحالف الدولي في بيان مقتضب نفيه تنفيذ هجوم جوي على الأراضي العراقية، وقال إن "قواته لم تشارك أو تضرب مواقع في العراق. وإنها تراقب التقارير حول وقوع حادث في جرف الصخر وسنبقى على استعداد لدعم شركائنا العراقيين".

وتراجع الحشد الشعبي عن اتهام سابق للقوات الأمريكية بالوقوف وراء الهجوم، حيث حذف فرع الهيئة في محافظة بابل بيانا اتهم فيه الجانب الأمريكي بشن الضربة الجوية على مقر الحشد في ناحية جرف الصخر، ونشرت بيانًا يتحدث عن انفجار فقط في الموقع.

وكذلك، نأت "إسرائيل" بنفسها عن الحادث، وقال جيشها إنه "لا يُعلّق على معلومات ترد في وسائل الإعلام الأجنبية".

ومما يزيد الموقف غموضا أن مركز قيادة الدفاع الجوي العراقي أكد أنه "لم يرصد أي مسيرات أو مقاتلات في المجال الجوي لمحافظة بابل قبل أو أثناء الانفجار".

وفي بيان آخر، ذكرت خلية الإعلام الأمني العراقي أنه تم تشكيل لجنة فنية مختصة للتحقيق في أسباب الانفجار والحرائق في موقع الحادث.

 

هل كان القصف إسرائيليا؟

لكن الخبير العسكري العراقي أعياد الطوفان رجح أن يكون مصدر القصف الأخير "إسرائيليا" وذلك ردا على إعلان الفصائل العراقية التحرك لاستهداف ميناء إيلات ومواقع عسكرية مهمة في العمق الإسرائيلي.

وقال الطوفان: إن "الفرضيات التي تتحدث عن وجود قصف أمريكي أو تفجير في مخازن للأسلحة في قاعدة كالسو أثبتت عدم دقتها، وأن الفرضية الأقرب إلى الواقع هو تعرض القاعدة إلى قصف صاروخي إسرائيلي".

وأوضح أن "الضربات السابقة التي استهدفت قاعدة عين الأسد تسببت بخسارة العراق للرادار الفرنسي الوحيد الذي تمتلكه ضمن منظومة العراق الدفاعية"، مشيراً إلى أن "العراق يعاني من تطورات خطيرة بسبب عدم امتلاك جيشه منظومات المراقبة والمعالجة التي توازي الأجيال الجديدة من المسيّرات والصواريخ".

 

خروج عن الوصاية الأمريكية

مصادر عراقية عسكرية كشفت عن تحرك حكومة السوداني وبدعم من الإطار التنسيقي، نحو دول عديدة لشراء منظومات للدفاع جوي بعدما تنصلت واشنطن من الإيفاء بوعود مساعدة العراق على إعادة تأهيل قطاع الدفاع الجوي لديه منذ عدة سنوات.

وتؤكد المصادر العراقية أن التحرك العراقي يأتي تحسبا لأي اعتداءات إسرائيلية على أراضيه في حال اتسع نطاق المواجهة الحالية، مشيرة إلى أن العراق لا يريد أن يكون نسخة جديدة من سوريا في ما يتعلق بالضربات الإسرائيلية المتكررة بلا رد".

ولفتت المصادر إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تماطل بمنح العراق منظومات الدفاع الجوي، كما تنصلت من وعود سبتمبر/ أيلول عام 2020 التي قطعتها لحكومة مصطفى الكاظمي السابقة بتزويد العراق منظومات رادار حديثة للاستشعار والإنذار المبكر.

وبينت أن التحرك العراقي سيكون نحو فرنسا أو أي دولة أخرى تمنحها للعراق، فالحكومة العراقية تريد تطوير هذه المنظومة خلال الفترة المقبلة لحماية الأجواء العراقية بشكل كامل.

 

تحرك لشراء منظومة دفاعية

لجنة الأمن والدفاع البرلمانية أكدت وجود تحرك عراقي لتطبيق استراتيجية الأجواء المحصنة، عبر الحصول على منظومات دفاع جوي تؤمن أجوائه من الخروقات، لاسيما عقب الهجمات الجوية الأخيرة التي طالت مقرات الحشد الشعبي.

وقال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية ياسر وتوت: إن "جزءا مهما من أولويات الأمن القومي العراقي هو تأمين الأجواء في ظل الوضع الإقليمي الدولي غير المستقر والذي قد ينفجر بأي لحظة".

وأضاف: أن "العديد من الأسباب تقف وراء ضعف قدرات الدفاع الجوي في العراق، لكن الوضع لا يمكن القبول به في ظل تحديات خطيرة تمس أمن البلاد وتكرار للخروقات ضد القوات العراقية الرسمية بين فترة وأخرى"، وكشف عن تحرك العراق لاقتناء بعض المنظومات المتطورة، لحماية الأجواء والمناطق المهمة وخلق مظلة تساعد على تقليل الخروقات وفق الإمكانيات المتاحة"، حسب تعبيره.

 

مساومات أمريكية

غير أن وتوت شكك بجدية الولايات المتحدة في تزويد العراق بمنظومات الدفاع الجوية، منوها إلى أن واشنطن تبتز العراق في هذا الملف لاسيما وأن العراق يطالب بإنهاء الوجود العسكري للقوات الأمريكية على أراضيه.

وأكد أن "أبرز ملفات الضغط الأميركية الحالية على بغداد في قضية إخراج القوات الأجنبية، هو التسليح، إذ إن الملف حساس للعراق، وأميركا تدرك حاجة العراق لأسلحتها ومعداتها المختلفة".

ويلفت وتوت إلى أن "واشنطن عرقلت طوال السنوات الماضية مساعي الجيش العراقي لتنويع مصادر سلاحه وترسانته الرئيسة، وكانت أيضا تتدخل لمنع إتمام الصفقات مع دول شرقية وأوروبية، حتى يبقى هذا الملف محصوراً بيدها وتضغط من خلاله بالكثير من الملفات، وهي اليوم تستغله بالحوارات مع الحكومة العراقية من أجل إنهاء وجود قواتها".

وكان العراق قد احتل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مراتب متقدمة بين دول الشرق الأوسط في منظومات الدفاع الجوي وسلاح الصواريخ الذكية، لكنه تراجع عقب حرب الخليج عام 1991 إلى مراتب متأخرة، بفعل ضربات مركزة لقوات التحالف على البنى التحتية للجيش العراقي السابق استهدفت أغلب منظومات الدفاع الجوي لديه.

وعقب الغزو الأميركي البريطاني للعراق عام 2003 حل سلاح الصواريخ ومنظومة الدفاع الجوي كباقي تشكيلات الجيش العراقي، واستحدثت بدلاً منها منظومة أخرى على أنقاض القديمة، وزودت بأنظمة صواريخ أميركية توصف بالمحدودة، مثل "هوك" و"افينجر" ورادارات قريبة المدى.

 

فيتو أمريكي

من جانبه، شكك الخبير في الشأن العسكري مؤيد الجحيشي بإمكانية حصول العراق قريبا على منظومة للدفاع الجوي بسبب الفيتو الأمريكي على ذلك.

وقال الجحيشي إن "حراك العراق الحالي لشراء منظومات دفاع جوي متطورة ليس الأول، بل كان هناك حراك خلال السنوات الماضية، لكن لم يتكلل هذا الحراك بالنجاح لأسباب بالمجمل كانت سياسية".

وبين أنّ "السبب الأبرز لإخفاق العراق ببناء منظومات دفاع جوي متطورة، هو وجود الفيتو الأميركي على هذا الأمر، ولهذا نجد حتى بعض الدول لا تتعامل بشكل جدي مع العراق لعقد صفقات كبيرة للأسلحة كهذه، بسبب ذلك... بقاء الفيتو يعني أن العراق لن يستطيع شراء منظومات كهذه خلال الفترة المقبلة".

وأضاف أن "امتلاك العراق منظومات دفاع جوي متطورة أمر مهم في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة، ولتجنب التجربة السورية داخل الأراضي العراقية، خصوصاً أنّ الأجواء العراقية غير مؤمنة ويمكن لأي طيران حربي اختراقها وتنفيذ الضربات فيها بأي مدينة بما في ذلك العاصمة بغداد".

إيران والفيتو الأمريكي

وعن أسباب الفيتو الأمريكي على شراء منظومة الدفاع الجوي العراقية، يؤكد الخبير العسكري مخلد حازم أن ذلك يرجع إلى تخوف واشنطن من إمكانية تهريب هذه المنظومات إلى إيران.

وقال الخبير العسكري مخلد حازم إن "شراء منظومات دفاع جوي متطورة للعراق، يعتمد على من سيدفع تكاليف هذه الصفقة، خصوصاً أن أموال العراق هي تحت سيطرة الفدرالي الأمريكي"، مبينا أن "الدول التي لديها علاقات مع الجانب الأمريكي لا يستطيع العراق أن يشتري منها هكذا منظومات دفاعية".

وأشار حازم إلى أن "وجود تخوف أمريكي من امتلاك العراق منظومات دفاع جوي متطورة، على اعتبار هذه المنظومات ممكن أن تهرب إلى إيران"، مشدداً على أنه "بعد أحداث غزة واصطفاف محور المقاومة مع حماس ضد إسرائيل المدعومة من قبل الولايات المتحدة والدول الأوربية، فهناك صعوبة جداً بإعطاء العراق أي منظومات دفاع جوي متطورة"، حسب تعبيره.